فصل: قال الزمخشري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



(أي تتأجل).
{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} قال ابن عباس: فمنهم شقي كتبت عليه السعادة، وروى عبد الله ابن دينار عن ابن عمر «عن عمر، قال: لمّا نزلت هذه الآية سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله فعلى ما عملنا، على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام ولكن كلٌّ ميسّر لما خلق له».
وروي عنه-عليه السلام-: «الشقي من شقي في بطن أُمّه، والسعيد من سعد في بطن أُمّه».
{فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيق} قال ابن عباس: الزفير: الصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف، الضحّاك ومقاتل: الزفير: أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا ردّده في الجوف. أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر: {خَالِدِينَ} لابثين ومقيمين: {فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض} يسمى هنا: {مَا} الوقت.
قال ابن عباس: ما دامت السماوات والأرض من ابتدائها إلى وقت فنائها، قال الضحّاك: ما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك فأظلَّك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض.
قال الحسين: أراد ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا قدر مدة بقائها، قال أهل المعاني: العرب [...] في معنى التأبيد والخلود، يقولون: هو باق ما [...] وأطت الإبل، وأينع الثمر، وأورق الشجر، ومجن الليل وسال سيل، وطرق طارق، وذرّ شارقن ونطق ناطق، وما اختلف الليل والنهار، وما اختلف الذرة والجمرة، وما دام عسيب، وما لألأت العفراء ونابها، وما دامت السماوات والأرض، فخاطبهم الله تعالى بما تعارفوا بينهم.
ثم استثنى فقال: {إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} اختلف العلماء في هذين الاستثناءين، من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة، فقال بعضهم هو في أهل التوحيد الذين يخرجهم الله من النار.
قال ابن عباس: وما شاء ربك أن يخرج أهل التوحيد منها، وقال في قوله في وصف السعداء: ألا ما شاء ربك أن يخلدهم في الجنة، وقال قتادة: في هذه الآية الله أعلم بها، وذكر لنا أن ما أقوله سيصيبهم سفع من النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم الله منها، وعلى هذا القول يكون استثناء من غير جنسه لأن الأشقياء في الحقيقة هم الكافرون، والسعداء في الحقيقة هم المؤمنون.
وقال أبو مجلز: هو جزاؤه إلاّ أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم، ولا يدخلهم النار، وفي وصف السعداء إلاّ ما شاء ربك بقاءهم في الجنة. قال ابن مسعود: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها إلاّ ما شاء ربك. وهو أن يأمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ثم يجدّد خلقهم.
قال: وليأتين على جهنم زمان تغلق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا، وقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عمرًا أسرعهما خرابًا، وقال ابن زيد: في هذه الآية أخبرنا بالذي أنشأ لأهل الجنة فقال: هذا غير مجذوذ، ولم يخبرنا بالذي أنشأ لأهل النار، وقال ابن كيسان: إلاّ ما شاء ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، وقيل: ما شاء ربك من احتباس الفريقين في البرزخ ما بين الموت والبعث.
الزجّاج: في هذه الآية أربعة أقوال: قولان منها لأهل اللغة، وقولان لأهل المعاني، فأمّا أحد قولي أهل اللغة فإنهم قالوا: {إِلاَّ} هاهنا بمعنى سوى كما يقال في الكلام: ما كان معنا رجل إلاّ زيد، ولي عليك ألف درهم إلاّ الألفان التي لي عليك، فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود، والقول الثاني: إنّه استثنى من الاخراج وهو لا يريد أن يخرجهم منها، كما يقول في الكلام: أردت أن أفعل كذا إلاّ أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل، والمعنى أنّه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنّه أعلمهم أنهم خالدون فيها، قال الزجّاج: هذان مذهبا أهل اللغة.
وأما قولا أهل المعاني، فإنهم قالوا: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلاّ ما شاء ربك من مقدار مواقفهم على رأس قبورهم للمحاسبة إلاّ ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم، وقال الفراء: معناه: وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة، و: {إِلا} بمعنى الواو سائغ جائز في اللغة، قال الله تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} [البقرة: 150] ومعناه، ولا الذين ظلموا، وأنشدني أبو ثروان:
من كان أشرك في تفرّق فالج ** فلبونه جربت معًا وأغدت

إلاّ كناشرة الذي ضيعتم ** كالغصن في غلوائه المثبت

معناه، لكن هنا كناشرة، وهي كاسم قبيلة، وقال: معناه كما شاء ربك كقوله: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 22] معناه كما قد سلف.
{أَمَّا الذين سُعِدُواْ} قرأ أهل الكوفة: {سُعدوا} بضم السين أي رُزقوا السعادة، وسعد وأُسعد بمعنى واحد، وقرأ الباقون بفتح السين قياسًا على الذين شقوا، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم: {فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ}. الضحّاك: إلاّ ما مكثوا في النار حتى أُدخلوا الجنة، أبو سنان: إلاّ ما شاء ربك من الزيادة على قدر مدة دوام السماء والأرض، وذلك هو الخلود فيها، قال الله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} غير مقطوع.
وكيع بن الجراح: كفرت الجهمية بأربع آيات من كتاب الله، قال الله تعالى في وصف نعيم الجنة: {لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} [الواقعة: 33] وقالت الجهمية: يقطع فيمنع عنهم، وقال الله: {أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا} [الرعد: 35] وقالوا: لا يدوم، وقال الله و: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ} [النحل: 96] وقالوا: لا يبقى، وقال الله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} وقالوا: يُجذ ويُقطع.
{فَلاَ تَكُ} يا محمد: {فِي مِرْيَةٍ} في شك: {مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء} فهم ضُلاّل.
{مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ} فيه إضمار أي: (كعبادة): {آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} حظهم من الجزاء: {غَيْرَ مَنقُوصٍ}.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا} أعطينا: {موسى الكتاب فاختلف فِيهِ} ممّن صدف عنه وكذبّ به، كما فعل قومك بالقرآن يُعزّي نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ} في تأخير العذاب: {لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ} أُفرغ من عقابهم وإهلاكهم، يعني المختلفين المخالفين: {وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ} موقع في الريب والتهمة، يقال: أراب الرجل، أي جاء بريبة، وألام إذا أتى بما يُلام عليه، قال الشاعر:
تعد معاذرًا لا عذر فيها ** ومن يخذل أخاه فقد ألاما

{وَإِنَّ كُلًا لَّمَّا} اختلف فيه القُرّاء، فقرأ ابن عامر وأبو جعفر وحمزة: {وَأنَ} بتخفيف النون وَ: {لَمَّا} بتشديد الميم على معنى فأنّ كلًا لمّا: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ}، ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة، كقول الشاعر:
كان من أخرها لقادم ** مخرم نجد فارع المحارم

أراد إلى القادم، فحذف اللام عند اللام وتكون: {مَا} بمعنى من تقديره لممّن يوفينّهم، كقول الشاعر:
وأنّيَ لمّا أصدر الأمر وجهه ** إذا هو أعيا بالسبيل مصادره

وقيل: أراد وأن كلا لمًّا بالتنوين والتشديد، قرأها الزهري بالتنوين أي وإن كلًا شديدًا وحقًا ليوفينّهم: {رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} من قوله تعالى: {كلاّ لمّا}، أي شديدًا فحذفوا التنوين وأخرجوه على هذا فعلى، كما فعلوا في قوله: ثم أرسلنا رسلنا تترى، وقرأ نافع وابن كثير بتخفيف النون والميم على معنى إن الثقيلة مخفّف، وأنشد أبو زيد:
ووجه مشرق النحر كأنْ ثدييه حُقّان

أراد كان فخفّف ونصب به، و: {مَا} صلة تقديره وإن كلا ليوفينّهم. وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب وحفص وأيوب وخلف بتشديد النون وتخفيف الميم على معنى وأن كُلًا ليوفينّهم، جعلوا: {مَا} صلة. وقيل: أرادوا وأن كلا لممّن كقوله: {فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النساء مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] أي من. وقرأ أبو بكر بن عياش بتخفيف النون وتشديد الميم أراد أن الثقيلة فخفّفها.
وقيل: {إِنَّ} بمعنى: {مَا} الجحد و: {لَّمَّا} بمعنى: {إلاَّ} تقديره وما كلًا إلاّ ليوفينّهم، ولكنه نصب كلاّ بإيقاع التوفية عليه أي ليوفينّ كلا وهو أبعد القراءات فيها من الصواب، {إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
{فاستقم} يا محمد على أمر ربك والعمل به والدعاء إليه: {كَمَا أُمِرْتَ} أن لا تشرك بي شيئًا وتوكّل عليّ مما ينوبك، قال السدّي: الخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد أُمته.
{وَمَن تَابَ مَعَكَ} فليستقيموا، يعني المؤمنين: {وَلاَ تَطْغَوْاْ} ولا تجاوزوا أمري، وقال ابن زيد: ولا تعصوا الله ولا تخالفوه، وقيل: ولا تتخيّروا.
{إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشقّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب، فقال: «شيبتني سورة هود وأخواتها».
{وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ} قال ابن عباس: ولا تميلوا على غيّهم ولا تدهنوا لهم قال، أبو العالية: لا ترضوا على أعمالهم. قتادة: لا تلحقوا بالمشركين. السدّي وابن زيد، ولا تداهنوا الظلمة، ابن كيسان: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا.
{فَتَمَسَّكُمُ} تصيبهم النار: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاءَ} أي أعوان يمنعون: {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار} يعني الغداة والعشي، قال ابن عباس: يعني صلاة العصر والمغرب. مجاهد: صلاة الفجر وصلاة العشاء، القرظي: هي الفجر والظهر والعصر، الضحاك: صلاة الفجر والعصر، [وقيل: الطرفان] صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف.
{وَزُلَفًا مِّنَ اليل} يعني صلاة العتمة، وقال الحسن: هما المغرب والعشاء، قال الأخفش: يعني ساعات الليالي واحدتها زلفة، وأصل الزلفة المنزلة والقربة، ومنه المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة، قال العجاج:
طيّ الليالي زلفًا فزلّفا ** سماوة الهلال حتى أحقوقفا

وفيه أربع لغات زُلُفًا: بفتح الفاء وضم اللام وهي قراءة العامة، وقرأ أبو جعفر بضم الزاي واللام، وقرأ ابن محيصن بضم الزاي وجزم اللام، وقرأ مجاهد زُلفى، مثل قُربى.
{إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات} يعني: إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر.
نزلت هذه الآية في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري وكان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع تمرًا فقال: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه، فهل لك فيه، فقالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إليه وقبّلها، فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل راود امرأة عن نفسها ولم يبق شيئًا مما يفعل الرجال بالنساء إلاّ ركبه غير أنه لم يجامعها، فقال عمر بن الخطاب: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يردّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، وقال: أنظر فيه أمر ربي، وحضرت صلاة العصر، فصلّى النبي صلى الله عليه وسلم العصر، فلما فرغ أتاه جبريل بهذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أين أبو اليسر؟» فقال: ها أناذا يا رسول الله، قال: أشهدت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم، قال: «اذهب فإنها كفارة لما عملت» فقال عمر: يا رسول الله أهذا له خاصّة أم لنا عامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «بل للناس عامة».
{ذلك} الذي ذكرناه، وقيل: هو إشارة إلى القرآن: {ذكرى} عظة: {لِلذَّاكِرِينَ واصبر} يا محمد على ما تلقى من الأذى، وقيل: على الأذى، وقيل: على الصلاة، نظير قوله: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا} [طه: 132]: {فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين} من أعمالهم، وقال فيه ابن عباس: يعني المصلّين.
{فَلَوْلاَ كَانَ} فهلاّ كان: {مِنَ القرون} التي أهلكناهم: {مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} أصحاب دين وعقل: {يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِي الأرض} ومعناه: فلم يكن، لأن في الاستفهام ضربًا من الجحد: {إِلاَّ قَلِيلًا} استثناء منقطع: {مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} وهم أتباع الأنبياء وأهل الحق.
{واتبع الذين ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ} قال ابن عباس: ما أُنظروا فيه، وروي عنه: أُبطروا. الضحّاك: اعتلّوا، مقاتل بن سليمان: أُعطوا، ابن حيان: خوّلوا، مجاهد: تجبّروا في الملك وعتوا عن أمر الله، الفرّاء: ما سوّدوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة: {وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} كافرين: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ} [بظلم منه لهم]: {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} في أعمالهم غير مسيئين، لكنه يهلكها بكفرهم وإتيانهم السيئات، وقيل: معناه لم يكن ليهلكهم بشركهم وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون، ويتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين، وإنّما يهلكهم إذا ظلموا.
{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس} كلّهم: {أُمَّةً} جماعة: {وَاحِدَةً} على ملّة واحدة: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} على أديان شتى من يهودي ونصراني ومجوسي ونحو ذلك: {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} ويعني بهم المؤمنون وأهل الحق.
{ولذلك خَلَقَهُمْ} قال الحسن ومقاتل بن حيان ويمان وعطاء: وللاختلاف خلقهم، قال الأشهب: سألت مالكًا عن هذه الآية فقال: لقهم ليكون فريق في الجنة، وفريق في السعير، وقيل: اللام بمعنى على، أي وعلى ذلك خلقهم، كقول الرجل للرجل: أكرمتك على برّك بي ولبرّك بي، ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة: وللرحمة خلقهم ولم يقل: ولتلك، والرحمة مؤنّثة لأنها مصدر وقد مضت هذه المسألة، وهذا باب سائغ في اللغة [وهو أن يُذكر] لفظان متضادان ثم يشار إليهما بلفظ التوحيد فمن ذلك قوله تعالى: {لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} [البقرة: 68] ثم قال: {عَوَانٌ بَيْنَ ذلك} [البقرة: 68]، وقوله: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلًا} [الإسراء: 110] وقوله: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} [يونس: 58] فكذلك معنى الآية، ولذلك أي وللاختلاف والرحمة خلقهم أحسن خلق، هؤلاء لجنّته، وهؤلاء لناره.
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ وَكُلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} قال ابن عباس: نسدد، الضحاك: نقوّي، ابن جريج: نصبّر حتى لا تجزع، أهل المعاني: ما نثبّت به قلبك.
{وَجَاءَكَ فِي هذه الحق} قال الحسن وقتادة: في هذه الدنيا، وقال غيرهما: في هذه السورة، {وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وانتظروا} ما يحلّ بنا من رحمة الله: {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} ما يحل بكم من النقمة.
{وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض} قال ابن عباس: خزائن الله، الضحّاك: جميع ما غاب عن العباد، وقال الباقون: غيب نزول العذاب من السماء: {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ} في المعاد حتى لا يكون للخلق أمر، وقرأ نافع وحفص بضم الياء أي يُرجع: {فاعبده} وحده: {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} توثّق به: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة هود والله أعلم. يعملون قراءة العامة بالياء، وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالتاء. اهـ.

.قال الزمخشري:

{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا}
{بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ} فيه وجهان: أن يراد أنّ هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوّته، وأن يراد بالسلطان المبين: العصا، لأنها أبهرها {وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} تجهيل لمتبعيه حيث شايعوه على أمره، وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل، وذلك أنه ادّعى الإلهية وهو بشر مثلهم، وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتى إلا من شيطان مارد، ومثله بمعزل من الإلهية ذاتًا وأفعالا، فاتبعوه وسلموا له دعواه، وتتابعوا على طاعته. والأمر الرشيد: الذي فيه رشد: أي: وما في أمره رشد إنما هو غىّ صريح وضلال ظاهر مكشوف، وإنما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم، لا من يضلهم ويغويهم. وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين في أمر موسى عليه السلام، وعلموا أن معه الرشد والحق، ثم عدلوا عن اتباعه إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط {يَقْدُمُ قَوْمَهُ} أي كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدّمهم إلى النار وهم يتبعونه. ويجوز أن يريد بقوله: {وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} وما أمره بصالح حميد العاقبة. ويكون قوله: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ} تفسيرًا لذلك وإيضاحا. أي: كيف يرشد أمر من هذه عاقبته. والرشد مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى، كما استعمل الغىّ في كل ما يذم ويتسخط. ويقال: قدمه بمنى تقدّمه. ومنه: قادمة الرجل، كما يقال: قدمه بمعنى تقدّمه. ومنه مقدّمة الجيش. وأقدم بمعنى تقدّم. ومنه مقدّم العين. فإن قلت: هلا قيل: يقدم قومه فيوردهم؟
ولم جيء بلفظ الماضي؟ قلت: لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به، فكأنه قيل: يقدّمهم فيوردهم النار لا محالة. و{الْوِرْدُ} المورود. و{الْمَوْرُودُ} الذي وردوه. شبه بالفارط الذي يتقدّم الواردة إلى الماء. وشبه أتباعه بالواردة، ثم قيل: بئس الورد الذي يردونه النار، لأنّ الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد، والنار ضدّه {وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ} في هذه الدنيا {لَعْنَةً} أي يلعنون في الدنيا، ويلعنون في الآخرة {بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ} رفدهم. أي: بئس العون المعان. وذلك أنّ اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له، وقد رفدت باللعنة في الآخرة. وقيل: بئس العطاء المعطى.