فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} الجملة معطوفة على جملة: {ألا إن أولياء الله لا خَوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: 62] عطف الجزئي على الكلي لأن الحزن المذكور هنا نوع من أنواع الحزن المنفي في قوله: {ولا هُم يحزنون} [يونس: 62]، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع لأن دفع هذا الحزن يتفرع على ذلك النفي ولكن عُدل إلى العطف بالواو ليعطي مضمون الجملة المعطوفة استقلالًا بالقصد إليه فيكون ابتداء كلام مع عدم فوات معنى التفريع لظهوره من السياق.
والحزن المنهي عن تطرقه هو الحزن الناشئ عن أذى المشركين محمدًا صلى الله عليه وسلم بأقوالهم البذيئة وتهديداتهم.
ووجه الاقتصار على دحضه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلقى من المشركين محزنًا إلا أذى القول البذئي.
وصيغة: {لا يحزنك قولهم} خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وظاهر صيغته أنه نهي عن أن يحزن النبي صلى الله عليه وسلم كلام المشركين، مع أن شأن النهي أن يتوجه الخطاب به إلى من فعل الفعل المنهي عنه، ولكن المقصود من مثل هذا التركيب نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يتأثر بما شأنه أن يُحزن الناس من أقوالهم، فلما وجه الخطاب إليه بالنهي عن عمل هو من عمل غيره تعين أن المراد بذلك الكناية عن نهيه هو عن حصول ذلك الحزن في نفسه بأن يصرف عن نفسه أسبابه وملزوماته فيؤول إلى معنى لا تترك أقوالهم تُحزنك، وهذا كما يقولون: لا أريَنَّك تفعل كذا، ولا أعرفنَّك تفعل كذا، فالمتكلم ينهى المخاطب عن أن يراه المتكلم فاعلًا كذا.
والمراد نهيه عن فعل ذلك حتى لا يراه المتكلم فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.
والمعنى: لا تفعلن كذا فأراك تفعله.
ومعنى: {لا يحزنك قولهم} لا تحزن لقولهم فيحزنك.
ومعلوم أن أقوال المشركين التي تحزن النبي هي أقوال التكذيب والاستهزاء، فلذلك حذف مفعول القول لأن المصدر هنا نزل منزلة مصدر الفعل اللازم.
وجملة: {إن العزة لله جميعًا} تعليل لدفع الحزن عنه، ولذلك فصلت عن جملة النهي كأنَّ النبي يقول: كيف لا أحزن والمشركون يتطاولون علينا ويتوعدوننا وهم أهل عزة ومنعَة، فأجيب بأن عزتهم كالعدم لأنها محدودة وزائلة والعزة الحق لله الذي أرسلك.
وهي أيضًا في محل استئناف بياني.
وكل جملة كان مضمونها علة للتي قبلها تكون أيضًا استئنافًا بيانيًا، فالاستئناف البياني أعم من التعليل.
وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام بها، ولأنَّه يفيد مفاد لام التعليل وفاء التفريع في مثل هذا المقام الذي لا يقصد فيه دفع إنكار من المخاطب.
ويحسن الوقف على كلمة: {قولهم} لكي لا يتوهم بعض من يسمع جملة: {إنّ العزة لله جميعًا} فيحسبه مقولًا لقولهم فيتطلب لماذا يكونُ هذا القول سببًا لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من قولهم: {إنّ العزّة لله} وإن كان في المقام ما يهدي السَّامع سريعًا إلى المقصود.
ونظير هذا الإيهام ما حكي أنّ ابن قتيْبة (وهو عبد الله بن مسلم بن قُتيبة) ذكر قراءة أبي حيْوة: {أنّ العزّة لله} بفتح همزة (أن) وأعرب بدلًا من (قولُهم) فحكم أنّ هذه القراءة كُفر.
حكى ذلك عنه ابن عطيَّة.
وأشار إلى ذلك في الكشاف فقال: ومن جعله بدلًا من قولُهم ثم أنكره فالمنكر هو تخريجه.
ولعل ابن قتيبة أراد أن كسر الهمزة وإن كان محتملًا لأن تكون الجملة بعدها معمولة ل: {قولهم} لأن شأن إن بعد فعل القول أن لا تكون بفتح الهمزة لكن ذلك احتمال غير متعيَّن لأنَّه يحتمل أيضًا أن تكون الجملة استئنافًا، والسياق يعيّن الاحتمال الصحيح.
فأمَّا إذا فتحت الهمزة كما قرأ أبو حَيْوَة فقد تعيَّنت أن تكون معمولة لما ذكر قبلها وهو لفظ: {قولُهم} ولا محمل لها عنده إلا أنها أي المصدر المنسبك.
منها بدل من كلمة: {قولهم}، فيصير المعنى: أنّ الله نهى نبيئه عن أن يحزن من قول المشركين: {العزةُ لله جميعًا} وكيف وهو إنَّما يدعوهم لذلك.
وإذ كان النهي عن شيء يقتضي تجويز تلبس المنهي بالشيء المنهى عنه اقتضى ذلك تجويز تلبس النبي عليه الصلاة والسلام بالحَزن لمن يقول هذا القول وهذا التجويز يؤول إلى كفر من يجوزه على طريقة التكفير باللازم، ومقصده التَّشنيع على صاحب هذه القراءة.
وإنَّما بنى ابن قتيبة كلامه على ظاهر لفظ القرآن دون تقدير حرف قبل (أنّ) لعلَّه راعى أنّ التقدير خلاف الأصل أو أنَّه غير كاف في دفع الإيهام.
فالوجه أنّ ابن قتيبة هوّل ما له تأويل، ورد العلماء عليه رد أصيل.
والتَّعريف في: {العزّة} تعريف الجنس المفيد للاستغراق بقرينة السِّياق.
واللام في قوله: {لله} للملك.
وقد أفاد جعل جنس العزة ملكًا لله أنّ جميع أنواعها ثابت لله، فيفيد أنّ له أقوى أنواعها وأقصاها.
وبذلك يفيد أنّ غير الله لا يملك منها إلاّ أنواعًا قليلة، فما من نوع من أنواع العزة يوجد في مِلك غيره فإن أعظم منه من نوعه ملك لله تعالى.
فلذلك لا يكون لما يملكه غير الله من العزة تأثير إذا صادم عزة الله تعالى، وأنه لا يكون له تأثير إلا إذا أمهله الله، فكل عزّة يستخدمها صاحبها في مناواة من أراد الله نصره فهي مدحوضة مغلوبة، كما قال تعالى: {كتب الله لأغلبنّ أنا ورُسلي إنّ الله قوي عزيز} [المجادلة: 21] وإذ قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أنّ الله أرسله وأمره بزجر المشركين عمَّا هم فيه كان بحيث يؤمن بالنصر إذا أعلمه الله بأنه مراده، ويعلم أنّ ما للمشركين من عزة هو في جانب عزة الله تعالى كالعدم.
و: {جميعًا} حال من: {العزّة} موكّدة مضمونَ الجملة قبلها المفيدَ لاختصاصه تعالى بجميع جنس العزّة لدفع احتمال إرادة المبالغة في ملك ذلك الجنس.
وجملة: {هو السَّميع العليم} مستأنفة وإجراء هذا الخبر على اسم الجلالة الواقع ركنًا في الجملة التعليلية يجر معنى التعليل إلى هذه الجملة فتفيد الجملة تعليلًا آخر أو تكملة للتعليل الأوّل، لأنه إذا تذكر المخاطب أنّ صاحب العزة يعلم أقوالهم وأحوالهم زاد ذلك قوة في دفع الحُزن مِن أقوالهم عن نفسه لأنّ الذي نهاه عن الحزن من أقوالهم وتطوالهم أشد منهم قوة ومحيط علمه بما يقولونه وبأحوالهم.
فهو إذا نهاك عن الحزن من أقوالهم ما نهاك إلا وقد ضمن لك السَّلامة منهم مع ضعفك وقوتهم لأنه يمدُّك بقوته وهو أعلم بتكوين أسباب نصرك عليهم.
والمراد بـ: {السميع} العالم بأقوالهم التي من شأنها أن تسمع، وب: {العليم} ما هو أعم من أحوالهم التي ليست بمسموعات فلا يطلق على العلم بها اسم السَّميع. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}
تجيء هذه الآية بعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى اعتراضات الكفار، وإيذاءهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبهم له وقولهم فيه ما قالوه، وفيما قالوه ما أحزنه صلى الله عليه وسلم؛ لذلك طلب منه الحق سبحانه ألاَّ ينفعل لما قالوه انفعال الحزين، فقد قالوا: ساحر، وكاذب، ومُفْتَرٍ، ومجنون، وقد نفى عنه الحق سبحانه كل ما قالوه، فلو كان محمد صلى عليه وسلم ساحرًا فلماذا لم يسحرهم هم أيضًا، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟!
إذن: كَذَّبَ قولَهم في أنه صلى الله عليه وسلم سحر عبيدَهم وأولادَهم.
وقالوا: مجنون، ولم يكن في سلوكه صلى الله عليه وسلم أدنى أثر من جنون، وفنَّد أقوالهم هذه بقوله سبحانه: {ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 14].
فالمجنون لا يكون على خُلُق عظيم أبدًا.
وحين قالوا: إنه افترى القرآن، تحداهم أن يأتوا بسورة من مثل ما قال، وعجزوا عن ذلك رغم أنهم مرتاضون للشعر والأدب والبيان.
وقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] لأن أقوالهم لا حصيلة لها من الوقوف أمام الدعوة؛ لأن: {العزة للَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65] والعزة هي القوة، والغلبة، ويقال: هذا الشيء عزيز، أي: لا يوجد مثله، وهو سبحانه العزيز المُطْلَق؛ لأنه لا إله إلا هو لا يُغلَب ولا يُقهَر.
وتلحظ حين تقرأ هذه الآية وجود حرف الميم فوق كلمة: {قَوْلُهُمْ} وتعني: ضرورة الوقف هنا.
ولسائل أن يقول: كيف يلزم الوقف هنا مع أن القرآن الكريم مبنيٌّ على الوصل؛ وآخر حرف في كل سورة تجده مُنوَّنًا، وليس في القرآن ما يُلزم الوقف للقارئ؟
وأقول رَدًّا على هذا التساؤل: إن العلماء حين لاحظوا ضعف مَلَكة اللغة؛ جاءوا بهذا الوقف ليتفهم القارئ الذي لا علم له بالبيان العربي كيف يقرأ هذه الآية، فهَبْ أن واحدًا لا يملك فطنة الأداء، فينسب: {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65] إلى: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65]. ويخطئ الفهم، ويظن معاذ الله أن العزة لله هي أمر يُحزِن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك جاء العلماء بالوقف هنا لندقِّق القراءة ونُحْسِن الفهم.
ولذلك علينا أن نقرأ: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65] ثم نتوقف قبل أن نتابع القراءة: {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65ِ]؛ وبهذا نفهم المعنى: يجب ألاَّ تحزن يا محمد؛ لأن أقوالهم لن تغيّر في مجرى حتمية انتصارك عليهم.
ويريد الحق سبحانه هنا أن يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم في أمر محدد، هو أنه صلى الله عليه وسلم مهمته هي البلاغ فقط، وليس عليه أن يُلزمهم بالإيمان برسالته والتسليم لمنهجه.
وبيّن له الحق سبحانه: أنهم إذا ما صدُّوا بعد بلاغك، فلا تحزن مما يقولون؛ فأقوالهم لا يقوم عليها دليل، ولا تنهض لها حُجَّة، وقد جاء فيهم قول الحق سبحانه: {وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ} [النمل: 14].
وأقوالهم لن تقف في سبيل دعوتك، وسيُتمُّ الله نوره، ولا يوجد أعز من الله سبحانه وتعالى، ولن يجير أحد على أحدًا، فهو سبحانه يُجير ولا يُجار عليه.
وإذا كانت العزة هي القهر والغلبة، وقد تكون عزة حُجّة، وقد تكون عزة حلْف، وقد تكون عزة حكمة، وكل واحد من خلق الله سبحانه قد توجد له عزة مجالٍ ما أو محيط ما، لكن العزة لله سبحانه شاملة مطلقة في كل محيطٍ وفي كل مجال، شاملة لكل شيء وأي شيء.
ولماذا لم يأت الحق سبحانه بأسلوب القَصْر في هذه الآية؟
أي: أن تأتي الصفة للموصوف وتنفيها عما عداه؛ كأن نقول: لزيدٍ مالٌ ليس لغيره. وإذا قدمنا الجار والمجرور وهو المتعلّق فنقول: لفلانٍ كذا، وهذا يعني ان غير فلانٍ ليس له كذا.
وإنْ قلنا: فلان له كذا فيصح أن نقول: ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا، ولفلانٍ كذا.
أما إذا قلت: لفلان كذا فمعناها: امتناع أن يكون لغير فلان شيء من مثل ما قلت.
وهنا يقول الحق سبحانه: {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا} [يونس: 65] وجاء بالتأكيد ولم يأت لها بأسلوب القصر الذي يعطي العزة لله سبحانه وينفيها عن غيره؛ لأنه لا يوجد لهذه الآية مناهض، وهو كلام ابتدائي يخبر به الله سبحانه خبرًا كونيًا بأن العزة لله جميعًا.
وما دام الحق سبحانه هو الذي يقول ذلك وهو خالق الخلق فلن تأتي قضية كونية تناقضها، ولو وجدت معاذ الله قضية كونية تناقضها، فالآية لن تكون صادقة. وهذا لم ولن يحدث أبدًا مع آيات الحق سبحانه؛ لأنه هو خالق الكون، وهو مُنزل الآيات؛ فلا يمكن أن يحدث تناقض أبدًا بين الكون وكلام خالق الكون سبحانه وتعالى:
وقد حدث أن ادعى بعضهم العزة لنفسه وقالوا: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل} [المنافقون: 8].
وكان مغزى قولهم هو ادعاء العزة لأنفسهم، وادعاء الذلة للمؤمنين.
إذن فالعزة قد ادُّعيت، وما دامت قد ادعيت فلماذا لم تأت بأسلوب القصر؟
نقول: لا، لقد شاء الحق سبحانه أن يقول: {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
فالعزة لله لا تتعداه، ولكنه سبحانه شاء أن تكون عزة رسوله صلى الله عليه وسلم وعزة المؤمنين من باطن عزة الله تعالى.
وقول الحق سبحانه هنا: {إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعًا} أي: في كل ألوانها هي لله سبحانه وتعالى، إن كانت عزة حكمه فهو الحكيم، وإنْ كانت عزة القبض على الأمور فهو العزيز، وإن كانت عزة الحلْم فهو الحليم، وإنْ كانت عزة الغضب والانتقام فهو المنتقم الجبّار، وكلُّ ألوان العزة لله تعالى: {هُوَ السميع العليم} [يونس: 65].
وما دامت العزة هي الغلبة والقهر، فالله سبحانه يسمع من يستحق أن يُقهر منه، وما دام الأمر فيه قول فهو يجيء بالسمع، وإنْ كان فيه فعل، فهو يأتي بصفة العليم، فهو السميع لما يُقال والعليم بما يُفعل.
ونحن نعلم أن المنهيَّ عنه هنا هو: {وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} [يونس: 65].
لذلك كان المناسب أن يقال: {هُوَ السميع} أولًا.
ويريد الحق سبحانه أن يدلِّل على هذه القضية دلالة كونية في آيات الله تعالى في الكون، وليس في الوجود أو الكون مَنْ يقف أمامه سبحانه؛ لذلك لابد أن نلحظ أن قانون العزة لله جميعًا محكوم بأن لله تعالى ما في السموات وما في الأرض. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: {ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات}. اهـ.