فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وإما كونه برضا أخيه فلا يدفع ارتكاب الكذب وإنما يدفع تأذى الأخ منه، أو يكون المعنى على الاستفهام أي أئنكم لسارقون ولا يخفى ما فيه من البعد وإلا فهو من قبل المؤذن بناء على زعمه قيل والأول هو الأظهر الأوفق للسياق.
وفي البحر الذي يظهر أن هذا التحيل ورمي البراء بالسرقة وإدخال الهم على يعقوب عليه السلام بوحي من الله تعالى لما علم سبحانه في ذلك من الصلاح ولما أراد من محنتهم بذلك، ويؤيده قوله سبحانه: {وكذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] وقرأ اليماني: {إِنَّكُمْ} بلا لام.
{قَالُواْ} أي الإخوة: {وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ} أي على طالبي السقاية المفهوم من الكلام أو على المؤذن إن كان أريد منه جمع كأنه عليه السلام جعل مؤذنين ينادون بذلك على ما في البحر، والجملة في موضع الحال من ضمير: {قَالُواْ} جئ بها للدلالة على انزعاجهم مما سمعوه لمباينته لحالهم أي قالوا مقبلين عليهم: {مَّاذَا تَفْقِدُونَ} أي أي شيء تفقدون أو ما الذي تفقدونه؟ والققد كما قال الراغب: عدم الشيء بعد وجوده فهو أخص من العدم فإنه يقال له ولما لم يوجد أصلًا، وقيل: هو عدم الشيء بأن يضل عنك لا بفعلك، وحاصل المعنى ما ضاع منكم؟ وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة.
وقرأ السلمي: {تَفْقِدُونَ} بضم التاء من أفقدته إذا وجدته فقيدًا نحو أحمدته إذا وجدته محمودا.
وضعف أبو حاتم هذه القراءة ووجهها ما ذكر، وعلى القراءتين فالعدول عما يقتضيه الظاهر من قولهم: ماذا سرق منكم على ما قيل لبيان كمال نزاهتهم بإظهار أنه لم يسرق منهم شيء فضلًا عن أن يكونوا هم السارقين له، وإنما الممكن أن يضيع منهم شيء فيسألونهم ماذا؟، وفيه إرشاد لهم إلى مراعاة حسن الأدب والاحتراز عن المجازفة ونسبة البراء إلى ما لا خير فيه لاسيما بطريق التأكيد فلذلك غيروا كلامهم حيث قالوا في جوابهم: {قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك} ولم يقولوا سرقتموه أو سرق، وقيل: كان الظاهر أن يبادروا بالإنكار ونفى أن يكونوا سارقين ولكنهم قالوا ذلك طلبًا لإكمال الدعوى إذ يجوز أن يكون فيها ما تبطل به فلا تحتاج إلى خصام، وعدلوا عن ماذا سرق منكم؟ إلى ما في النظم الجليل لما ذكر آنفًا، والصواع بوزن غراب المكيال وهو السقاية ولم يعبر بها مبالغة في الإفهام والإفصاح؛ ولذا أعاد الفعل، وصيغة المستقبل لما تقدم أو للمشاكلة.
وقرأ الحسن وأبو حيوة وابن جبير فيما نقل ابن عطية كما قرأ الجمهور إلا أنهم كسروا الصاد، وقرأ أبو هريرة ومجاهد: {صاع} بغير واو على وزن فعل فالألف فيه بدل من الواو المفتوحة.
وقرأ أبو رجاء: {صوع} بوزن قوس.
وقرأ عبد الله بن عون بن أبي أرطبان: {صوع} بضم الصاد وكلها لغات في الصاع، وهو مما يذكر ويؤنث وأبو عبيدة لم يحفظ التأنيث، وقرأ الحسن وابن جبير فيما نقل عنهما صاحب اللوامح،: {صواغ} بالغين المعجمة على وزن غراب أيضًا، وقرأ يحيى بن يعمر كذلك إلا أنه حذف الألف وسكن الواو، وقرأ زيد بن علي: {صوغ} على أنه مصدر من صاغ يصوغ أريد به المفعول، وكذا يراد من صواغ وصوغ في القراءتين أي نفقد مصوغ الملك: {الملك وَلِمَن جَاء بِهِ} أي أتى به مطلقًا ولو من عند نفسه، وقيل: من دل على سارقه وفضحه: {حِمْلُ بَعِيرٍ} أي من الطعام جعلا له، والحمل على ما في مجمع البيان بالكسر لما انفصل وبالفتح لما اتصل، وكأنه أشار إلى ما ذكره الراغب من أن الحمل بالفتح يقال في الأثقال المحمولة في الباطن كالولد في البطن والماء في السحاب والثمرة في الشجرة: {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} أي كفيل أؤديه إليه وهو قول المؤذن.
واستدل بذلك كما في الهداية وشروحها على جواز تعليق الكفالة بالشروط لأنه مناديه علق الالتزام بالكفالة بسبب وجوب المال وهو المجئ بصواع الملك وندائه بأمر يوسف عليه السلام، وشرع من قبلنا شرع لنا إذا مضى من غير إنكار، وأورد عليه أمران:
الأول: ما قاله بعض الشافعية من أن هذه الآية محمولة على الجعالة لما يأتي به لا لبيان الكفالة فهي كقول من أبق عبده من جاء به فله عشرة دراهم وهو ليس بكفالة لأنها إنما تكون إذا التزم عن غيره وهنا قد التزم عن نفسه.
الثاني: أن الآية متروكة الظاهر لأن فيها جهالة المكفول له وهي تبطل الكفالة.
وأجيب عن الأول بأن الزعم حقيقة في الكفالة والعمل بها مهما أمكن واجب فكأن معناه قول المنادي للغير: إن الملك قال: لمن جاء به حمل بعير وأنابه زعيم فيكون ضامنًا عن الملك لا عن نفسه فتتحقق حقيقة الكفالة.
وعن الثاني بأن في الآية ذكر أمرين الكفالة مع الحمالة للمكفول له، وإضافتها إلى سبب الوجوب، وعدم جواز أحدهما بدليل لا يستلزم عدم جواز الآخر.
وفي كتاب الأحكام أنه روي عن عطاء الخراساني: {زَعِيمٌ} بمعنى كفيل فظن بعض الناس أن ذلك كفالة إنسان وليس كذلك لأن قائله جعل حمل بعير أجرة لمن جاء بالصاع وأكده بقوله: {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} أي ضامن فألزم نفسه ضمان الأجرة لرد الصاع، وهذا أصل في جواز قول القائل: من حمل هذا المتاع لموضع كذا فله درهم وأنه إجارة جائزة وإن لم يشارط رجلًا بعينه وكذا قال محمد بن الحسن في السير الكبير: ولعل حمل البعير كان قدرًا معلومًا، فلا يقال: إن الإجارة لا تصح إلا بأجر معلوم كذا ذكره بعض المحققين.
وقال الإمام: إن الآية تدل على أن الكفالة كانت صحيحة في شرعهم، وقد حكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «الزعيم غارم» وليست كفالة بشيء مجهول لأن حمل بعير من الطعام كان معلومًا عندهم فصحت الكفالة به إلا أن هذه كفالة مال لرد السرقة وهي كفالة لما لم يجب لأنه لا يحل للسارق أن يأخذ شيئًا على رد السرقة.
ولعل مثل هذه الكفالة كانت تصح عندهم، وتعقب بأنه لا دليل على أن الراد هو من علم أنه الذي سرق ليحتاج إلى التزام القول بصحة ذلك في دينهم وتمام البحث في محله.
{قَالُواْ تالله} أكثر النحويين على أن التاء بدل من الواو كما أبدلت في تراث وتوراة عند البصريين، وقيل هي بدل من الباء، وقال السهيلي: إنها أصل برأسها، وقال الزجاج: إنها لا يقسم بها إلا في الله خاصة.
وتعقب بالمنع لدخولها على الرب مطلقًا أو مضافًا للكعبة وعلى الرحمن وقالوا تحياتك أيضًا.
وأيًا ما كان ففي القسم بها معنى التعجب كأنهم تعجبوا من رميهم بما ذكر مع ما شاهدوه من حالهم، فقد روى أنهم كانوا يعكمون أفواه إبلهم لئلا تنال من زروع الناس وطعامهم شيئًا واشتهر أمرهم في مصر بالعفة والصلاح والمثابرة على فنون الطاعات، ولذا قالوا: {لَقَدْ عَلِمْتُمْ} علمًا جازمًا مطلقًا للواقع: {مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ في الأرض} أي لنسرق فإن السرقة من أعظم أنواع الإفساد أو لنفسد فيها أي إفساد كان فضلًا عما نسبتمونا إليه من السرقة، ونفى المجئ للإفساد وإن لم يكن مستلزمًا لما هو مقتضى المقام من نفي الإفساد مطلقًا لكنهم جعلوا المجئ الذي يترتب عليه ذلك ولو بطريق الاتفاق مجيئًا لغرض الإفساد مفعولًا لأجله ادعاء إظهارًا لكمال قبحه عندهم وتربية لاستحالة صدوره عنهم فكأنهم قالوا: إن صدر عنا إفساد كان مجيئنا لذلك مريدين به تقبيح حاله وإظهار كمال نزاهتهم عنه كذا قيل.
وقيل: إنهم أرادوا نفي لازم المجئ للإفساد في الجملة وهو تصور الإفساد مبالغة في نزاهتهم عن ذلك فكأنهم قالوا: ما مر لنا الإفساد ببال ولا تعلق بخيال فضلًا عن وقوعه منا ولا يخفى بعده: {وَمَا كُنَّا سارقين} أي ما كنا نوصف بالسرقة قط، والظاهر دخول هذا في حيز العلم كالأول، ووجهه أن العلم بأحوالهم المشاهدة يستلزم العلم بأحوالهم الفائتة، والحلف في الحقيقة على الأمرين اللذين في حيز العلم لا على علم المخاطبين بذلك إلا أنهم ذكروه للاستشهاد وتأكيد الكلام، ولذا أجرت العرب العلم مجرى القسم كما في قوله:
ولقد علمت لتأتين منيتي ** إن المنايا لا تطيش سهامها

وفي ذلك من إلزام الحجة عليهم وتحقيق أمر التعجب المفهوم من تاء القسم من كلامهم كما فيه، وذكر بعضهم أنه يجوز أن يكون كما جئنا الخ متعلق العلم وأن يكون جواب القسم أو جواب العلم لتضمنه معناه وهو لا يأبى ما تقدم.
{قَالُواْ} أي أصحاب يوسف عليه السلام: {فَمَا جَزَاؤُهُ} أي الصواع، والكلام على حذف مضاف أي ما جزاء سرقته، وقيل: الضمير لسرق أو للسارق والجزاء يضاف إلى الجناية حقيقة وإلى صاحبها مجازًا، وقد يقال: يحذف المضاف فافهم والمراد فما جزاء ذلك عندكم وفي شريعتكم: {إِن كُنتُمْ كاذبين} أي في ادعاء البراءة كما هو الظاهر، وفي التعبير بإن مراعاة لجانبهم.
{قَالُواْ} أي الإخوة: {جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ} أي أخذ من وجد الصواع: {فِى رَحْلِهِ} واسترقاقه، وقدر المضاف لأن المصدر لا يكون خبرًا عن الذات ولأن نفس ذات من وجد في رحله ليست جزاء في الحقيقة، واختاروا عنوان الوجدان في الرحل دون السرقة مع أنه المراد لأن كون الأخذ والاسترقاق سنة عندهم ومن شريعة أبيهم عليه السلام إنما هو بالنسبة إلى السارق دون من وجد عنده مال غيره كيفما كان إشارة إلى كمال نزاهتهم حتى كأن أنفسهم لا تطاوعهم وألسنتهم لا تساعدهم على التلفظ به مثبتًا لأحدهم بأي وجه كان وكأنهم تأكيدًا لتلك الإشارة عدلوا عمن وجد عنده إلى من وجد في رحله: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي فأخذه جزاؤه وهو تقدير للحكم السابق بإعادته كما في قولك: حق الضيف أن يكرم فهو حقه وليس مجرد تأكيد، فالغرض من الأول إفادة الحكم ومن الثاني إفادة حقيته والاحتفاظ بشأنه كأنه قيل: فهذا ما تلخص وتحقق للناظر في المسألة لا مرية فيه، قيل: وذكر الفاء في ذلك لتفرغه على ما قبله ادعاء وإلا فكان الظاهر تركها لمكان التأكيد، ومنه يعلم أن الجملة المؤكدة قد تعطف لنكتة وإن لم يذكره أهل المعاني، وجوز كون: {مِنْ} موصولة مبتدأة وهذه الجملة خبره والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط وجملة المبتدأ وخبره خبر: {جَزَاؤُهُ}.
وأن تكون: {مِنْ} شرطية مبتدأ: {وَوَجَدَ في رَحْلِهِ} فعل الشرط وجزاؤه فهو جزاؤه والفاء رابطة والشرط وجزاؤه خبر أيضًا كما في احتمال الموصولة.
واعترض على ذلك بأنه يلزم خلو الجملة الواقعة خبرًا للمبتدأ عن عائد إليه لأن الضمير المذكور لمن لا له.
وأجيب بأنه جعل الاسم الظاهر وهو الجزاء الثاني قائمًا مقام الضمير والربط كما يكون بالضمير يكون بالظاهر والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو أي فهو الجزاء، وفي العدول ما علم من التقرير السابق وإزالة اللبس والتفخيم لاسيما في مثل هذا الموضع فهو كاللازم، وقد صرح الزجاج بأن الإظهار هنا أحسن من الإضمار وعلله ببعض ما ذكر وأنشد:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ** نغص الموت ذا الغنى والفقيرا

وبذلك يندفع ما في البحر اعتراضًا على هذا الجعل من أن وضع الظاهر موضع الضمير للربط إنما يفصح إذا كان المقام مقام تعظيم كما قال سيبويه فلا ينبغي حمل النظم الجليل على ذلك، وأن يكون جزاؤه خبر مبتدأ محذوف تقديره المسؤول عنه جزاؤه فهو حكاية قول السائل ويكون: {مَن وُجِدَ} الخ بيانًا وشروعًا في الفتوى، وهذا على ما قيل كما يقول من يستفتي في جزاء صيد المحرم: جزاء صيد المحرم، ثم يقول: {وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّدًا فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم} [المائدة: 95] فإن قول المفتي: جزاء صيد الحرم بتقدير ما استفتيت فيه أو سألت عنه ذلك وما بعده بيان للحكم وشرح للجواب، وليس التقدير ما أذكره جزاء صيد الحرم لأن مقام الجواب والسؤال ناب عنه.
نعم إذا ابتدأ العالم بإلقاء مسألة فهنالك يناسب هذا التقدير. وتعقب ذلك أبو حيان بأنه ليس في الإخبار عن المسؤول عنه بذلك كثير فائدة إذ قد علم أن المسؤول عنه ذلك من قولهم: {فَمَا جَزَاؤُهُ} وكذا يقال في المثل، وأجيب بأنه يمكن أن يقال: إن فائدة ذلك إعلام المفتي المستفتي أنه قد أحاط خبره بسؤاله ليأخذ فتواه بالقبول ولا يتوقف في ذلك لظن الغفلة فيها عن تحقيق المسؤول وهي فائدة جليلة.
وزعم بعضهم أن الجملة من الخبر والمبتدأ المحذوف على معنى الاستفهام الإنكاري كأن المسؤول ينكر أن يكون المسؤول عنه ذلك لظهور جوابه ثم يعود فيجيب وهو كما ترى: {كذلك} أي مثل ذلك الجزاء الأوفى: {نَجْزِى الظالمين} بالسرقة، والظاهر أن هذا من تتمة كلام الإخوة فهو تأكيد للحكم المذكور غب تأكيد وبيان لقبح السرقة وقد فعلوا ذلك ثقة بكمال براءتهم عنها وهم عما فعل بهم غافلون، وقيل: هو من كلام أصحاب يوسف عليه السلام، وقيل: كلامه نفسه أي مثل الجزاء الذي ذكرتموه نجزي السارقين. اهـ.

.قال القاسمي:

{وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يخبر سبحانه بأن إخوة يوسف لما قدموا عليه، ضم إليه أخاه بنيامين، إما على الطعام، أو في المنزل، وأعلمه بأنه أخوه، وقال له: لا تبتئس. أي: لا تحزن بما كانوا يعملون بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا، وجمعنا بخير.
وقد روي أنهم لما قدموا عليه، ووقفوا بين يديه، رأى أخاه بنيامين معهم، فأمر بإنزالهم في بيته، وحلولهم في كرامته وضيافته، وحضورهم معه في غدائه. ثم دخل عليهم فقاموا وسجدوا له، وسألهم عن سلامة أبيهم، ورفع طرفه إلى أخيه، فأدناه وآواه إليه، وآنسه بحديثه- كما ذكر في الآية- ثم أراد يوسف أن يحتال على بقاء أخيه عنده، فتواطأ مع فتيانه، إذا جهز إخوته، أن يضعوا سقايته في رحل أخيه، كما بينه تعالى بقوله: {فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ} أي: من الطعام: {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} وهي جام فضة يشرب به يوسف، وضعه في ميرة أخيه.
وقد روي أن يوسف لما جهزهم وارتحلوا، أمهلهم حتى انطلقوا وبعدوا قليلًا عن المدينة، ثم أمر أن يسعى في إثرهم، ويؤذنوا بما فقد، كما أشار إليه تعالى بقوله: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ}.
{قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} معنى (أذن) نادى. يقال: آذنه: أعلمه، وأذن أكثر الإعلام، ومنه (المؤذن) لكثرة ذلك منه.
و (العير): الإبل التي عليها الأحمال، لأنها تعير، أي: تذهب وتجيء، وهو اسم جمع للإبل، لا واحد له، فأطلق على أصحابها. وقيل: هي قافلة الحمير، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة (عير). و (الصواع) هو السقاية المتقدمة، إناء فضة.
تنبيه:
قال في الإكليل: في الآية دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه الغبطة والصلاح، واستخراج الحقوق.
قال ابن العربي: وفي إطلاق السرقة عليهم وليسوا بسارقين جواز دفع الضرر بضرر أقل منه.
وقوله تعالى: {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ} أصل في الجعالة.
وقوله: {وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ} أصل في الضمان والكفالة. انتهى.
ولما اتهمهم المؤذن ومن معه من الفتيان: {قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ} أي: ما جئنا للسرقة، أو لمطلق فساد، وإنما جئنا للميرة، وما كنا نوصف بالسرقة. وإنما استشهدوا بعلمهم على براءتهم، لما تيقنوه من حالهم، في كرّتي مجيئهم.
{قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ} أي: السارق: {إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ}.
{قَالُواْ} أي: لثقتهم ببراءتهم: {جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} أي: جزاء سرقته، أخذ من وجد في رحله رقيقًا، وهو قولهم: {فَهُوَ جَزَاؤُهُ} تقريرًا لذلك الحكم وإلزامه، أي: فأخذه جزاؤه لا غيره. ويجوز أن يكون: {جَزَاؤُهُ} مبتدأ والجملة الشرطية كما هي خبره، على إقامة الظاهر مقام المضمر، والأصل جزاؤه من وجد في رحله فهو هو.
{كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} أي: بالسرقة، تأكيد إثر تأكيد، وبيان لقبح السرقة. اهـ.