فصل: (سورة هود: آية 77)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة هود: آية 77]

{وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)}
كانت مساءة لوط وضيق ذرعه لأنه حسب أنهم إنس، فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز عن مقاومتهم ومدافعتهم. روى أنّ اللّه تعالى قال لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات، فلما مشى معهم منطلقًا بهم إلى منزله قال لهم: أما بلغكم أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد باللّه إنها لشر قرية في الأرض عملا، يقول ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فخرجت امرأته فأخبرت بهم قومها. يقال: يوم عصيب، وعصبصب، إذا كان شديدًا من قولك: عصبه، إذا شدّه.

.[سورة هود: الآيات 78- 79]

{وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (79)}
{يُهْرَعُونَ} يسرعون كأنما يدفعون دفعًا {وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ} ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش ويكثرونها، فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء. وقيل معناه: وقد عرف لوط عادتهم في عمل الفواحش قبل ذلك {هؤُلاءِ بَناتِي} أراد أن يقي أضيافه ببناته، وذلك غاية الكرم، وأراد: هؤلاء بناتي فتزوّجوهنّ وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزًا، كما زوّج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ابنتيه من عتبة بن أبى لهب وأبى العاص بن وائل قبل الوحى وهما كافران وقيل كان لهم سيدان مطاعان، فأراد أن يزوجهما ابنتيه: وقرأ ابن مروان: هنّ أطهر لكم، بالنصب، وضعفه سيبويه وقال: احتبى ابن مروان في لحنه. وعن أبى عمرو بن العلاء: من قرأ {هُنَّ أَطْهَرُ} بالنصب فقد تربع في لحنه، وذلك أنّ انتصابه على أن يجعل حالا قد عمل فيها ما في هؤلاء من معنى الفعل، كقوله هذا بَعْلِي شَيْخًا أو ينصب هؤلاء بفعل مضمر، كأنه قيل: خذوا هؤلاء، وبناتي: بدل، ويعمل هذا المضمر في الحال، وهُنَّ فصل، وهذا لا يجوز لأنّ الفصل مختص بالوقوع بين جزأى الجملة، ولا يقع بين الحال وذى الحال، وقد خرّج له وجه لا يكون هُنَّ فيه فصلا، وذلك أن يكون هؤلاء مبتدأ و{بَناتِي هُنَّ} جملة في موضع خبر المبتدإ، كقولك: هذا أخى هو، ويكون أَطْهَرُ حالا {فَاتَّقُوا اللَّهَ} بإيثارهنّ عليهم {وَلا تُخْزُونِ} ولا تهينونى ولا تفضحوني، من الخزي. أو ولا تخجلوني، من الخزاية وهي الحياء فِي ضَيْفِي في حق ضيوفى فإنه إذا خزى ضيف الرجل أو جاره فقد خزى الرجل، وذلك من عراقة الكرم وأصالة المروءة {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ} رجل واحد يهتدى إلى سبيل الحق وفعل الجميل، والكف عن السوء. وقرئ: {ولا تخزون}، بطرح الياء. ويجوز أن يكون عرض البنات عليهم مبالغة في تواضعه لهم وإظهارًا لشدّة امتعاضه مما أوردوا عليه، طمعًا في أن يستحيوا منه ويرقوا له إذا سمعوا ذلك، فيتركوا له ضيوفه مع ظهور الأمر واستقرار العلم عنده وعندهم أن لا مناكحة بينه وبينهم، ومن ثمّ قالُوا: {لَقَدْ عَلِمْتَ} مستشهدين بعلمه {ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ} لأنك لا ترى مناكحتنا، وما هو إلا عرض سابرىّ. وقيل: لما اتخذوا إتيان الذكران مذهبا ودينا لتواطؤهم عليه، كان عندهم أنه هو الحق، وأنّ نكاح الإناث من الباطل، فلذلك قالوا: ما لنا في بناتك من حق قط، لأنّ نكاح الإناث أمر خارج من مذهبنا الذي نحن عليه. ويجوز أن يقولوه على وجه الخلاعة، والغرض نفى الشهوة {لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ} عنوا إتيان الذكور وما لهم فيه من الشهوة.

.[سورة هود: آية 80]

{قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)}
جواب «لو» محذوف، كقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ} يعنى لو أنّ لي بكم قوّة لفعلت بكم وصنعت. يقال: مالى به قوّة، وما لي به طاقة. ونحوه {لا قِبَلَ لَهُمْ بِها} ومالى به يدان، لأنه في معنى لا اضطلع به ولا أستقلّ به. والمعنى لو قويت عليكم بنفسي، أو أويت إلى قوىّ أستند إليه وأ تمنع به فيحمينى منكم. فشبه القوىّ العزيز بالركن من الجبل في شدّته ومنعته، ولذلك قالت الملائكة- وقد وجدت عليه-: إنّ ركنك لشديد. وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم «رحم اللّه أخى لوطًا، كان يأوى إلى ركن شديد» وقرئ: {أو آوى} بالنصب بإضمار «أن» كأنه قيل: لو أن لي بكم قوّة أو أويا، كقولها:
لَلبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِى

وقرئ: {إلى ركن} بضمتين. وروى أنه أغلق بابه حين جاؤوا وجعل يرادّهم ما حكى اللّه عنه ويجادلهم، فتسوّروا الجدار.

.[سورة هود: آية 81]

{قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)}
فلما رأت الملائكة ما لقى لوط من الكرب قالوا: يا لوط، إن ركنك لشديد {إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فدخلوا، فاستأذن جبريل عليه السلام ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه- وله جناحان وعليه وشاح من درّ منظوم وهو براق الثنايا- فضرب بجناحه وجوههم فطمس أعينهم فأعماهم، كما قال اللّه تعالى: {فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ} فصاروا لا يعرفون الطريق، فخرجوا وهم يقولون: النجاء النجاء، فإن في بيت لوط قومًا سحرة {لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} جملة موضحة للتي قبلها، لأنهم إذا كانوا رسل اللّه لم يصلوا إليه ولم يقدروا على ضرره. قرئ: فَأَسْرِ بالقطع والوصل. و{إِلَّا امْرَأَتَكَ} بالرفع والنصب. وروى أنه قال لهم: متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح. فقال: أريد أسرع من ذلك. فقالوا: {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} وقرئ: {الصبح} بضمتين. فإن قلت: ما وجه قراءة من قرأ {إِلَّا امْرَأَتَكَ} بالنصب؟ قلت: استثناها من قوله: {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} والدليل عليه قراءة عبد اللّه: {فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك}. ويجوز أن ينتصب عن لا يلتفت، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعنى قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن أحد. وفي إخراجها مع أهله روايتان: روى أنه أخرجها معهم، وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماء، فأدركها حجر فقتلها.
وروى أنه أمر بأن يخلفها مع قومها، فإن هواها إليهم، فلم يسر بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين.

.[سورة هود: الآيات 82- 83]

{فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)}
{جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها} جعل جبريل جناحه في أسفلها، ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم وأتبعوا الحجارة من فوقهم مِنْ سِجِّيلٍ قيل هي كلمة معربة من سنككل، بدليل قوله حجارة من طين. وقيل: هي من أسجله، إذا أرسله لأنها ترسل على الظالمين. ويدل عليه قوله: {لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً} وقيل: مما كتب اللّه أن يعذب به من السجل، وسجل لفلان {مَنْضُودٍ} نضد في السماء نضدًا معدًّا للعذاب. وقيل يرسل بعضه في أثر بعض متتابعًا {مُسَوَّمَةً} معلمة للعذاب وعن الحسن كانت معلمة ببياض وحمرة. وقيل عليها سيما يعلم بها أنها ليست من حجارة الأرض. وقيل: مكتوب على كل واحد اسم من يرمى به {وَما هِيَ} من كل ظالم ببعيد. وفيه وعيد لأهل مكة.
وعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه سأل جبريل عليه السلام؟ فقال: يعنى ظالمي أمّتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. وقيل الضمير للقرى، أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في مسايرهم {بِبَعِيدٍ} بشيء بعيد. ويجوز أن يراد: وما هي بمكان بعيد، لأنها وإن كانت في السماء وهي مكان بعيد، إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شيء لحوقا بالمرمى، فكأنها بمكان قريب منه. اهـ.

.قال ابن الجوزي في الآيات السابقة:

{ولقد جاءت رسلنا إِبراهيم}
والرسل هاهنا: الملائكة.
وفي عددهم ستة أقوال:
أحدها: أنهم كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، وإِسرافيل، قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير.
وقال مقاتل: جبريل، وميكائيل، وملك الموت.
والثاني: أنهم كانوا اثني عشر، روي عن ابن عباس أيضًا.
والثالث: ثمانية، قاله محمد بن كعب.
والرابع: تسعة، قاله الضحاك.
والخامس: أحد عشر، قاله السدي.
والسادس: أربعة، حكاه الماوردي.
وفي هذه البشرى أربعة أقوال:
أحدها: أنها البشرى بالولد، قاله الحسن، ومقاتل.
والثاني: بهلاك قوم لوط، قاله قتادة.
والثالث: بنبوَّته، قاله عكرمة.
والرابع: بأن محمدًا يخرج من صلبه، ذكره الماوردي.
قوله تعالى: {قالوا سلامًا} قال ابن الأنباري: انتصب بالقول، لأنه حرف مقول، والسلام الثاني مرفوع باضمار {عليكم}. وقال الفراء: فيه وجهان. أحدهما: أنه أضمر عليكم كما قال الشاعر:
فَقُلْنَا السَّلاَمُ فَاتَّقَتْ مِنْ أَمِيرِهَا ** فما كان إِلاَّ ومْؤُهَا بِالْحَواجِبِ

والعرب تقول: التقينا فقلنا: سلام سلام.
والثاني: أن القوم سلَّموا، فقال حين أنكرهم هو: سلام، فمن أنتم؟ لإِنكاره إِياهم.
وقرأ حمزة، والكسائي: {قال سِلْم}، وهو بمعنى سلام، كما قالوا: حِلّ وحلال، وحِرم وحرام؛ فعلى هذا يكون، معنى {سلِم}: سلام عليكم. قال أبو علي: فيكون معنى القراءتين واحدًا وإِن اختلف اللفظان. وقال الزجاج: من قرأ: {سِلْم} فالمعنى: أمْرُنا سِلْم، أي: لا بأس علينا.
قوله تعالى: {فما لبث} أي: ما أقام حتى جاء بعجل حنيذ، لأنه ظنهم أضيافًا، وكانت الملائكة قد جاءته في صورة الغلمان الوِضَاء.
وفي الحنيذ ستة أقوال:
أحدها: أنه النضيج، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
والثاني: أنه الذي يَقْطُر ماؤُه وَدَسمُه وقد شوي، قاله شمر بن عطية.
والثالث: أنه ما حفرتَ الأرضَ ثم غممتَه، وهو من فعل أهل البادية، معروف، وأصله: محنوذ، فقيل: حنيذ كما قيل: طبيخ للمطبوخ، وقتيل للمقتول.
هذا قول الفراء.
والرابع: أنه المشوي، قاله أبو عبيدة.
والخامس: المشوي بالحجارة المحماة، قاله مقاتل، وابن قتيبة.
والسادس: السميط، ذكره الزجاج، وقال: يقال: إنه المشوي فقط، ويقال: المشوي الذي يقطر، ويقال: المشوي بالحجارة.
قوله تعالى: {فلما رأى أيديهم} يعنى الملائكة: {لاَتَصِلُ إِليه} يعني العجل: {نَكِرَهُمْ} أي: أنكرهم.
قال أبو عبيدة: نَكِرهم وأنكرهم واستنكرهم، سواء، قال الأعشى:
فَأَنْكَرَتْنِي وَمَا كان الَّذي نَكِرَتْ ** مِنَ الحَوَادِثِ إِلاَّ الشَّيْبَ والصَّلَعَا

قوله تعالى: {وأوجس منهم خيفةً} أي: أضمر في نفسه خوفًا.
قال الفراء: وكانت سُنَّةً في زمانهم إِذا ورد عليهم القوم فأتوهم بالطعام فلم يمسُّوه، ظنوا أنهم عدوٌّ أو لُصُوصٌ، فهنالك أوجس في نفسه خيفة، فرأوا ذلك في وجهه، فقالوا: {لا تخف}.
قوله تعالى: {إِنا أُرسلنا إِلى قوم لوط} قال الزجاج: أي: أُرسلنا بالعذاب إِليهم.
قال ابن الأنباري: وإِنما أُضمر ذلك هاهنا، لقيام الدليل عليه بذكر الله تعالى له في سورة أخرى.
قوله تعالى: {وامرأته قائمة} واسمها سارة.
واختلفوا أين كانت قائمة على ثلاثة أقوال:
أحدها: وراء الستر تسمع كلامهم، قاله وهب.
والثاني: كانت قائمة تخدمهم، قاله مجاهد، والسدي.
والثالث: كانت قائمة تصلي، قاله محمد بن إِسحاق.
وفي قوله: {فضحكت} ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الضحك هاهنا بمعنى التعجب، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
والثاني: أن معنى {ضحكت}: حاضت، قاله مجاهد، وعكرمة. قال ابن قتيبة: وهذا من قولهم: ضحكت الأرنب: إِذا حاضت. فعلى هذا، يكون حيضها حينئذ تأكيد للبشارة بالولد، لأنَ من لا تحيض لاتحمل. وقال الفراء: لم نسمع من ثقة أن معنى ضحكت حاضت. قال ابن الأنباري: أنكر الفراء، وأبو عبيدة، وأبو عبيد أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، وعرفه غيرهم.
قال الشاعر:
تَضْحَكُ الضَّبْعُ لقَتْلى هُذَيْلٍ ** وَتَرَى الذِّئْبَ لها يَسْتَهِلُّ

قال بعض أهل اللغة: معناه: تحيض.
والثالث: أنه الضحك المعروف، وهو قول الأكثرين.
وفي سبب ضحكها ستة أقوال:
أحدها: أنها ضحكت من شدة خوف إِبراهيم من أضيافه، وقالت: من ماذا يخاف إِبراهيم، وإِنما هم ثلاثة، وهو في أهله وغلمانه؟! رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل.
والثاني: أنها ضحكت من بشارة الملائكة لإِبراهيم بالولد، وهذا مروي عن ابن عباس أيضًا، ووهب بن منبه؛ فعلى هذا إِنما ضحكت سرورًا بالبشارة، ويكون في الآية تقديم وتأخير، المعنى: وامرأته قائمة فبشرناها فضحكت، وهو اختيار ابن قتيبة.
والثالث: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، قاله قتادة.
والرابع: ضكحت من إِمساك الأضياف عن الأكل، وقالت: عجبًا لأضيافنا، نخدمهم بأنفسنا، وهم لايأكلون طعامنا! قاله السدي.
والخامس: ضحكت سرورًا بالأمن، لأنها خافت كخوف إِبراهيم، قاله الفراء.
والسادس: أنها كانت قالت لإِبراهيم: اضمم إِليك ابن أخيك لوطًا، فانه سينزل العذاب بقومه، فلما جاءت الملائكة بعذابهم، ضحكت سرورًا بموافقتها للصواب، ذكره ابن الأنباري.
قال المفسرون: قال جبريل لسارة: أَبْشِري أيتها الضاحكة بولد اسمه إِسحاق، ومن وراء إِسحاق يعقوب، فبشروها أنها تلد إِسحاق، وأنها تعيش إِلى أن ترى ولد الولد.
وفي معنى الوراء قولان:
أحدهما: أنه بمعنى بعد، قاله أبو صالح عن ابن عباس، واختاره مقاتل، وابن قتيبة.
والثاني: أن الوراء: ولد الولد، روي عن ابن عباس أيضًا، وبه قال الشعبي، واختاره أبو عبيدة.
فإن قيل: كيف يكون يعقوب وراء إِسحاق وهو ولده لصلبه، وإِنما الوراء: ولد الولد؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: المعنى: ومن وراء المنسوب إِلى إِسحاق يعقوب، لأنه قد كان الوراء لإِبراهيم من جهة إِسحاق، فلو قال: ومن الوراء يعقوب، لم يُعلم أهذا الوراء منسوب إِلى إِسحاق، أم إِلى إِسماعيل؟ فأضيف إِلى إِسحاق لينكشف المعنى ويزول اللبس.