فصل: من فوائد الزمخشري في الآيات:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد الزمخشري في الآيات:

قال رحمه الله:

.[سورة البقرة: الآية 49]:

{وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ}.
أصل آلِ أهل، ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفًا. وخص استعماله بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإسكاف والحجام. وفِرْعَوْنَ علم لمن ملك العمالقة، كقيصر: لملك الروم، وكسرى: لملك الفرس. ولعتوّ الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر. وفي ملح بعضهم:
قَدْ جَاءَهُ الْمُوسَى الْكَلُومُ فَزَادَ في ** أقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ

وقرئ: أنجيناكم، ونجيتكم يَسُومُونَكُمْ من سامه خسفًا إذا أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم:
إذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفًا ** أَبَيْنَا أَنْ يَقِرَّ الْخَسْفُ فِينَا

وأصله من سام السلعة إذا طلبها. كأنه بمعنى يبغونكم سُوءَ الْعَذابِ ويريدونكم عليه.
والسوء: مصدر السيئ: يقال أعوذ باللَّه من سوء الخلق وسوء الفعل، يراد قبحهما. ومعنى سوء العذاب- والعذاب كله سيئ-: أشدّه وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة لي سائره.
{ويُذَبِّحُونَ}: بيان لقوله يسومونكم. ولذلك ترك العاطف كقوله تعالى: {يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا} وقرأ الزهري {يذبحون} بالتخفيف كقولك: قطعت الثياب وقطعتها.
وقرأ عبد اللَّه: يقتلون. وإنما فعلوا بهم ذلك لأنّ الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه، كما أنذر نمروذ. فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ، وكان ما شاء اللَّه.
والبلاء المحنة إن أشير بذلكم إلى صنيع فرعون. والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء.

.[سورة البقرة: آية 50]:

{وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)}.
{فَرَقْنا} فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنى عشر على عدد الأسباط. فإن قلت: ما معنى {بِكُمُ}؟ قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه، ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، وأن يراد فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم، وأن يكون في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبسا بكم كقوله:
تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبا

.[سورة البقرة: الآيات 51- 52]:

{وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)}.
لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد اللَّه موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذى الحجة. وقيل {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} لأنّ الشهور غررها بالليالي. وقرئ {واعَدْنا} لأن اللَّه تعالى وعده الوحى ووعد المجيء للميقات إلى الطور {مِنْ بَعْدِهِ} من بعد مضيه إلى الطور {وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ} بإشراككم {ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ} حين تبتم {مِنْ بَعْدِ ذلِكَ} من بعد ارتكابكم الأمر العظيم وهو اتخاذكم العجل {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} إرادة أن تشكروا النعمة في العفو عنكم.

.[سورة البقرة: الآيات 53- 54]:

{وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)}.
{الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ} يعنى الجامع بين كونه كتابا منزلا، وفرقانا يفرق بين الحق والباطل: يعنى التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، تريد الرجل الجامع بين الجود والجرأة. ونحوه قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا} يعنى الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرًا: أو التوراة. والبرهان: الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان: انفراق البحر. وقيل: النصر الذي فرّق بينه وبين عدوّه، كقوله تعالى: {يَوْمَ الْفُرْقانِ} يريد به يوم بدر. حمل قوله: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} على الظاهر وهو البخع.
وقيل: معناه قتل بعضهم بعضا. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة. وروى أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه، فلم يمكنهم المضي لأمر اللَّه، فأرسل اللَّه ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم: اصبروا، فلعن اللَّه من مدّ طرفه أو حل حبوته أو اتقى بيد أو رجل، فيقولون: آمين، فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهرون وقالا: يا رب، هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت السحابة ونزلت التوبة. فسقطت الشفار من أيديهم، وكانت القتلى سبعين ألفا. فإن قلت: ما الفرق بين الفاءات؟ قلت: الأولى للتسبيب لا غير، لأن الظلم سبب التوبة. والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم، من قبل أن اللَّه تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم. ويجوز أن يكون القتل تمام توبتهم. فيكون المعنى: فتوبوا، فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم، والثالثة متعلقة بمحذوف، ولا يخلو إما أن ينتظم في قول موسى لهم فتتعلق بشرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم. وإمّا أن يكون خطابا من اللَّه تعالى لهم على طريقة الالتفات. فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم.
فإن قلت: من أين اختص هذا الموضع بذكر البارئ؟ قلت: البارئ هو الذي خلق الخلق بريئا من التفاوت {ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ} ومتميزا بعضه من بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة، فكان فيه تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة أبرياء من التفاوت والتنافر، إلى عباد البقرة التي هي مثل في الغباوة والبلادة.- في أمثال العرب: أبلد من ثور- حتى عرضوا أنفسهم لسخط اللَّه ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم، حين لم يشكروا النعمة في ذلك، وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها.

.[سورة البقرة: الآيات 55- 57]:

{وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)}.
قيل: القائلون السبعون الذين صعقوا. وقيل قاله عشرة آلاف منهم {جَهْرَةً} عيانا.
وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة وبالدعاء، كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال بمعنى ذوى جهرة. وقرئ {جهرة} بفتح الهاء، وهي إمّا مصدر كالغلبة. وإما جمع جاهر. وفي هذا الكلام دليل على أن موسى عليه الصلاة والسلام رادّهم القول وعرّفهم أن رؤية ما لا يجوز عليه أن يكون في جهة محال وأن من استجاز على اللَّه الرؤية فقد جعله من جملة الأجسام أو الأعراض، فرادّوه بعد بيان الحجة ووضوح البرهان، ولجوا فكانوا في الكفر كعبدة العجل، فسلط اللَّه عليهم الصعقة كما سلط على أولئك القتل تسوية بين الكفرين ودلالة على عظمهما بعظم المحنة. والصَّاعِقَةُ ما صعقهم، أى أماتهم. قيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وقيل: صيحة جاءت من السماء. وقيل: أرسل اللَّه جنودا سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوما وليلة. وموسى عليه السلام، لم تكن صعقته موتا ولكن غشية، بدليل قوله: {فلما أفاق}. والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}. وقرأ علىّ رضي الله عنه فأخذتكم الصاعقة.
{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة اللَّه بعد ما كفرتموها إذا رأيتم بأس اللَّه في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت. {وَظَلَّلْنا} وجعلنا الغمام يظلكم. وذلك في التيه، سخر اللَّه لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه، وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى، وينزل عليهم الْمَنَّ وهو الترنجبين مثل الثلج. من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع، ويبعث اللَّه الجنوب فتحشر عليهم السَّلْوى وهي السمانى فيذبح الرجل منها ما يكفيه كُلُوا على إرادة القول: {وَما ظَلَمُونا} يعنى فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة {وما ظلمونا} عليه.

.[سورة البقرة: الآيات 58- 59]:

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (59)}.
{الْقَرْيَةَ} بيت المقدس. وقيل أريحاء من قرى الشام، أمروا بدخولها بعد التيه الْبابَ باب القرية. وقيل هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه الصلاة والسلام. أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرًا للَّه وتواضعًا.
وقيل السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين، ليكون دخولهم بخشوع وإخبات. وقيل: طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فلم يخفضوها، ودخلوا متزحفين على أوراكهم {حِطَّةٌ} فعلة من الحط كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أى مسألتنا حطة، وأمرك حطة.
والأصل: النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة. وإنما رفعت لتعطى معنى الثبات، كقوله:
صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلَانَا مُبْتَلَى

والأصل صبرًا، على: اصبر صبرًا. وقرأ ابن أبى عبلة بالنصب على الأصل. وقيل معناه: أمرنا حطة، أى أن نحط في هذه القرية ونستقرّ فيها. فإن قلت: هل يجوز أن تنصب حطة في قراءة من نصبها بقولوا، على معنى: قولوا هذه الكلمة؟ قلت: لا يبعد. والأجود أن تنصب بإضمار فعلها، وينتصب محل ذلك المضمر بقولوا. وقرئ {يُغفر لكم} على البناء للمفعول بالياء والتاء {وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ} أى من كان محسنًا منكم كانت تلك الكلمة سببًا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا} أى وضعوا مكان حطة {قَوْلًا} غيرها. يعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر اللَّه. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاءوا بلفظ آخر. لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به.
كما لو قالوا مكان حطة: نستغفرك ونتوب إليك. أو اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك. وقيل: قالوا مكان حطة: حنطة. وقيل: قالوا بالنبطية: حطا سمقاثا أى حنطه حمراء، استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولا عن طلب ما عند اللَّه إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا. وفي تكرير {الَّذِينَ ظَلَمُوا} زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأنّ إنزال الرجز عليهم لظلمهم. وقد جاء في سورة الأعراف: {فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ} على الإضمار. والرجز: العذاب. وقرئ- بضم الراء- وروى أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا. اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري في الآيتين:

{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)}.
التفسير:
القرية مجتمع الناس من قرأت الماء في الحوض أي جمعت. وبهذا الاعتبار كثيرًا ما تطلق القرية على البلدة، والجمع القرى على غير قياس. وإنما قياسه من المعتل اللام فعال نحو: ركوة وركاء، وظبية وظباء، والنسبة إليها قروي. وهو على القياس عند يونس حيث قال: ظبوي في النسبة إلى ظبية، وعلى خلاف القياس عند الخليل وسيبويه حيث يقولان: ظبي على مثال الصحيح. والقرية بيت المقدس، وقيل: أريحاء من قرى الشام. أمروا بدخولها بعد التيه. والباب باب القرية، وقيل: باب القبة التي كانوا يصلون إليها وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب تواضعًا وشكرًا لله تعالى. وقيل: السجود أن ينحنوا ويتطامنوا داخلين ليكون دخولهم بإخبات وخشوع. وقيل: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ودخلوا متزحفين على أوراكهم من الزحف وهو المشي على الأوراك.
و{حطة} فعلة من الحط كالجلسة خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة، أو أمرك وأصله النصب معناه: اللهم حط عنا ذنوبنا حطة، فرفعت لإفادة الثبوت كقوله:
شكا إليّ جملي طول السرى ** يا جملي ليس إليّ المشتكى

صبر جميل فكلانا مبتلى

الأصل صبرًا أي أصبر صبرًا. كان القوم أمروا أن يدخلوا الباب على وجه الخضوع، وأن يذكروا بلسانهم التماس حط الذنوب حتى يكونوا جامعين بين ندم القلب وخضوع الجوارح والاستغفار باللسان، وذلك أن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها، فإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لا لأن التوبة لا تتم إلا به إذ الأخرس تصح توبته وإن لم يوجد منه الكلام، بل لأجل تعريف الغير عدوله عن الذنب إلى التوبة ولإزالة التهمة عن نفسه، وكذا من عرف بمذهب خطأ ثم تبين له الحق، فإنه يلزمه أن يعرّف إخوانه الذين عرفوه بالخطأ عدوله عنه لتزول التهمة عنه في الثبات على الباطل، وليعودوا إلى موالاته بعد معاداته ويحسنوا الظن به. وعن أبي مسلم الأصفهاني: أن معناه أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها. وأصل الغفر الستر والتغطية. ومعنى القراءات في {نغفر لكم} واحد، لأن الخطيئة إذا غفرها الله تعالى فقد غفرت، وإذا غفرت فإنما يغفرها الله.
والفعل إذا تقدم الاسم المؤنث وحال بينه وبين الفاعل حائل جاز التذكير والتأنيث. والخطء الذنب قال تعالى: {إن قتلهم كان خطأ كبيرًا} [الإسراء: 31] تقول منه خطئ يخطأ خطًا وخطأة على فعلة. والاسم الخطيئة على فعيلة وجمعها خطايا وأصله خطايء بياء ثم همز، أبدلت الهمزة ألفًا فانفتحت الياء لأجلها.
{وسنزيد المحسنين} المفعول الثاني محذوف للعلم به ولمكان الفاصلة أي سنزيدهم إحسانًا أو ثوابًا أو سعة، وذلك أن المراد من المحسنين إما من هو محسن بالطاعة في هذا التكليف، وإما من هو محسن بطاعات أخرى في سائر التكاليف. وعلى الأول فالزيادة الموجودة إما منفعة دنيوية، فالمعنى أن المحسن بهذه الطاعة نزيده سعة في الدنيا ونفتح عليه قرى غير هذه القرية، وإما منفعة دينية أي المحسن بهذا نزيده على غفران الذنوب ثوابًا جزيلًا. وعلى الثاني فالمعنى أنّا نجعل دخولكم الباب سجدًا وقولكم {حطة} مؤثرًا في غفران الذنوب، ثم إن أتيتم بعد ذلك بطاعات أخرى زدناكم ثوابًا. ويحتمل أن يكون المراد أنهم صنفان: فمن مخطئ تصير الكلمة سببًا لغفرانه، ومن محسن تصير سببًا لزيادة ثوابه قوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا} قال أبو البقاء: التقدير فبدلوا بالذي قيل لهم قولًا غير الذي قيل لهم. يتعدى إلى مفعولين: واحد بنفسه والآخر بالباء. والذي مع الباء يكون هو المتروك، والذي بغير باء هو الموجود. ويجوز أن يكون بدل بمعنى قال، لأن تبديل القول يكون بقول. والمعنى أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله. وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ معين وهو لفظ حطة فجاءوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاءوا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يأخذوا به، كما لو قالوا مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللهم اعف عنا ونحو ذلك. وقيل: قالوا مكان حطة حنطة. وقيل: قالوا بالنبطية والنبط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين حطًا سمقاثًا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم، وعدولًا عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة» وفي تكرير {الذين ظلموا} ووضع المظهر موضع المضمر، زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم، وهو أن وضعوا غير ما أمروا به مكان ما أمروا به. والرجز العذاب. عن ابن عباس: مات بالفجأة منهم أربعة وعشرون ألفًا في ساعة واحدة.
وقال ابن زيد: بعث الله عليهم الطاعون حتى مات من الغداة إلى العشي عشرون ألفًا. وقيل: سبعون ألفًا. ومعنى {من السماء} يحتمل أن يكون شيئًا نازلًا من جهة العلو كريح ونحوه، ويحتمل أن يراد من قبل الأمر النازل من عند الله تفظيعًا لشأن العذاب. والفسق هو الخروج عن طاعة الله إلى معصيته بارتكاب الكبيرة، فالمراد {بما كانوا يفسقون} إما الظلم المذكور وفائدة التكرار التأكيد، وإما أن يراد أنهم استحقوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل. ونزول الرجز عليهم من السماء بالفسق الذي كانوا يفعلون قبل ذلك التبديل مستمرًا إلى أوان هذا الظلم، وهذا أظهر لزوال التكرير، ولأن لفظة كانوا تنبئ عن خصلة مستمرة، والخصلة الواحدة المعينة لا يتصور فيها الاستمرار. فلو كان المراد ذلك لقيل بما فسقوا. وربما احتج أصحاب الشافعي بقوله تعالى: {فبدل الذين ظلموا} أنه لا يجوز تحريم الصلاة بلفظ التحميد والتعظيم والتسبيح، ولا تجوز القراءة بالفارسية، وكذا لا يجوز تبديل ما ورد به التوقيف من الأذكار بغيرها. وأجيب بأنهم إنما استحقوا الذم لتبديلهم القول إلى قول آخر يضاد معناه معنى الأول، فلا جرم استوجبوا الذم. فأما من غير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك. ورد بأن ظاهر الآية يتناول كل من بدل قولًا بقول آخر سواء اتفق القولان في المعنى أم لم يتفقا.