فصل: فوائد لغوية وإعرابية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بعث الله إليه ميكائيل ليعيره فقال: {ءَآلآن وقد عصيت قبل}.
وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: أخبرت أن فرعون كان أثرم.
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}
أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: أنجى الله فرعون لبني إسرائيل من البحر فنظروا إليه بعدما غرق.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: بجسدك، كذب بعض بني إسرائيل بموت فرعون فألقي على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيرًا كأنه ثور.
وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب رضي الله عنه: {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: جسده ألقاه البحر على الساحل.
وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن كعب رضي الله عنه في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: بدرعك، وكانت درعه من لؤلؤ يلاقي فيه الحروب.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي صخر رضي الله عنه في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: البدن الدرع الحديد.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي جهيم موسى بن سالم رضي الله عنه في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: كان لفرعون شيء يلبسه يقال له البدن يتلألأ.
وأخرج ابن الأنباري وأبو الشيخ عن يونس بن حبيب النحوي رضي الله عنه في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك} قال: نجعلك على نجوة من الأرض كي ينظروا فيعرفوا أنك قدمت.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: {فاليوم ننجيك ببدنك...} الآية. قال: لما أغرق الله فرعون لم تصدق طائفة من الناس بذلك، فأخرجه الله ليكون عظة وآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله: {لتكون لمن خلفك آية} قال: لبني إسرائيل.
وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود أنه قرأ: {فاليوم ننجيك بندائك}.
وأخرج ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني ويزيد البربري أنهما قرأ: {فاليوم ننحيك ببدنك} بحاء غير معجمة. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا} قوله تعالى: {وَجَاوَزْنَا ببني}: قد تقدَّم الكلام فيه. وقرأ الحسن {وجَوَّزْنا} بتشديدِ الواو، قال الزمخشري: وجَوَّزْنا: مِنْ أجاز المكان وجاوَزَه وجَوَّزه، وليس مِنْ جَوَّز الذي في بيت الأعشى:
وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلة ** أَخَذْتَ من الأخرى إليك حبالَها

لأنه لو كان منه لكان حَقُّه أن يقال: وجَوَّزْنا بني إسرائيل في البحر كما قال:
................... ** كما جَوَّز السَّكَّيَّ في الباب فَيْتَقُ

يعني أن فَعَّل بمعنى فاعَلَ وأَفْعَل، وليس التضعيفُ للتعدية، إذ لو كان كذلك لتعدَّى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء.
وقرأ الحسن {فاتَّبَعَهُم} بالتشديد، وقد تقدم الفرق.
قوله: {بَغْيًا وَعَدْوًا} يجوز أن يكونا مفعولين مِنْ أجلهما أي: لأجلِ البَغْي والعَدْوِ، وشروطُ النصب متوفرةٌ، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي: باغين متعدِّين. وقرأ الحسن {وعُدُوًّا} بضم العين والدال المشددة، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأنعام.
قوله: {حتى إِذَا} غايةٌ لاتِّباعه. قوله: {آمَنتُ أَنَّهُ} قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسرًا لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلًا من قوله: {آمنت}، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة بـ {قال} هذا الظاهر. والرابع: أن {آمنتُ} ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري: كَرَّر المخذولُ المعنى الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصًا على القبول يعني أنه قال: {آمنتُ}، فهذه مرة، وقال: {أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ} فهذه ثانيةٌ، وقال: {وَأَنَاْ مِنَ المسلمين} فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في إنه.
وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضًا، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}
قوله تعالى: {الآنَ}: منصوبٌ بمحذوفٍ أي: آمنْتَ الآن، أو أتؤمن الآن. وقوله: {وقد عَصَيْتَ} جملةٌ حالية، وقد تقدَّم نظيرُ ذلك قريبًا.
قوله: {بِبَدَنِكَ} فيه وجهان، أحدُهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحبًا لبدنك وهي الدِّرْع، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه، وكانت له دِرْعُ تُعْرَفُ فأُلقي بنَجْوة من الأرض وعليه دِرْعُه ليعرفوه، والعربُ تطلِقُ البدنَ على الدرع، قال عمرو بن معد يكرب:
أعاذِلُ شِكَّتي بدني وسيفي ** وكلّ مُقَلَّصٍ سَلِس القِيادِ

وقال آخر:
ترى الأبْدانَ فيها مُسْبَغَاتٍ ** على الأبطالِ واليَلَبَ الحصينا

وقيل: ببدنك أي عُرْيانَ لا شيءَ عليه، وقيل: بدنًا بلا روح.
والثاني: أن تكونَ سببيةً على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنه سبب في تنجيته، وذلك على قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع {بندائك} من النداء وهو الدعاءِ أي: بما نادى به في قومه من كفرانه في قولِه: {ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} [الزخرف: 51]: {فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى} [النازعات: 23-24]: {يا أيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي} [القصص: 38].
وقرأ يعقوب {نُنْجِيْك} مخففًا مِنْ أنجاه. وقرأ أبو حنيفة {بأبدانك} جمعًا: إمَّا على إرادة الأدْراع لأنه كان يلبس كثيرًا منها خوفًا على نفسِه، أو جعل كلَّ جزء مِنْ بدنه بدنًا كقوله: شابت مَفارِقُه قال:
......................... ** شابَ المَفارِقُ واكتَسَيْنَ قَتِيرا

وقرأ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع ويزيد البربري {نُنَحِّيْكَ} بالحاء المهملةِ من التَّنْحِيَة أي: نُلْقيك بناحيةٍ فيما يلي البحر، وفي التفسير: أنَّه رماه إلى ساحل البحر كالثور. وهل ننجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعدك ممَّا وقع فيه قومُك مِنْ قعر البحر وهو تهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نَجْوة أي: رَبْوة مرتفعة، أو مِن النجاة وهو التَّرْكُ أو من النجاء وهو العلامة، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصة. والظاهر أن قوله: {فاليوم نُنَجِّيك} خبرٌ محض. وزعم بعضهم أنه على نية همزةِ الاستفهام وفيه بُعْدٌ لحَذْفِها من غيرِ دليل، ولأنَّ التعليلَ بقوله: {لتكونَ} لا يناسب الاستفهام.
و{لتكون} متعلِّقٌ بـ {نُنَجِّيك} و{آية} أي: علامة، و{لمَنْ خلفك} في محلّ نصبٍ على الحال مِنْ {آية} لأنه في الأصلِ صفةٌ لها. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآيات السابقة:

قال عليه الرحمة:
{وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)}
حَمَلَتْ العِزَّةُ فِرعونَ على تَقَحُّمِ البحر على إثرهم، فلمَّا تحقَّقَ الهلاكُ حَمَلَتْه ضرورةُ الحِيلةِ على الاستعاذة، فلم ينفَعه ذلك لفوات وقت الاختيار.
ويقال لما شهد صوْلَةَ التقدير أفاق من سُكْرِ الغلطة، لكن: بعد شهود البَاسْ لا ينفع التخاشعُ والابتئاسْ.
{آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)}
أَبْعَدَ طولِ الإمهال، والاصرار على ذميم الأفعال، والرَّكْضِ في ميدان الاغترار، وانقضاء وقت الاعتذار؟! هيهات! لقد استوجَبْتَ أن تُرَدَّ في وجهك، فلا لِعُذْرِك قَبُولٌ، ولا لَكَ إلى ما ترومه وصولٌ.
{فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)}
لَنُشْهِرَنَّ تعذيبَكَ، ونُظْهِرَنَّ- لَمِنْ استبصر- تأديبَك، لِتكونَ لِمَنْ خَلْفَكَ عِبْرة، وتزدادَ حين أَفَقْتَ أَسَفًا وحسرةً. اهـ.

.قال السبكي:

قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْت} فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بَعْدَ {حَتَّى} هُوَ الشَّرْطُ أَوْ الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ بِكَمَالِهَا لَا الْجَزَاءُ وَحْدَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إلَّا إيمَانَ فِرْعَوْنَ وَأَبْيَنُ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {حَتَّى إذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ} فَإِنَّ {فَسَيَعْلَمُونَ} هُوَ الْغَايَةُ انْتَهَى. اهـ.

.التفسير الإشاري:

قال نظام الدين النيسابوري:
التأويل: {واتل عليهم نبأ نوح} الروح: {إذ قال لقومه} وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها: {يا قوم إن كان} عظم: {عليكم مقامي} في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة: {فما سألتكم من أجر} من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله. و: {جعلناهم خلائف} خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في الأعراف. وهكذا في قصة موسى: {ولا يفلح الساحرون} لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي: {ويحق الله الحق} أي الذكر: {بكلماته} وهي لا إله إلا الله: {ولو كره} أهل الهوى والنفوس الأمارة: {فما آمن لموسى} القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية: {على خوف من فرعون} النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها: {وأوحينا إلى موسى} القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي. واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق: {وأقيموا الصلاة} أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية: {ليضلوا عن سبيلك} ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك: {ربنا اطمس على أموالهم} بمحقها وتحقيرها في نظرهم: {واشدد} طريق النظر إلى الدنيا وما فيها: {على قلوبهم} واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط: {حتى يروا العذاب الأليم} فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها: {سبيل الذين لا يعلمون} طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره: {وجاوزنا ببنى إسرائيل} هم القلب والسر وصفاتها. والبحر بحر الروحانية الملكوتية: {فأتبعهم فرعون} النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهرًا وقسرًا، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: {آمنت} ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: {لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل}، {ننجيك ببدنك} أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلًا على كمال قدرتنا وعنايتنا. وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا. اهـ.

.تفسير الآية رقم (93):

قوله تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما ذكر تعالى عاقبة أمر فرعون وقومه وأنهم لم ينتفعوا بما جاءهم من البينات مع ما كان فيها من جلي البيان وفي بعضها من الشدائد والامتحان حتى كان آخرها أنه لما رأى مبدأ الهلاك من انفراق البحر لم يزعه عن لجاجه غفلة منه عن عاقبته.
وختمها بالإخبار بكثرة الغفلة إشارة إلى أن هذا الخلق في غير القبط أيضًا، أتبع ذلك ذكر خاتمة أمر بني إسرائيل فيما خولهم فيه بعد الإنجاء من النعم المقتضي للعلم القطعي بأنه لا إله غيره، وأن من خالفه كان على خطر الهلاك، وأنهم- مع مشاهدتهم الآيات الآتيه بسببهم إلى فرعون- آتاهم من الآيات الخاصة بهم المنجزة لصدق وعده سبحانه لآبائهم ما فيه غاية الإحسان إليهم والإكرام لهم، وأنهم كانوا تحت يد فرعون على طريق واحد، ليس بينهم خلاف، وما اختلفوا فصاروا فرقًا في الاعتقادات وأحزابًا في الديانات حتى جاءهم العلم الموضح من الله، فكان المقتضي لاجتماعهم على الله مفرقًا لهم على سبيل الشيطان لخبث سرائرهم وسوء ضمائرهم وقوفًا مع الشاهد الزائل وجمودًا مع المحسوس الفاني ونسيانًا للغائب الثابت والمعلوم المتيقن، كل ذلك لأنا قضينا به فالأمر تابع لما نريد، لا لما يأمر به وينهى عنه، فكان أعظم زاجر عن طلب الآيات وظن أنها توجب له الرد على الغوايات، فقال تعالى: {ولقد بوأنا} أي أسكنا بما لنا من العظمة التي تنقطع الأعناق دون عليائها وتتضاءل ثواقب الأفكار عن إحصائها: {بني إسراءيل} مسكنًا هو أهل لأن يرجع إليه من خرج عنه، وهو المراد بقوله: {مبوأ صدق} أي في الأرض المقدسة لأن وعدنا كان قد تقدم لهم بها وعادة العرب أنها إذا مدحت الشيء أضافته إلى الصدق لأنه مع ثباته حبيب إلى كل نفس ويصدق ما يظن به من الخير.