فصل: قال أبو السعود:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والاهتمام والعناية هنا في التقديم والتأخير، سواء مثله في ضرب زيد عمر، أو ضرب زيدًا عمر، وانتهى، وقيل موضع اسم رفع التقدير ابتدائي بأبت، أو مستقر باسم الله، وهو قول البصريين، وأي التقديرين أرجح يرجح الأول، لأن الأصل في العمل للفعل، أو الثاني لبقاء أحد جزأي الإسناد.
والاسم هو اللفظ الدال بالوضع على موجود في العيان، إن كان محسوسًا، وفي الأذهان، إن كان معقولًا من غير تعرض ببنيته للزمان، ومدلوله هو المسمى، ولذلك قال سيبويه: فالكل اسم وفعل وحرف، والتسمية جعل ذلك اللفظ دليلًا على ذلك المعنى، فقد اتضحت المباينة بين الاسم والمسمى والتسمية.
فإذا أسندت حكمًا إلى اسم، فتارة يكون إسناده إليه حقيقة، نحو: زيد اسم ابنك، وتارة لا يصح الإسناد إليه إلا مجازًا، وهو أن تطلق الاسم وتريد به مدلوله وهو المسمى، نحو قوله تعالى: {تبارك اسم ربك} {وسبح اسم ربك} {وما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم}.
والعجب من اختلاف الناس، هل الاسم هو عين المسمى أو غيره، وقد صنف في ذلك الغزالي، وابن السيد، والسهيلي وغيرهم، وذكروا احتجاج كل من القولين، وأطالوا في ذلك.
وقد تأول السهيلي، رحمه الله، قوله تعالى: {سبح اسم ربك}.
بأنه أقحم الاسم تنبيهًا على أن المعنى سبح ربك، واذكر ربك بقلبك ولسانك حتى لا يخلو الذكر والتسبيح من اللفظ باللسان، لأن الذكر بالقلب متعلقة المسمى المدلول عليه بالاسم، والذكر باللسان متعلقة اللفظ.
وقوله تعالى: {ما تعبدون من دونه إلا أسماء}.
بأنها أسماء كاذبة غير واقعة على حقيقة، فكأنهم لم يعبدوا إلا الأسماء التي اخترعوها، وهذا من المجاز البديع.
وحذفت الألف من بسم هنا في الخط تخفيفًا لكثرة الاستعمال، فلو كتبت باسم القاهر أو باسم القادر.
فقال الكسائي والأخفش: تحذف الألف.
وقال الفراء: لا تحذف إلا مع: {بسم الله الرحمن الرحيم} لأن الاستعمال إنما كثر فيه، فأما في غيره من أسماء الله تعالى فلا خلاف في ثبوت الألف. والرحمن صفة لله عند الجماعة.
وذهب الأعلم وغيره إلى أنه بدل، وزعم أن الرحمن علم، وإن كان مشتقًا من الرحمة، لكنه ليس بمنزلة الرحيم ولا الراحم، بل هو مثل الدبران، وإن كان مشتقًا من دبر صيغ للعلمية، فجاء على بناء لا يكون في النعوت، قال: ويدل على علميته ووروده غير تابع لاسم قبله، قال تعالى: {الرحمن على العرش استوى} {الرحمن علم القرآن} وإذا ثبتت العلمية امتنع النعت، فتعين البدل.
قال أبو زيد السهيلي: البدل فيه عندي ممتنع، وكذلك عطف البيان، لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى تبيين، لأنه أعرف الأعلام كلها وأبينها، ألا تراهم قالوا: وما الرحمن، ولم يقولوا: وما الله، فهو وصف يراد به الثناء، وإن كان يجري مجرى الإعلام.
{الرحمن الرحيم}.
قيل دلالتهما واحد نحو ندمان ونديم، وقيل معناهما مختلف، فالرحمن أكثر مبالغة، وكان القياس الترقي، كما تقول: عالم نحرير، وشجاع باسل، لكن أردف الرحمن الذي يتناول جلائل النعم وأصولها بالرحيم ليكون كالتتمة والرديف ليتناول ما دق منها ولطف، واختاره الزمخشري.
وقيل الرحيم أكثر مبالغة، والذي يظهر أن جهة المبالغة مختلفة، فلذلك جمع بينهما، فلا يكون من باب التوكيد.
فمبالغة فعلان مثل غضبان وسكران من حيث الامتلاء والغلبة، ومبالغة فعيل من حيث التكرار والوقوع بمحال الرحمة، ولذلك لا يتعدى فعلان، ويتعدى فعيل.
تقول زيد رحيم المساكين كما تعدى فاعلًا، قالوا زيد حفيظ علمك وعلم غيرك، حكاه ابن سيده عن العرب.
ومن رأى أنهما بمعنى واحد، ولم يذهب إلى توكيد أحدهما بالآخر، احتاج أنه يخص كل واحد بشيء، وإن كان أصل الموضوع عنده واحدًا ليخرج بذلك عن التأكيد، فقال مجاهد: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.
وروى ابن مسعود، وأبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة» وإذا صح هذا التفسير وجب المصير إليه. وقال القرطبي: رحمن الآخرة ورحيم الدنيا.
وقال الضحاك: لأهل السماء والأرض. وقال عكرمة: برحمة واحدة وبمائة رحمة. وقال المزني: بنعمة الدنيا والدين. وقال العزيزي: الرحمن بجميع خلقه في الأمطار، ونعم الحواس، والنعم العامة، الرحيم بالمؤمنين في الهداية لهم واللطف بهم، وقال المحاسبي: برحمة النفوس ورحمة القلوب.
وقال يحيى بن معاذ: لمصالح المعاد والمعاش. وقال الصادق: خاص اللفظ بصيغة عامة في الرزق، وعام اللفظ بصيغة خاصة في مغفرة المؤمن. وقال ثعلب: الرحمن أمدح، والرحيم ألطف، وقيل: الرحمن المنعم بما لا يتصور جنسه من العباد، والرحيم المنعم بما يتصور جنسه من العباد.
وقال أبو علي الفارسي: الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين، كما قال تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيمًا} ووصف الله تعالى بالرحمة مجاز عن إنعامة على عباده، ألا ترى أن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم، أصابهم إحسانه فتكون الرحمة إذ ذاك صفة فعل؟ وقال قوم: هي إرادة الخير لمن أراد الله تعالى به ذلك، فتكون على هذا صفة ذات، وينبني على هذا الخلاف خلاف أخر، وهو أن صفات الله تعالى الذاتية والفعلية أهي قديمة أم صفات الذات قديمة وصفات الفعل محدثة قولان؟ وأما الرحمة التي من العباد فقيل هي رقة تحدث في القلب، وقيل هي قصد الخير أو دفع الشر، لأن الإنسان قد يدفع الشر عمن لا يرق عليه، ويوصل الخير إلى من لا يرق عليه.
وفي البسملة من ضرور البلاغة نوعان:
أحدهما: الحذف، وهو ما يتعلق به الباء في بسم، وقد مر ذكره، والحذف قيل لتخفيف اللفظ، كقولهم بالرفاء والبنين، باليمن والبركة، فقلت إلى الطعام، وقوله تعالى: {في تسع آيات} أي أعرست وهلموا واذهب، قال أبو القاسم السهيلي: وليس كما زعموا، إذ لو كان كذلك كان إظهاره وإضماره في كل ما يحذف تخفيفًا، ولكن في حذفه فائدة، وذلك أنه موطن ينبغي أن لا يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى، فلو ذكر الفعل، وهو لا يستغني عن فاعله، لم يكن ذكر الله مقدمًا، وكان في حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى، كما تقول في الصلاة الله أكبر، ومعناه من كل شيء، ولكن يحذف ليكون اللفظ في اللسان مطابقًا لمقصود القلب، وهو أن لا يكون في القلب ذكر إلا الله عز وجل. ومن الحذف أيضًا حذف الألف في بسم الله وفي الرحمن في الخط، وذلك لكثرة الاستعمال.
الثاني: التكرار في الوصف:
ويكون إما لتعظيم الموصوف، أو للتأكيد، ليتقرر في النفس. وقد تعرض المفسرون في كتبهم لحكم التسمية في الصلاة، وذكروا اختلاف العلماء في ذلك، وأطالوا التفاريع في ذلك، وكذلك فعلوا في غير ما آية وموضوع، هذا كتب الفقه، وكذلك تكلم بعضهم على التعوذ، وعلى حكمه، وليس من القرآن بإجماع.
ونحن في كتابنا هذا لا نتعرض لحكم شرعي، إلا إذا كان لفظ القرآن يدل على ذلك الحكم، أو يمكن استنباطه منه بوجه من وجوه الاستنباطات. واختلف في وصل الرحيم بالحمد، فقرأ قوم من الكوفيين بسكون الميم، ويقفون عليها ويبتدئون بهمزة مقطوعة، والجمهور على جر الميم ووصل الألف من الحمد. وحكى الكسائي عن بعض العرب أنه يقرأ الرحيم الحمد بفتح الميم وصلة الألف، كأنك سكنت الميم وقطعت الألف، ثم ألقيت حركتها على الميم وحذفت ولم تر، وهذه قراءة عن أحد. اهـ.

.قال أبو السعود:

{بِسْمِ الله الرَّحَمنِ الرَّحَيمِ}.
اختلف الأئمة في شأن التسمية في أوائل السور الكريمة فقيل: إنها ليست من القرآن أصلًا، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه ومذهبُ مالك، والمشهورُ من مذهب قدماء الحنفية، وعليه قرّاءُ المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها. وقيل: إنها آية مفردة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها وهو الصحيحُ من مذهب الحنفية، وقيل: هي آية تامة من كل سورة صُدِّرت بها، وهو قولُ ابن عباس وقد نُسب إلى ابن عمر أيضًا رضي الله عنهم، وعليه يُحمل إطلاقُ عبارة ابن الجوزي في زاد المسير حيث قال: روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنها أنزلت مع كل سورة، وهو أيضًا مذهبُ سعيد بنِ جبيرٍ والزُّهري وعطاءٍ وعبدِ اللّه بن المبارك، وعليه قُرَّاءُ مكَّة والكوفةِ وفقهاؤهما، وهو القولُ الجديد للشافعي رحمه الله، ولذلك يُجْهر بها عنده، فلا عبرة بما نُقِلَ عن الجصاص من أن هذا القول من الشافعي لم يسبقه إليه أحد، وقيل إنها آية من الفاتحة مع كونها قرآنًا في سائر السور أيضًا من غير تعرض لكونها جزأ منها أَوْ لا، ولا لكونها آية تامَّةً أَوْ لا، وهو أحدُ قولَي الشافعي على ما ذكره القرطبي. ونقل عن الخطابي أنه قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم. وقيل إنها آية تامة في الفاتحة وبعض في البواقي. وقيل بعضُ آية في الفاتحة وآية تامة في البواقي، وقيل إنها بعض آية في الكل، وقيل إنها آيات من القرآن متعددة بعدد السور المُصدّرة بها من غير أن تكون جزأ منها، وهذا القول غير معزى في الكتاب إلى أحد، وهناك قول آخرُ ذكره بعض المتأخرين ولم ينسُبْه إلى أحد وهو إنها آية تامة في الفاتحة وليست بقرآن في سائر السور، ولولا اعتبارُ كونها آيةً تامةً لكان ذلك أحدَ محملَيْ ترددِ الشافعي، فإنه قد نقل عنه أنها بعض آية في الفاتحة، وأما في غيرها فقوله فيها متردد، فقيل: بين أن يكون قرآنًا أَوْ لا، وقيل: بين أن يكون آيةً تامَّةً أَوْ لا، قال الإمام الغزالي: والصحيح من الشافعي هو التردد الثاني.
وعن أحمد بنِ حنبلٍ في كونها آيةً كاملة وفي كونها من الفاتحة روايتان ذكرهما ابن الجوزي، ونقل أنه مع مالك، وغيره ممن يقول أنها ليست من القرآن. هذا والمشهور من هذه الأقاويل هي الثلاث الأُول، والاتفاقُ على إثباتها في المصاحف مع الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله عز وجل يقضي بنفي القول الأول، وثبوت القدر المشترك بين الأخيرين من غير دلالة على خصوصية أحدهما، فإن كونها جزأ من القرآن لا يستدعي كونها جزأ من كل سورة منه، كما لا يستدعي كونها آية منفردة منه. وأما ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن مَنْ تركها فقد ترك مائة وأربعَ عشرةً آيةً من كتاب الله تعالى وما روي عن أبي هريرة من أنه صلى الله عليه وسلم قال: «فاتحةُ الكتاب سبعُ آياتٍ أولاهن {بسم الله الرحمن الرحيم}»، وما روي عن أم سلمة من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الفاتحة وعدَّ {بسم الله الرحمن الرحيم} {الحمد لله رب العالمين} آية، وإن دل كلُ واحد منها على نفي القول الثاني فليس شيء منها نصًا في إثبات القولِ الثالث، أما الأول فلأنه لا يدل إلا على كونها آياتٍ من كتاب الله تعالى متعددةً بعدد السور المصدرة بها، لا على ما هو المطلوبُ من كونها آية تامة من كل واحدة منها، إلا أن يُلْتجأ إلى أن يقال أن كونها آيةً متعددةً بعدد السور المصدّرةِ بها من غير أن تكون جزءًا منها قول لم يقل به أحد، وأما الثاني فساكت عن التعرض لحالها في بقية السور، وأما الثالثُ فناطق بخلافه مع مشاركته للثاني في السكوت المذكور. والباء فيها متعلقة بمضمرٍ يُنبئ عنه الفعلُ المصدَّرُ بها، كما أنها كذلك في تسمية المسافر عند الحلول والارتحال، وتسمية كل فاعل عند مباشرة الأفعال.
ومعناها الاستعانة أو الملابسةُ تبركًا، أي باسم الله أقرأ، أو أتلو، وتقديم المعمول للإعتناء به والقصد إلى التخصيص، كما في إياك نعبد، وتقديرُ أبدأ لاقتضائه اقتصارَ التبرك على البداية مُخلّ بما هو المقصودُ، أعني شمولَ البركة للكل، وادعاءُ أن فيه امتثالًا بالحديث الشريف من جهة اللفظ والمعنى معًا، وفي تقدير أقرأُ من جهة المعنى فقط ليس بشيء، فإن مدارَ الامتثالِ هو البدءُ بالتسمية لا تقديرُ فعله، إذ لم يقل في الحديث الكريم: كلُّ أمرٍ ذي بال لم يُقَل فيه أو لم يُضْمَر فيه أَبدأُ، وهذا إلى آخر السورة الكريمة مقول على ألسنة العباد تلقينًا لهم، وإرشادًا إلى كيفية التبرك باسمه تعالى، وهدايةً إلى منهاج الحمد وسؤالِ الفضل، ولذلك سُميت السورةُ الكريمة بما ذكر من تعليم المسألة، وإنما كُسرت ومن حق الحروف المفردة أن تُفتَحَ لاختصاصها بلزوم الحرفية والجر، كما كسرت لامُ الأمر، ولامُ الإضافة داخلةً على المُظْهَر للفصل بينهما وبين لام الابتداء.
والاسم عند البصريين من الأسماء المحذوفة الأعْجَاز. المبنية الأوائل على السكون قد أُدخلت عليها عند الابتداء همزة، لأن مِنْ دأبهم البدءَ بالمتحرِّك والوقفَ على الساكن، ويشهد له تصريفُهم على أسماء وسُمَيّ وسمَّيتُ، وسُميً كهُدىً لغة فيه قال:
واللَّه أسماكَ سُمى مباركا ** آثرك اللَّهُ به إيثاركا