فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ} البدو البادية وهي خلاف الحاضرة.
{فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين}: في الكلام حذف تقديره: فرحل يعقوب بأهله أجمعين، وساروا حتى تلقوا يوسف.
قيل: وجهز يوسف إلى أبيه جهازًا، ومائتي راحلة ليتجهز إليه بمن معه، وخرج يوسف قيل: والملك في أربعة آلاف من الجند والعظماء وأهل مصر بأجمعهم، فتلقوا يعقوب عليه السلام وهو يمشي يتوكأ على يهوذ، فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا أهذا فرعون مصر؟ فقال: لا، هذا ولدك.
فلما لقيه يعقوب عليه السلام قال: السلام عليك يا مذهب الأحزان.
وقيل: إن يوسف قال له لما التقيا: يا أبت، بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أن القيامة تجمعنا؟ قال: بلى، ولكن خشيت أن تسلب دينك، فيحال بيني وبينك.
آوي إليه أبويه أي: ضمهما إليه وعانقهما، والظاهر أنهما أبوه وأمه راحيل.
فقال الحسن وابن إسحاق: كانت أمه بالحياة.
وقيل: كانت ماتت من نفاس بنيامين، وأحياها له ليصدق رؤياه في قوله: {والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} حكي هذا عن الحسن وابن إسحاق أيضًا.
وقيل: أبوه وخالته، وكان يعقوب تزوجها بعد موت راحيل، والخالة أم.
روي عن ابن عباس، وكانت ربت يوسف، والرابة تدعى أمًّا.
وقال بعضهم: أبوه وجدته أم أمه، حكاه الزهراوي.
وفي مصحف عبد الله آوى إليه أبويه وإخوته.
وظاهر قوله: ادخلوا مصر، إنه أمر بإنشاء دخول مصر.
قال السدي: قال لهم ذلك وهم في الطريق حين تلقاهم انتهى.
فيبقى قوله: فلما دخلوا على يوسف كأنه ضرب له مضرب، أو بيت حالة التلقي في الطريق فدخلوا عليه فيه.
وقيل: دخلوا عليه في مصر.
ومعنى ادخلوا مصر أي: تمكنوا منها واستقروا فيها.
والظاهر تعلق الدخول على مشيئة الله لما أمرهم بالدخول، علق ذلك على مشيئة الله لأن جميع الكائنات إنما تكون بمشيئة الله، وما لا يشاء لا يكون.
وقال الزمخشري: التقدير ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، إن شاء الله دخلتم آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال.
ومن بدع التفاسير أن قوله: إن شاء الله من باب التقديم والتأخير، وأن موضعه بعد قوله: سوف أستغفر لكم ربي في كلام يعقوب انتهى.
وهذا البدع من التفسير مروي عن ابن جريج، وهو في غاية البعد، بل في غاية الامتناع.
والعرش سرير الملك.
ولما دخل يوسف مصر وجلس في مجلسه على سريره، واجتمعوا إليه، أكرم أبويه فرفعهما معه على السرير.
ويحتمل أن يكون الرفع والخرور قبل دخول مصر بعد قوله: ادخلوا مصر، فكان يكون في قبة من قباب الملوك التي تحمل على البغال أو الإبل، فحين دخلوا إليه آوى إليه أبويه وقال: ادخلوا مصر، ورفع أبويه.
وخروا له، والضمير في وخروا عائد على أبويه وعلى إخوته.
وقيل: الضمير في وخروا عائد على إخوته وسائر من كان يدخل عليه لأجل هيبته، ولم يدخل في الضمير أبواه، بل رفعهما على سرير ملكة تعظيمًا لهما.
وظاهر قوله: وخروا له سجدًا أنه السجود المعهود، وأن الضمير في له عائد على يوسف لمطابقة الرؤيا في قوله: {إني رأيت أحد عشر كوكبًا} الآية وكان السجود إذ ذاك جائزًا من باب التكريم بالمصافحة، وتقبيل اليد، والقيام مما شهر بين الناس في باب التعظيم والتوقير.
وقال قتادة: كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة.
وقيل: هذا السجود كان إيماء بالرأس فقط.
وقيل: كان كالركوع البالغ دون وضع الجبهة على الأرض.
ولفظة وخروا تأبى هذين التفسرين.
قال الحسن: الضمير في له عائد على الله أي: خرُّوا لله سجدًا شكرًا على ما أوزعهم من هذه النعمة، وقد تأول قوله: رأيتهم لي ساجدين، على أن معناه رأيتهم لأجلي ساجدين.
وإذا كان الضمير ليوسف فقال المفسرون: كان السجود تحية لا عبادة.
وقال أبو عبد الله الداراني: لا يكون السجود إلا لله لا ليوسف، ويبعد من عقله ودينه أن يرضي بأن يسجد له أبوه مع سابقته من صون أولاده، والشيخوخة، والعلم، والدين، وكمال النبوة.
وقيل: الضمير وإن عاد على يوسف فالسجود كان لله تعالى، وجعلوا يوسف قبلة كما تقول: صليت للكعبة، وصليت إلى الكعبة، وقال حسان:
ما كنت أعرف أن الدهر منصرف ** عن هاشم ثم عنها عن أبي حسن

أليس أول من صلى لقبلتكم ** وأعرف الناس بالأشياء والسنن

وقيل: السجود هنا التواضع، والخرور بمعنى المرور لا السقوط على الأرض لقوله: {والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًا وعميانًا} أي لم يمروا عليها.
وقال ثابت: هذا تأويل رؤياي من قبل أي: سجودكم هذا تأويل، أي: عاقبة رؤياي أنّ تلك الكواكب والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين: ومن قبل متعلق برؤياي، والمحذوف في من قبل تقديره: من قبل هذه الكوائن والحوادث التي جرت بعد رؤياي.
ومن تأول أنّ أبويه لم يسجدا له زعم أن تعبير الرؤيا لا يلزم أن يكون مطابقًا للرؤيا من كل الوجوه، فسجود الكواكب والشمس والقمر يعبر بتعظيم الأكابر من الناس.
ولا شك أن ذهاب يعقوب عليه السلام مع ولده من كنعان إلى مصر لأجل يوسف نهاية في التعظيم له، فكفى هذا القدر في صحة الرؤيا وعن ابن عباس: أنه لما رأى سجود أبويه وإخوته هاله ذلك واقشعر جلده منه.
وقال ليعقوب: هذا تأويل رؤياي من قبل، ثم ابتدأ يوسف عليه السلام بتعديد نعم الله عليه فقال: قد جعلها ربي حقًا أي: صادقة، رأيت ما يقع في المنام يقظة، لا باطل فيها ولا لغو.
وفي المدة التي كانت بين رؤياه وسجودهم خلاف متناقض.
قيل: ثمانون سنة، وقيل: ثمانية عشر عامًا.
وقيل: غير ذلك من رتب العدد.
وكذا المدة التي أقام يعقوب فيها بمصر عند ابنه يوسف خلاف متناقض، وأحسن أصله أن يتعدى بإلى قال: {وأحسن كما أحسن الله إليك} وقد يتعدى بالباء قال تعالى: {وبالوالدين إحسانًا} كما يقال أساء إليه، وبه قال الشاعر:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ** لدينا ولا مقلية إن تقلت

وقد يكون ضمن أحسن معنى لطف، فعداه بالباء، وذكر إخراجه من السجن وعدل عن إخراجه من الجب صفحًا عن ذكر ما تعلق بقول إخوته، وتناسيًا لما جرى منهم إذ قال: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم} وتنبيهًا على طهارة نفسه، وبراءتها مما نسب إليه من المراودة.
وعلى ما تنقل إليه من الرياسة في الدنيا بعد خروجه من السجن بخلاف ما تنقل إليه بالخروج من الجب، إلى أن بيع مع العبيد، وجاء بكم من البدو من البادية.
وكان ينزل يعقوب عليه السلام بأطراف الشام ببادية فلسطين، وكان رب إبل وغنم وبادية.
وقال الزمخشري: كانوا أهل عمد وأصحاب مواش يتنقلون في المياه والمناجع.
قيل: كان تحول إلى بادية وسكنها، فإنّ الله لم يبعث نبيًا من أهل البادية.
وقيل: كان خرج إلى بدا وهو موضع وإياه عني جميل بقوله:
وأنت التي جببت شعبًا إلى بدا ** إليّ وأوطاني بلاد سواهما

وليعقوب عليه السلام بهذا الموضع مسجد تحت جبل.
يقال: بدًا القوم بدوا، إذا أتوا بدا كما يقال: غاروا غورًا.
إذ أتوا الغور.
والمعنى: وجاء بكم من مكان بدا، ذكره القشيري، وحكاه الماوردي عن الضحاك، وعن ابن عباس.
وقابل يوسف عليه السلام نعمة إخراجه من السجن بمجيئهم من البدو، والإشارة بذلك إلى الاجتماع بابيه وإخوته، وزوال حزن أبيه.
ففي الحديث: «من يرد الله به خيرًا ينقله من البادية إلى الحاضرة» من بعد أن نزغ أي أفسد، وتقدم الكلام على نزع، وأسند النزغ إلى الشيطان لأنه الموسوس كما قال: {فأزلهما الشيطان عنها} وذكر هذا القدر من أمر إخوته، لأنّ النعمة إذا جاءت إثر شدة وبلاء كانت أحسن موقعًا. إن ربي لطيف، أي: لطيف التدبير لما يشاء من الأمور، رفيق. اهـ.

.قال أبو السعود:

{فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ}
روي أنه وجّه يوسفُ إلى أبيه جَهازًا ومائتي راحلةٍ ليتجهز إليه بمن معه فاستقبله يوسفُ والملكُ في أربعة آلاف من الجند والعُظماء وأهلِ مصرَ بأجمعهم فتلقّوا يعقوبَ عليه الصلاة والسلام وهو يمشي متوكئًا على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال: يا يهوذا، أهذا فرعونُ مصرَ؟ قال: لا بل ولدُك، فلما لِقيه قال عليه الصلاة والسلام: السلامُ عليك يا مذهبَ الأحزان، وقيل: قال له يوسف: يا أبت بكَيتَ عليّ حتى ذهب بصرُك ألم تعلم أن القيامةَ تجمعنا؟ فقال: بلى، ولكني خشِيتُ أن يسلَبَ دينُك فيُحالَ بيني وبينك، وقيل إن يعقوبَ وولدَه دخلوا مصرَ وهم اثنان وسبعون ما بين رجلٍ وامرأةٍ وكانوا حين خرجوا مع موسى ستَّمائةِ ألفٍ وخمسَمائةٍ وبضعةً وسبعين رجلًا سوى الذرية والهرمى وكانت الذريةُ ألفَ ألفٍ ومائتي ألف.
{إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ} أي أباه وخالتَه وتنزيلُها منزلةَ الأمِّ كتنزيل العمِّ منزلةَ الأب في قوله عز وجل: {وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق} أو لأن يعقوبَ عليه الصلاة والسلام تزوّجها بعد أمّه، وقال الحسن وابنُ إسحاق: كانت أمُّه في الحياة فلا حاجة إلى التأويل، ومعنى آوى إليه ضمّهما إليه واعتنقهما وكأنه عليه الصلاة والسلام ضَرب في الملتقى مضربًا فنزل فيه فدخلوا عليه فآواهما إليه: {وَقَالَ ادخلوا مِصْرَ إِن شَاء الله ءامِنِينَ} من الشدائد والمكاره قاطبةً والمشيئةُ متعلقةٌ بالدخول على الأمن.
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ}
عند نزولِهم بمصر: {عَلَى العرش} على السرير تكرِمةً لهما فوق ما فعله لإخوته: {وَخَرُّواْ لَهُ} أي أبواه وإخوتُه: {سُجَّدًا} تحية له فإنه كان السجودُ عندهم جاريًا مجرى التحيةِ والتكرمةِ كالقيام والمصافحةِ وتقبيلِ اليد ونحوِها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير، وقيل: ما كان ذلك إلا انحناءً دون تعفيرِ الجباه، ويأباه الخرُورُ، وقيل: خروا لأجله سجدًا لله شكرًا ويرده قوله تعالى: {وَقَالَ يأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رؤياى} التي رأيتها وقصصتها عليك: {مِن قَبْلُ} في زمن الصِّبا: {قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا} صدقًا واقعًا بعينه، والاعتذارُ بجعل يوسفَ بمنزله القِبلة وجعلِ اللام كما في قوله:
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صلى لقبلتكم

تعسفٌ لا يخفى، وتأخيرُه عن الرفع على العرش ليس بنص في ذلك لأن الترتيبَ الذكريَّ لا يجب كونُه على وفق الترتيب الوقوعيِّ فلعل تأخيرَه عنه ليصل به ذكرُ كونِه تعبيرًا لرؤياه وما يتصل به من قوله: {وَقَدْ أَحْسَنَ بَى} المشهورُ استعمالُ الإحسان بإلى، وقد يستعمل بالباء أيضًا كما في قوله عز اسمُه: {وبالوالدين إحسانا} وقيل: هذا بتضمين لَطَف وهو الإحسانُ الخفيُّ كما يؤذن به قوله تعالى: {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} وفيه فائدة لا تخفى أي لطَف بي محسنًا إليَّ غيرَ هذا الإحسان: {إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن} بعدما ابتُليت به ولم يصرِّح بقصة الجُبّ حِذارًا من تثريب إخوتِه لأن الظاهرَ حضورُهم لوقوع الكلام عَقيب خرورهم سجّدًا واكتفاءً بما يتضمنه قوله تعالى: {وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو} أي البادية: {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} أي أفسد بيننا بالإغواء وأصلُه من نخْس الرائضِ الدابةَ وحملِها على الجري، يقال: نزَغه ونسَغه إذا نخسَه ولقد بالغ عليه الصلاة والسلام في الإحسان حيث أسند ذلك إلى الشيطان: {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} أي لطيفُ التدبير لأجله رفيقٌ حتى يجيء على وجه الحِكمة والصواب، ما من صعبٍ إلا وهو بالنسبة إلى تدبيره سهلٌ: {إِنَّهُ هُوَ العليم} بوجود المصالح: {الحكيم} الذي يفعل كلّ شيء على قضية الحكمة. روي أن يوسف أخذ بيد يعقوبَ عليهما الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه فأدخله في خزائن الورِقِ والذهب وخزائن الحِليّ وخزائن الثياب وخزائنِ السلاح وغيرِ ذلك، فلما أدخله خزائنَ القراطيس قال: يا بني ما أعقّك، عندك هذه القراطيسُ وما كتبت إلي على ثماني مراحلَ؟ قال: أمرني جبريلُ، قال: أو ما تسأله، قال: أنا أبسطُ إليه مني فسأله قال جبريلُ: الله تعالى أمرني بذلك لقولك: أخاف أن يأكلَه الذئب، قال: فهلا خِفْتني. ورُوي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام معه أربعًا وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفِنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاقَ فمضى بنفسه ودفنه ثمةَ ثم عاد إلى مصرَ وعاش بعد أبيه ثلاثًا وعشرين سنة فلما تم أمرُه وعلِم أنه لا يدوم له تاقت نفسُه إلى المُلك الدائم الخالد فتمنى الموت فقال: {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}. اهـ.