فصل: (سورة هود: الآيات 38- 39)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة هود: الآيات 38- 39]

{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (38) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (39)}
{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} حكاية حال ماضية {سَخِرُوا مِنْهُ} ومن عمله السفينة، وكان يعملها في برية بهماء في أبعد موضع من الماء، وفي وقت عزَّ الماء فيه عزة شديدة، فكانوا يتضاحكون ويقولون له: يا نوح، صرت نجارًا بعد ما كنت نبيا {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ} يعنى في المستقبل {كَما تَسْخَرُونَ} منا الساعة، أي: نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. وقيل: إن تستجهلونا فيما نصنع فإنا نستجهلكم فيما أنتم عليه من الكفر والتعرّض لسخط اللّه وعذابه، فأنتم أولى بالاستجهال منا. أو إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم في استجهالكم، لأنكم لا تستجهلون إلا عن جهل بحقيقة الأمر، وبناء على ظاهر الحال كما هو عادة الجهلة في البعد عن الحقائق. وروى أنّ نوحا عليه السلام اتخذ السفينة في سنتين، وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسون ذراعًا، وطولها في السماء ثلاثون ذراعًا، وكانت من خشب الساج وجعل لها ثلاثة بطون، فحمل في البطن الأسفل: الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط: الدواب والأنعام، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما يحتاج إليه من الزاد، وحمل معه جسد آدم عليه السلام وجعله معترضًا بين الرجال والنساء، وعن الحسن: كان طولها ألفًا ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة. وقيل: إنّ الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة يحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب، فأخذ كفا من ذلك التراب فقال: أتدرون من هذا؟ قالوا اللّه ورسوله أعلم. قال: هذا كعب بن حام. قال: فضرب الكثيب بعصاه فقال: قم بإذن اللّه، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب فقال له عيسى عليه السلام: هكذا أهلكت؟ قال لا، مت وأنا شاب، ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثمت شبت. قال: حدّثنا عن سفينة نوح. قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات: طبقة للدواب والوحوش، وطبقة للإنس، وطبقة للطير.
ثم قال له: عد بإذن اللّه كما كنت، فعاد ترابًا {مَنْ يَأْتِيهِ} في محل النصب بتعلمون. أى: فسوف تعلمون الذي يأتيه عذاب يخزيه، ويعنى به إياهم، ويريد بالعذاب: عذاب الدنيا وهو الغرق {وَيَحِلُّ عَلَيْهِ} حلول الدين والحق اللازم الذي لا انفكاك له عنه {عَذابٌ مُقِيمٌ} وهو عذاب الآخرة.

.[سورة هود: الآيات 40- 41]

{حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)}
{حَتَّى} هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من الشرط والجزاء. فإن قلت: وقعت غاية لماذا؟ قلت: لقوله: ويصنع الفلك، أي: وكان يصنعها إلى أن جاء وقت الموعد.
فإن قلت: فإذا اتصلت {حتى} بـ {يصنع} فما تصنع بما بينهما من الكلام؟ قلت: هو حال من يصنع، كأنه قال: يصنعها والحال أنه كلما مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه. فإن قلت: فما جواب كلما؟
قلت: أنت بين أمرين: إما أن تجعل {سَخِرُوا} جوابًا وقالَ استئنافا، على تقدير سؤال سائل. أو تجعل {سَخِرُوا} بدلا من {مَرَّ} أو صفة لـ {مَلَأٌ} وقالَ جوابا. {وَأَهْلَكَ} عطف على اثنين، وكذلك {وَمَنْ آمَنَ} يعنى: واحمل أهلك والمؤمنين من غيرهم. واستثنى من أهله من سبق عليه القول أنه من أهل النار، وما سبق عليه القول بذلك إلا للعلم بأنه يختار الكفر، لا لتقديره عليه وإرادته به- تعالى اللّه عن ذلك- قال الضحاك: أراد ابنه وامرأته.
{إِلَّا قَلِيلٌ} روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: «كانوا ثمانية: نوح وأهله، وبنوه الثلاثة، ونساؤهم» وعن محمد بن إسحاق: كانوا عشرة: خمسة رجال وخمس نسوة. وقيل كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة، وأولاد نوح: سام وحام ويافث، ونساؤهم. فالجميع ثمانية وسبعون: نصفهم رجال ونصفهم نساء. ويجوز أن يكون كلاما واحدًا وكلامين، فالكلام الواحد: أن يتصل بِسْمِ اللَّهِ باركبوا حالا من الواو، بمعنى: اركبوا فيها مسمين اللّه. أو قائلين بسم اللّه وقت إجرائها ووقت إرسائها، إما لأن المجرى والمرسى للوقت، وإما لأنهما مصدران كالإجراء والإرساء، حذف منهما الوقت المضاف، كقولهم خفوق النجم، ومقدم الحاج.
ويجوز أن يراد مكانا الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في {بِسْمِ اللَّهِ} من معنى الفعل، أو بما فيه من إرادة القول. والكلامان: أن يكون {بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها} جملة من مبتدإ وخبر مقتضبة، أي بسم اللّه إجراؤها وإرساؤها. يروى أنه كان إذا أراد أن تجرى قال: بسم اللّه فجرت، وإذا أراد أن ترسو قال: بسم اللّه فرست. ويجوز أن يقحم الاسم، كقوله:
ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا

ويراد: باللّه إجراؤها وإرساؤها، أي بقدرته وأمره. وقرئ {مَجْراها وَمُرْساها} بفتح الميم، من جرى ورسى، إما مصدرين أو وقتين أو مكانين. وقرأ مجاهد: مجريها ومرسيها، بلفظ اسم الفاعل، مجرورى المحل، صفتين للّه. فإن قلت: ما معنى قولك: جملة مقتضية؟ قلت: معناه أن نوحا عليه السلام أمرهم بالركوب، ثم أخبرهم بأن مجراها ومرساها بذكر اسم اللّه أو بأمره وقدرته. ويحتمل أن تكون غير مقتضية بأن تكون في موضع الحال كقوله:
وَجَاؤُنَا بِهِمْ سَكَرٌ عَلَينَا

فلا تكون كلاما برأسه، ولكن فضلة من فضلات الكلام الأوّل، وانتصاب هذه الحال عن ضمير الفلك، كأنه قيل: اركبوا فيها مجراة ومرساة بسم اللّه بمعنى التقدير، كقوله تعالى: {ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ}. {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} لولا مغفرته لذنوبكم ورحمته إياكم لما نجاكم.

.[سورة هود: الآيات 42- 43]

{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (42) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)}
فإن قلت: بم اتصل قوله: {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ}؟ قلت: بمحذوف دل عليه {ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ} كأنه قيل: فركبوا فيها يقولون: بسم اللّه، {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ} أي تجرى وهم فيها {فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ} يريد موج الطوفان، شبه كل موجة منه بالجبل في تراكمها وارتفاعها. فإن قلت: الموج: ما يرتفع فوق الماء عند اضطرابه وزخيره وكان الماء قد التقى وطبق ما بين السماء والأرض، وكانت الفلك تجرى في جوف الماء كما تسبح السمكة، فما معنى جريها في الموج؟
قلت: كان ذلك قبل التطبيق، وقبل أن يغمر الطوفان الجبال. ألا ترى إلى قول ابنه: {سآوى إلى جبل يعصمني من الماء}. قيل: كان اسم ابنه: كنعان. وقيل: يام.
وقرأ على رضي الله عنه: ابنها، والضمير لامرأته. وقرأ محمد بن على وعروة بن الزبير: ابنه، بفتح الهاء، يريدان ابنها، فاكتفيا بالفتحة عن الألف، وبه ينصر مذهب الحسن. قال قتادة: سألته فقال: واللّه ما كان ابنه، فقلت: إنّ اللّه حكى عنه إن ابني من أهلى، وأنت تقول: لم يكن ابنه، وأهل الكتاب لا يختلفون في أنه كان ابنه، فقال: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، واستدل بقوله: {مِنْ أَهْلِي} ولم يقل: منى، ولنسبته إلى أمّه وجهان، أحدهما: أن يكون ربيبًا له، كعمر بن أبى سلمة لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأن يكون لغير رشدة، وهذه غضاضة عصمت منها الأنبياء عليهم السلام. وقرأ السدى: ونادى نوح ابناه، على الندبة والترثى. أي: قال يا ابناه. والمعزل: مفعل، من عزله عنه إذا نحاه وأبعده، يعنى: وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين. وقيل: كان في معزل عن دين أبيه «يا نبىّ» قرئ بكسر الياء اقتصارًا عليه من ياء الإضافة، وبالفتح اقتصارًا عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: يا بنيا، أو سقطت الياء والألف لالتقاء الساكنين، لأنّ الراء بعدهما ساكنة {إِلَّا مَنْ رَحِمَ} إلا الراحم وهو اللّه تعالى، أو لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم اللّه. أي إلا مكان من رحم اللّه من المؤمنين، وكان لهم غفورا رحيما في قوله: {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} وذلك أنه لما جعل الجبل عاصما من الماء قال له: لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد وهو مكان من رحمهم اللّه ونجاهم يعنى السفينة. وقيل لا عاصم، بمعنى: لا ذا عصمة إلا من رحمه اللّه، كقوله: {ماءٍ دافِقٍ} و{عِيشَةٍ راضِيَةٍ} وقيل: {إِلَّا مَنْ رَحِمَ} استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من رحمه اللّه فهو المعصوم، كقوله: {ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ} وقرئ {إِلَّا مَنْ رَحِمَ} على البناء للمفعول.

.[سورة هود: آية 44]

{وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}
نداء الأرض والسماء بما ينادى به الحيوان المميز على لفظ التخصيص والإقبال عليهما بالخطاب من بين سائر المخلوقات وهو قوله: {يا أَرْضُ}، {وَيا سَماءُ} ثم أمرهما بما يؤمر به أهل التمييز والعقل من قوله: {ابْلَعِي ماءَكِ} و{أَقْلِعِي} من الدلالة على الاقتدار العظيم، وأن السموات والأرض وهذه الأجرام العظام منقادة لتكوينه فيها ما يشاء غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا عظمته وجلالته وثوابه وعقابه وقدرته على كل مقدور، وتبينوا تحتم طاعته عليهم وانقيادهم له، وهم يهابونه ويفزعون من التوقف دون الامتثال له والنزول على مشيئته. والمراد: وهو اللّه الموصوف بصفات الكمال المشهور بها في العالمين. ومنه:
أنا أبو النجم وشعري شعري

ولقد تحيل الشعراء على التعلق بأذيال هذه المعاني اللطيفة، فقال أبو الطيب يمدح عضد الدولة:
لا تحمدنها واحمدن هماما ** إذ لم يسم حامد سواكا

يعنى لا تمنح نفسك فإنك المنفرد بالممادح، حتى إذا ذكرت ولم يسم المعنى بها لم يسبق إلى ذهن أحد غيرك لتفردك بها.
على الفور من غير ريث، فكما يرد عليهم أمره كان المأمور به مفعولا لا حبس ولا إبطاء. والبلع: عبارة عن النشف. والإقلاع: الإمساك. يقال: أقلع المطر وأقلعت الحمى {وَغِيضَ الْماءُ} من غاضه إذا نقصه {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} وأنجز ما وعد اللّه نوحا من هلاك قومه {وَاسْتَوَتْ} واستقرّت السفينة {عَلَى الْجُودِيِّ} وهو جبل بالموصل {وَقِيلَ بُعْدًا} يقال بعد بعدا وبعدا، إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء ومجيء أخباره على الفعل المبنى للمفعول للدلالة على الجلال والكبرياء، وأنّ تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل فاعل قادر، وتكوين مكون قاهر، وأنّ فاعلها فاعل واحد لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن يقول غيره: يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعى، ولا أن يقضى ذلك الأمر الهائل غيره، ولا أن تستوي السفينة على متن الجودي وتستقر عليه إلا بتسويته وإقراره، ولما ذكرنا من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤسهم، لا لتجانس الكلمتين، وهما قوله: {ابْلَعِي} و{أَقْلِعِي} وذلك وإن كان لا يخلى الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللب وما عداها قشور. وعن قتادة: استقلت بهم السفينة لعشر خلون من رجب، وكانت في الماء خمسين ومائة يوم، واستقرّت بهم على الجودي شهرًا، وهبط بهم يوم عاشوراء. وروى أنها مرت بالبيت فطافت به سبعا، وقد أعتقه اللّه من الغرق. وروى أنّ نوحا صام يوم الهبوط وأمر من معه فصاموا شكرًا للّه تعالى. اهـ.

.قال النسفي:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} أي بأني والمعنى أرسلناه ملتبسًا بهذا الكلام وهو قوله: {إني لكم نذير مبين} بالكسر فلما اتصل به الجار فتح كما فتح في {كأن} والمعنى على الكسر وبكسر الألف شامي ونافع وعاصم وحمزة على إرادة القول: {أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله} أن مفسرة متعلقة ب: {أرسلنا} أو ب: {نذير}، {إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} وصف اليوم بأليم من الإسناد المجازي لوقوع الألم فيه: {فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ} يريد الأشراف لأنهم يملؤون القلوب هيبة والمجالس أبهة أو لأنهم ملئوا بالأحلام والآراء الصائبة: {مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا} أرادوا أنه كان ينبغي أن يكون ملكًا أو ملكًا.
{وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا} أخساؤنا جمع الأرذل: {بَادِىَ} وبالهمزة: أبو عمرو: {الرأى} وبغير همز: أبو عمرو أي اتبعوك ظاهر الرأي، أو أول الرأي من بدا يبدو إذا أظهر أو بدأ يبدأ إذا فعل الشيء أولًا، وانتصابه على الظرف أصله وقت حدوث ظاهر رأيهم أو أول رأيهم، فحذف ذلك وأقيم المضاف إليه مقامه، أرادوا أن اتباعهم لك شيء عنّ لهم بديهة من غير روية ونظر ولو تفكروا ما اتبعوك.
وإنما استرذلوا المؤمنين لفقرهم وتأخرهم في الأسباب الدنيوية لأنهم كانوا جهالا ما كانوا يعلمون إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا، فكان الأشرف عندهم من له جاه ومال كما ترى أكثر المتسمّين بالإسلام يعتقدون ذلك ويبنون عليه إكرامهم وإهانتهم ولقد زل عنهم أن التقدم في الدنيا لا يقرب أحدًا من الله وإنما يبعده ولا يرفعه بل يضعه: {وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} في مال ورأي يعنون نوحًا وأتباعه: {بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين} أي نوحًا في الدعوة ومتبعيه في الإجابة والتصديق يعني تواطأتم على الدعوة والإجابة تسبيبًا للرياسة.
{قَالَ يَا قَوْمٌ أَرَءيْتُمْ} أخبروني: {إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ} برهان: {مّن رَّبّى} وشاهد منه يشهد بصحة دعواي: {وآتني رحمةً من عنده} يعني النبوة: {فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ}-أي خفيت.
{فعميت}: حمزة وعلي وحفص أي أخفيت أي فعميت عليكم البينة فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها، وحقيقته أن الحجة كما جعلت بصيرة ومبصرة جعلت عمياء لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيره: {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} أي الرحمة: {وَأَنتُمْ لَهَا كارهون} لا تريدونها، والواو دخلت هنا تتمة للميم.
وعن أبي عمرو إسكان الميم ووجهه أن الحركة لم تكن إلا خلسة خفيفة فظنها الراوي سكونًا وهو لحن، لأن الحركة الإعرابية لا يسوغ طرحها إلا في ضرورة الشعر.
{وياقوم لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ} على تبليغ الرسالة لأنه مدلول قوله: {إني لكم نذير}، {مَالًا} أجرًا يثقل عليكم إن أديتم أو عليّ أن أبيتم: {إِنْ أَجْرِىَ} مدني وشامي وأبو عمرو وحفص: {إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنو} جواب لهم حين سألوا طردهم ليؤمنوا به أنفة من المجالسة معهم: {أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ} فيشكونني إليه إن طردتهم: {ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} تتسافهون على المؤمنين وتدعونهم أراذل، أو تجهلون لقاء ربكم أو أنهم خير منكم: {وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله} من يمنعني من انتقامه: {إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} تتعظون: {وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله} فأدعي فضلًا عليكم بالغنى حتى تجحدوا فضلي بقولكم: {وما نرى لكم علينا من فضل}، {وَلا أَعْلَمُ الغيب} حتى أطلع على ما في نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم وهو معطوف على: {عندي خزائن الله} أي لا أقول عندي خزائن الله ولا أقول أنا أعلم الغيب: {وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ} حتى تقولوا إلى: {ما أنت إلا بشر مثلنا}، {وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ} ولا أحكم على من استرذلتم من المؤمنين لفقرهم: {لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا} في الدنيا والآخرة لهوانه عليه مساعدة لكم ونزولًا على هواكم: {الله أَعْلَمُ بِمَا في أَنفُسِهِمْ} من صدق الاعتقاد وإنما على قبول ظاهر إقرارهم إذ لا أطلع على خفي أسرارهم: {إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين} إن قلت شيئًا من ذلك.