فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{عَن نَّفْسِهِ} أي فعلت ما يفعل المخادِع لصاحبه عن شيء لا يريد إخراجَه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه وهي عبارةٌ عن التمحّل في مواقعته إياها، والعدولُ عن التصريح باسمها للمحافظة على السر أو للاستهجان بذكره، وإيرادُ الموصول لتقرير المراودةِ فإن كونَه في بيتها مما يدعو إلى ذلك، قيل لواحدةٍ: ما حملك على ما أنت عليه مما لا خيرَ فيه؟ قالت: قربُ الوساد وطولُ السواد، ولإظهار كمالِ نزاهته عليه السلام فإن عدمَ ميلِه إليها مع دوام مشاهدتِه لمحاسنها واستعصاءه عليها مع كونه تحت ملَكتِها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة والنزاهة: {وَغَلَّقَتِ الابواب} قيل: كانت سبعةً ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل دون الإفعال، وقيل: للمبالغة في الإيثاق والإحكام: {وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} قرئ بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وبناؤه كبناء أينَ وعيط، وهيتِ كجَيرِ وهَيتُ كحيث اسم فعل معناه أَقبلْ وبادر، واللام للبيان أي لك أقول هذا كاللام في هلم لك وقرئ {هِئتُ لك} على صيغة الفعل بمعنى تهيأتُ، يقال: هاء يهييءُ كجاء يجيء إذا تهيأ {وهُيِّئْتُ لك} واللام صلة للفعل: {قَالَ مَعَاذَ الله} أي أعوذ بالله مَعاذًا مما تدعينني إليه وهذا اجتنابٌ منه على أتم الوجوه وإشارةٌ إلى التعليل بأنه منكَرٌ هائلٌ يجب أن يُعاذ بالله تعالى للخلاص منه وما ذاك إلا لأنه عليه السلام قد شاهده بما أراه الله تعالى من البرهان النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه من غاية القُبح ونهايةِ السوء، وقولُه عز وجل: {إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ} تعليلٌ للامتناع ببعض الأسباب الخارجيةِ مما عسى يكون مؤثرًا عندها وداعيًا لها إلى اعتباره بعد التنبيهِ على سببه الذاتي الذي لا تكاد تقبله لما سوّلتْه لها نفسُها، والضميرُ للشأن ومدارُ وضعه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المُغْنيةِ عن ذكره، وفائدةُ تصدير الجملةِ به الإيذانُ بفخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة تقريرِه في الذهن، فإن الضميرَ لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقبًا لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه له فضلُ تمكّنٍ، فكأنه قيل: إن الشأنَ الخطيرَ هذا وهو ربي أي سيدي العزيزُ أحسنَ مثواي أي أحسن تعهّدي حيث أمرك بإكرامي فكيف يمكن أن أُسيء إليه بالخيانة في حَرَمه وفيه إرشادٌ لها إلى رعاية حقِّ العزيزِ بألطف وجهٍ، وقيل: الضميرُ لله عز وجل وربي خبرُ إن وأحسن مثواي خبرٌ ثانٍ أو هو الخبرُ والأولُ بدلٌ من الضمير، والمعنى أن الحالَ هكذا فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشةِ الكبيرةِ وفيه تحذيرٌ لها من عقاب الله عز وجل، وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالةِ من غير تعرّضٍ لاقتضائها الامتناعَ عما دعته إليه إيذانٌ بأن هذه المرتبةَ من البيان كافيةٌ في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلًا وقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون} تعليلٌ للامتناع المذكورِ غِبَّ تعليل، والفلاحُ الظفرُ وقيل: البقاءُ في الخير ومعنى أفلح دخل فيه كأصبح وأخواتِه، والمرادُ بالظالم كلُّ من ظلم كائنًا من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاةُ لأمر الله تعالى دخولًا أوليًا، وقيل: الزناةُ لأنهم ظالمون لأنفسهم وللمَزْنيِّ بأهله. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ في بَيْتِهَا}
رجوع إلى شرح ما جرى عليه عليه السلام في منزل العزيز بعدما أمر امرأته بإكرام مثواه، وقوله سبحانه: {وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ} [يوسف: 21] إلى هنا اعتراض جئ به أنموذجًا للقصة ليعلم السامع من أول الأمر أن ما لقيه عليه السلام من الفتن التي ستحكي بتفاصيلها له غاية جميلة وعاقبة حميدة وأنه عليه السلام محسن في أعماله لم يصدر عنه ما يخل بنزاهته، والمراودة المطالبة برفق من راد يرود إذا ذهب وجاء لطلب شيء، ومنه الرائد لطالب الكلأ والماء، وباعتبار الرفق قيل: رادت الإبل في مشتيها ترود رودانا، ومنه بنى المرود؛ ويقال: أرود يرود إذا رفق، ومنه بني رويد، والإرادة منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي مفاعلة من واحد نحو مطالبة الدائن ومماطلة المديون.
ومداواة الطبيب.
وغير ذلك مما يكون من أحد الجانبين الفعل ومن الآخر سببه فإن هذه الأفعال وإن كانت صادرة عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابها صادرة عن الجانب الآخر جعلت كأنها صادرة عنهما، قال شيخ الإسلام: وهذا باب لطيف المسلك مبني على اعتبار دقيق تحقيقه أن سبب الشيء يقوم مقامه ويطلق عليه اسمه كما في قولهم: كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى، فإن فعل البادئ وإن لم يكن جزاء لكنه لكونه سببًا للجزاء أطلق عليه اسمه، وكذلك إرادة القيام إلى الصلاة وإرادة قراءة القرآن حيث كانتا سببًا للقيام والقراءة عبر عنهما بهما فقيل: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6]: {فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان} [النحل: 98] وهذه قاعدة مطردة مستمرة، ولما كانت أسباب الأفعال المذكورة فيما نحن فيه صادرة عن الجانب المقابل لجانب فاعلها فإن مطالبة الدائن للماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي من جانب الدائن، وكذا مداواة الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض، وكذلك مرادوتها فيما نحن فيه لجمال يوسف عليه السلام نزل صدورها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتها التي هي تلك الأفعال فبنى الصيغة على ذلك وروعي جانب الحقيقة بأن أسند الفعل إلى الفاعل وأوقع على صاحب السبب فتأمل. اهـ.
وكأنه أشار بالأمر بالتأمل إلى ما فيه مما لا يخفى على ذويه، وفي الكشف المراودة منازعة في الرود بأن يكون له مقصد مجيئًا وذهابًا وللمفاعل مقصد آخر يقابله فيهما، ومعنى المفاعلة هاهنا إما المبالغة في رودها أو الدلالة على اختلافهما فيه فإنها طلبت منه الفعل وهو طلب منها الترك وهذا أبلغ ولما كان منازعة جئ بعن في قوله تعالى: {عَن نَّفْسِهِ} كما تقول: جاذبته عن كذا دلالة على الأبعاد وتحصيل الجذب البالغ، ولهذا قال في الأساس: ومن المجاز راوده عن نفسه خادعه عنها.
وقال الزمخشري هنا: أي فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه عن الشيء الذي لا يريد أن يخرجه من يده، ولا شك أن هذا إنما يحصل من المنازعة في الرود، ولهذه النكتة جعل كناية عن التمحل لموافقته إياها، والعدول عن التصريح باسمها للمحافطة على الستر ما أمكن.
أو للاستهجان بذكره، وإيراد الموصول دون امرأة العزيز مع أنه أخصر وأظهر لتقرير المراودة فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام فإن عدم ميله إليها مع دوام مشاهدته لمحاسنها واستعصائه عليها مع كونه تحت يدها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة، وإضافة البيت إلى ضميرها لما أن العرب تضيف البيوت إلى النساء باعتبار أنهن القائمات بمصالحة أو الملازمات له، وخرج على ذلك قوله تعالى: {وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33] وكثر في كلامهم صاحبة البيت.
وربة البيت للمرة، ومن ذلك:
يا ربة البيت قومي غير صاغرة

{وَغَلَّقَتِ} أي أبواب البيت، وتشديد الفعل للتكثير في المفعول إن قلنا: إن الأبواب كانت سبعة كما قيل، فإن لم نقل به فهو لتكثير الفعل فكأنه غلق مرة بعد مرة أو بمغلاق بعد مغلاق، وجمع: {لَّهُمُ الابواب} حينئذٍ إما لجعل كل جزء منه كأنه باب أو لجعل تعدد إغلاقه بمنزلة تعدده، وزعم بعضهم أنه لم يغلق إلا بابان: باب الدار، وباب الحجرة التي هما فيها.
وادعى بعض المتأخرين أن التشديد للتعدية وأن كونه للتكثير وهم معللًا ذلك بأن: {لَّهُمُ الابواب} غلقًا لغة رديئة متروكة حسبما ذكره الجوهري، ورد بأن إفادة التعدية لا تنافي إفادة التكثير معها فإن مجرد التعدية يحصل بباب الأفعال فاختيار التفعيل عليه لأحد الأمرين، ولذا قال الجوهري أيضًا: {وَغَلَّقَتِ الابواب} شدد للتكثير. اهـ.
وفي الحواشي الشهابية أنه لم يتنبه الراد لأن ما نقله عليه لا له لأن الردئ الذي ذكره اللغويون إنما هو استعمال الثلاثي منه لا أن له ثلاثيًا لازمًا حتى يتعين كون التفعيل للتعدية فتعديه لازم في الثلاثي وغيره سواء كان رديئًا أو فصيحًا فتعين أنه للتكثير، وقد قال بذلك غير واحد، فالواهم ابن أخت خالة الموهم فافهم.
{وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} أي أسرع فهي اسم فعل أمر مبني على الفتح كأين، وفسرها الكسائي.
والفراء بتعال، وزعما أنها كلمة حورانية وقعت إلى أهل الحجاز فتكلموا بها؛ وقال أبو زيد: هي عبرانية، وعن ابن عباس والحسن هي سريانية، وقال السدي: هي قبطية.
وقال مجاهد وغيره: هي عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حث وإقبال، واللام للتبيين كالتي في سقيا لك فهي متعلقة بمحذوف أي إرادتي كائنة لك.
أو أقول لك، وجوز كونها اسم فعل خبري كهيهات، واللام متعلقة بها والمعنى تهيأت لك، وجعلها بعضهم على هذا للتبيين متعلقة بمحذوف أيضًا لأن اسم الفعل لا يتعلق به الجار، والتاء مطلقًا من بنية الكلمة، وليس تفسيرها بتهيأت لكون الدال على التكلم التاء ليرد أنها أنها إذا كانت بمعنى تهيأت لا تكون اسم فعل بل تكون فعلًا مسندًا إلى ضمير المتكلم بل لأنه لما بينت التهيؤ بأنه له لزم كونها هي المتهيأة كما إذا قيل لك: قربني منك فقلت: هيهات فإنه يدل على معنى بعدت بالقرينة.
وقرأ ابن كثير وأهل مكة: {هَيْتَ} بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء تشبيهًا له بحيث.
وقرأ أبو الأسود وابن أبي إسحاق وابن محيصن وعيسى البصرة؛ وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: {هَيْتَ} بفتح الهاء وسكون الياء وكسر التاء تشبيهًا له بجير، والكلام فيها على هاتين القراءتين كالكلام فيها على القراءة السابقة.
وقرأ نافع وابن عامر وابن ذكوان والأعرج وشيبة وأبو جعفر: {هَيْتَ} بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وتاء مفتوحة، وحكى الحلواني عن هشام أنه قرأ كذلك إلا أنه همز، وتعقب ذلك الداني تبعًا لأبي علي الفارسي في الحجة، وقد تبعه أيضًا جماعة بأن فتح التاء فيما ذكر وهم من الراوي لأن الفعل حينئذٍ من التهيؤ، ويوسف عليه السلام لم يتهيأ لها بدليل: {وَرَاوَدَتْهُ} الخ فلابد من ضم التاء، ورد ذلك صاحب النشر بأن المعنى على ذلك تهيأ لي أمرك لأنها لم يتيسر لها الخلوة به قبل.
أو حسنت هيئتك، و: {لَكَ} على المعنيين للبيان، والرواية عن هشام صحيحة جاءت من عدة طرق، وروي عنه أيضًا أنه قرأ بكسر الهاء والهمزة وضم التاء، وهي رواية أيضًا عن ابن عباس وابن عامر وأبي عمرو أيضًا، وقرأ كذلك أبو رجاء وأبو وائل وعكرمة ومجاهد وقتادة وطلحة وآخرون.
وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وابن أبي إسحاق كذلك إلا أنهما سهلا الهمزة، وذكر النحاس أنه قرئ بكسر الهاء بعدها ياء ساكنة وكسر التاء، وقرئ أيضًا هيا بكسر الهاء وفتحها وتشديد الياء، وهي على ما قال ابن هشام: لغة في: {هَيْتَ}، وقال بعضهم: إن القراءات كلها لغات وهي فيها اسم فعل بمعنى هلم، وليست التاء ضميرًا؛ وقال آخر: إنها لغات والكلمة عليها اسم فعل إلا على قراءة ضم التاء مع الهمز وتركه فإن الكلمة عليها تحتمل أن تكون فعلًا رافعًا لضمير المتكلم من هاء الرجل يهئ كجاء يجئ إذا حسنت هيئت أو بمعنى تهيأت، يقال: هئت وتهيأت بمعنى، وإذا كانت فعلًا تعلقت اللام بها، ونقل عن ابن عباس أيضًا أنه قرأ {هييت} مثل حببت وهي في ذلك فعل مبني للمفعول مسهل الهمزة من هيأت الشيء كأن أحدًا هيأها له عليه السلام: {قَالَ مَعَاذَ الله} نصب على المصدر يقال: عذت عوذًا. وعياذًا. وعياذة ومعاذًا أي أعوذ بالله عز وجل معاذًا مما تريدين مني، وهذا اجتناب منه عليه السلام على أتم الوجوه وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل يجب أن يعاذ بالله جل وعلا للخلاص منه، وما ذلك إلا لأنه قد علم بما أراه الله تعالى ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح ونهاية السوء، وقوله تعالى: {إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ} تعليل ببعض الأسباب الخارجية مما عسى يكون مؤثرًا عندها وداعيًا لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه الذاتي التي لا تكاد تقبله لما سولته لها نفسها، والضمير للشأن، وفي تصدير الجملة به من الإيذان بفخامة مضمونها ما فيه مع زيادة تقريره في الذهن أي إن الشأن الخطير هذا أي هو ربي أي سيدي العزيز أحسن تعهدي حيث أمرك بإكرامي على أكمل وجه فكيف يمكن أن أسئ إليه بالخيانة في حرمه؟ا وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه، وإلى هذا المعنى ذهب مجاهد والسدي وابن أبي إسحاق، وتعقب بأن فيه إطلاق الرب على غيره تعالى فإن أريد به الرب بمعنى الخالق فهو باطل لأنه لا يمكن أن يطلق نبي كريم على مخلوق ذلك، وإذا أريد به السيد فهو عليه السلام في الحقيقة مملوك له، ومن هنا وإن كان فيما ذكر نظر ظاهر اختار في البحر أن الضمير لله تعالى، و: {رَبّى} خبر إن، و: {أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ} خبر ثان، أو هو الخبر، والأول بدل من الضمير أي إنه تعالى خالقي أحسن مثواي بعطف قلب من أمرك بإكرامي علي فكيف أعصيه باتركاب تلك الفاحشة الكبيرة؟ا وفيه تحذير لها عن عقاب الله تعالى، وجوز على تقدير أن يكون الرب بمعنى الخالق كون الضمير للشأن أيضًا، وأيًا مّا كان ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض لاقتضائها الامتناع عما دعته إليه إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلًا، وقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون} تعليل غب تعليل للامتناع المذكور، والفلاح الظفر وإدراك البغية، وذلك ضربان: دنيوي وأخروي، فالأول: الظفر بالسعادات التي تطيب بها حياة الدنيا وهو البقاء والغنى.
والعز، والثاني: أربعة أشياء: بقاء بلا فناء وغنى بلا فقر وعز بلا ذل وعلم بلا جهل، ولذلك قيل: لا عيش إلا عيش الآخرة، ومعنى أفلح دخل في الفلاح كأصبح وأخواته، ولعل المراد به هنا الفلاح الأخروي، وبالظالمين كل من ظلم كائنًا من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاة لأمر الله تعالى دخولًا أوليًا، وقيل: الزناة لأنهم ظالمون لأنفسهم، وللمزني بأهله، وقيل: الخائنون لأنهم ظالمون لأنفسهم أيضًا ولمن خانوه. اهـ.

.قال القاسمي:

{وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}
هذا رجوع إلى شرح ما جرى على يوسف في منزل العزيز بعد ما أمر امرأته بإكرام مثواه، من مراودتها له وإبائه. والمراودة: المطالبة. أي: طلبت منه أن يواقعها. وتعديتها بـ (عن) لتضمينها معنى المخادعة. والعدول عن التصريح باسمها للمحافظة على السر والستر، وإيراد الموصول دون امرأة العزيز، لتقرير المراودة. فإن كونه في بيتها مما يدعو إلى ذلك. قيل لامرأة: ما حملك على ما لا خير فيه؟ قالت: قرب الوساد، وطول السواد. ولإظهار كمال نزاهته عليه السلام- كما سيأتي-.
و{هَيْتَ} قرئت كـ: (ليت وقيل وحيث)، وبكسر الهاء وبهمزة ساكنة بعدها، وفتح التاء وضمها. وهي في هذه اللغات اسم فعل بمعنى (تعال). واللام لتبيين المفعول أي: المخاطب. ونقل عن الفراء أنها لغة لأهل حوران سقطت إلى مكة فتكلموا بها.
قال ابن الأبياري: هذا وفاقٌ بين لغة قريش وأهل حوران، كما اتفقت لغة العرب والروم في (القسطاس) ونحوه.
و{مَعَاذَ اللّهِ} منصوب على المصدر. أي: أعوذ بالله معاذًا مما تدعينني إليه، لكونه زنى وخيانة فيما اؤتمنت عليه، وضرًا لمن توقع النفع، وإساءة إلى المحسن.
قال أبو السعود: وهذا اجتناب منه على أتم الوجوه، وإشارة إلى التعليل بأنه منكر هائل! يجب أن يعاذ بالله تعالى للخلاص منه، وما ذاك إلا لأنه عليه السلام قد شاهد بما أراه الله تعالى من البرهان النير على ما هو عليه في حد ذاته من غاية القبح، ونهاية السوء.
وقوله: {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} تعليل للامتناع ببعض الأسباب الخارجية، مما عسى أن يكون مؤثرًا عندها، وداعيًا لها إلى اعتباره بعد التنبيه على سببه الذاتي الذي تكاد تقبله لما سولته لها نفسها. والضمير للشأن. وفائدة تصدير الجملة به؛ الإيذان بفخامة مضمونها، مع ما فيه من زيادة تقريره في الذهن، فإن الضمير لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأن مبهم له خطر، فيبقى الذهن مترقبًا لما يعقبه، فيتمكن عند وروده له فضل تمكن. فكأنه قيل: إن الشأن الخطير هذا، وهو ربي، أي: سيدي العزيز، أحسن مثواي، أي: تعهدي، حيث أمرك بإكرامي، فكيف يمكن أن أسيء إليه بالخيانة في حرمه؟ وفيه إرشاد لها إلى رعاية حق العزيز بألطف وجه. وقيل: الضمير لله عز وجل، و: {رَبِّي} خبر، و: {إِنَّ}، و: {أَحْسَنَ مَثْوَايَ} خبر ثاني. أو هو الخبر، والأول بدل من الضمير. والمعنى: أن الحال هكذا، فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشة الكبيرة؟ وفيه تحذير لها من عقاب الله عز وجل. وعلى التقديرين، ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالة من غير تعرض للامتناع عما دعته إليه؛ إيذان بأن هذه المرتبة من البيان كافية في الدلالة على استحالته، وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلًا.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} تعليل للامتناع المذكور، غبّ تعليل. و (الفلاح) الظفر، أو البقاء في الخير. ومعنى (أفلح) دخل فيه، كأصبح وأخواته. والمراد بـ: (الظالمين) كل من ظلم، كائنًا من كان، فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة، والعصاة لأمر الله تعالى، دخولًا أوليًا. وقيل: الزناة، لأنهم ظالمون لأنفسهم، وللمزني بأهله. انتهى.
وقال بعض اليمانين: ثمرات هذه الآية ثلاث:
الأولى: أن الواجب عند الدعاء إلى المعصية الاستعاذة بالله من ذلك، ليعصمه منها، ويدخل فيه دعاء الشيطان، ودعاء شياطين الإنس، ودعاء هوى النفس.
الثانية: أن السيد والمالك يسمى (ربًا).
الثالثة: أنه يجوز ترك القبيح لقبحه، ورعاية حق غيره، وخشية العار، أو الفقر، أو الخوف، ونحو ذلك. ولا يقال: التشريك غير مفيد في كونه تاركًا للقبيح، وأنه لا يثاب. وتدل أيضًا على لزوم حسن المكافأة بالجميل، وأن من أخل بالمكافأة عليه كان ظالمًا. انتهى. اهـ.