فصل: من فوائد الألوسي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد الألوسي في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} القسوة في الأصل اليبس والصلابة وقد شبهت هنا حال قلوبهم وهي نبوها عن الاعتبار بحال قسوة الحجارة في أنها لا يجري فيها لطف العمل ففي {قَسَتْ} استعارة تبعية أو تمثيلية، و{ثُمَّ} لاستبعاد القسوة بعد مشاهدة ما يزيلها، وقيل: إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حين قالوا إن الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم، والضمير في {قُلُوبُكُمْ} لورثة القتيل عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعند أبي العالية وغيره لبني إسرائيل {مِن بَعْدِ ذلك} أي إحياء القتيل، وقيل: كلامه، وقيل: ما سبق من الآيات التي علموها كمسخهم قردة وخنازير، ورفع الجبل، وانبجاس الماء، والإحياء وإلى ذلك ذهب الزجاج، وعليه تكون {ثُمَّ قَسَتْ} الخ عطفًا على مضمون جميع القصص السابقة والآيات المذكورة، وعلى سابقه تكون عطفًا على قصة {وَإِذْ قَتَلْتُمْ} [البقرة: 2 7] {فَهِيَ كالحجارة} أي في القسوة وعدم التأثر والجمع لجمع القلوب وللإشارة إلى أنها متفاوتة في القسوة كما أن الحجارة متفاوتة في الصلابة والكاف للتشبيه وهي حرف عند سيبويه وجمهور النحويين.
والأخفش يدعى اسميتها وهي متعلقة هنا بمحذوف أي كائنة كالحجارة خلافًا لابن عصفور إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} أي من الحجارة فهي كالحديد مثلًا أو كشيء لا يتأثر أصلًا ولو وهمًا، و{أَوْ} لتخيير المبالغ ويكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر، أو للتنويع أي بعض كالحجارة وبعض أشدّ أو للترديد بمعنى تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير على ما قيل، أو بمعنى بل ويحتاج إلى تقدير مبتدأ إذا قلنا باختصاص ذلك بالجمل، أو بمعنى الواو أو للشك وهو لاستحالته عليه تعالى يصرف إلى الغير والعلامة لا يرتضي ذلك لما أنه يؤدي إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع، وفيه إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره، والحق جواز اعتبار السامع في معاني الألفاظ عند امتناع جريها على الأصل بالنظر إلى المتكلم فلا بأس بأن يسلك ب {أَوْ} في الشك مسلك لعل في الترجي الواقع في كلامه تعالى فتلك جادة مسلوكة لأهل السنة.
وقد مرت الإشارة إلى ذلك فتذكر، و{أَشَدَّ} عطف على {كالحجارة} من قبيل عطف المفرد على المفرد كما تقول: زيد على سفر أو مقيم، وقدر بعضهم أو هي أشد فيصير من عطف الجمل، ومن الناس من يقدر مضافًا محذوفًا أي مثل ما هو أشد، ويجعله معطوفًا على الكاف إن كان اسمًا أو مجموع الجار والمجرور إذا كان حرفًا، ثم لما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه، ولا يخفى أن اعتبار التشبيه في جانب المعطوف بدون عطفه على المجرور بالكاف مستبعد جدًا، وقرأ الأعمش {أَوْ أَشَدَّ} مجرورًا بالفتحة لكونه غير منصرف للوصف ووزن الفعل وهو عطف على الحجارة واعتبار التشبيه حينئذ ظاهر وإنما لم يقل سبحانه وتعالى أقسى مع أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر ووارد في الفصيح كقوله:
كل خمصانة أرق من الخمـ ** ـر بقلب أقسى من الجلمود

لما في أشد المبالغة لأنه يدل على الزيادة بجوهره وهيئته بخلاف أقسى فإن دلالته بالهيئة فقط، وفيه دلالة على اشتداد القسوتين ولو كان أقسى لكان دالًا على اشتراك القلوب والحجارة في القسوة، واشتمال القلوب على زيادة القسوة لا في شدة القسوة وليس هذا مثل قولك زيد أشد إكرامًا من عمرو حيث ذكروا أن ليس معناه إلا أنهما مشتركان في الإكرام وإكرام زيد زِيدَ على إكرام عمرو لا أنهما مشتركان في شدة الإكرام، وشدة إكرام زيد زائدة على شدة إكرام عمرو للفرق بين ما بني للتوصل وما بني لغيره وما نحن فيه من الثاني وإن كان الأول أكثر.
والاعتراض بأن أشد محمول على القلوب دون القسوة ليس بشيء لأنه محمول عليها بحسب المعنى لكونها تمييزًا محولًا عن الفاعل أو منقولًا عن المبتدأ كما في البحر، ويمكن أن يقال: إن الله تعالى أبرز القساوة في معرض العيوب الظاهرة تنبيهًا على أنها من العيوب بل العيب كل العيب ما صد عن عالم الغيب {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 6 4].
{وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ} تذييل لبيان تفضيل قلوبهم على الحجارة أو اعتراض بين قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} وبين الحال عنها وهو {وَمَا الله بغافل} لبيان سبب ذلك فإنه لغرابته يحتاج إلى بيان السبب كما في قوله:
فلا هجره يبدو وفي اليأس راحة ** ولا وصفه يصفو لنا فنكارمه

وجعله جملة حالية مشعرة بالتعليل يأباه الذوق إذ لا معنى للتقييد، وكونه بيانًا وتقريرًا من جهة المعنى لما تقدم مع كونه بحسب اللفظ معطوفًا على جملة هي كالحجارة أو أشد كما قاله العلامة مما لا يظهر وجهه لأنه إذا كان بيانًا في المعنى كيف يصح عطفه ويترك جعله بيانًا، والمعنى إن الحجارة تتأثر وتنفعل، وقلوب هؤلاء لا تتأثروا لا تنفعل عن أمر الله تعالى أصلًا، وقد ترقى سبحانه في بيان التفضيل كأنه بين أولًا تفضيل قلوبهم في القساوة على الحجارة التي تتأثر تأثرًا يترتب عليه منفعة عظيمة من تفجر الأنهار، ثم على الحجارة التي تتأثر تأثرًا ضعيفًا يترتب عليه منفعة قليلة من خروج الماء، ثم على الحجارة التي تتأثر من غير منفعة فكأنه قال سبحانه: قلوب هؤلاء أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تتأثر بحيث يترتب عليه المنفعة العظيمة بل الحقيرة بل لا تتأثر أصلًا ومما ذكر يظهر نكتة ذكر تفجر الأنهار وخروج الماء، وترك فائدة الهبوط، وذكر غير واحد أن الآية واردة على نهج التتميم دون الترقي كالرحمن الرحيم إذ لو أريد الترقي لقيل وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهار وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي، ويكون {وَإِنَّ مِنْهَا} الأخير تتميمًا للتتميم، ولا يخفى أنه يرد عليه منع إفادته لاستيعاب جميع الانفعالات وخلوه عن لطافة ما ذكرناه، والتفجر التفتح بسعة وكثرة كما يدل عليه جوهر الكلمة وبناء التفعل، والمراد من الأنهار الماء الكثير الذي يجري في الأنهار، والكلام إما على حذف المضاف، أو ذكر المحل وإرادة الحال أو الإسناد مجازي، قال بعض المحققين: وحملها على المعنى الحقيقي وَهمٌ إذ التفتح لا يمكن إسناده إلى الأنهار اللهم إلا بتضمين معنى الحصول بأن يقال: يتفجر ويحصل منه الأنهار على أن تفجير الحجارة بحيث تصير نهرًا غير معتاد فضلًا عن كونها أنهارًا، والتشقق التصدع بطول أو بعرض، والخشية الخوف، واختلف في المراد منها فذهب قوم وهو المروي عن مجاهد وغيره أنها هنا حقيقة، وهي مضافة إلى الاسم الكريم من إضافة المصدر إلى مفعوله أي من خشية الحجارة الله ويجوز أن يخلق الله تعالى العقل والحياة في الحجر، واعتدال المزاج والبنية ليسا شرطًا في ذلك خلافًا للمعتزلة، وظواهر الآيات ناطقة بذلك، وفي الصحيح: «إني لأعرف حجرًا كان يسلم عليّ قبل أن أبعث» وأنه صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه، وورد في الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه، وحديث تسبيح الحصى بكفه الشريف صلى الله عليه وسلم مشهور، وقيل: هي حقيقة، والإضافة هي الإضافة إلا أن الفاعل محذوف هو العباد، والمعنى: أن من الحجارة ما ينزل بعضه عن بعض عند الزلزال من خشية عباد الله تعالى إياه؛ وتحقيقه أنه لما كان المقصود منها خشية الله تعالى صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ذلك الهبوط فيؤل المعنى أنه يهبط من أجل أن يحصل خشية العباد الله تعالى.
وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة، وأن الضمير في {مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} عائد على القلوب، والمعنى أن من القلوب قلوبًا تطمئن وتسكن وترجع إلى الله تعالى، وهي قلوب المخلصين، فكنى عن ذلك بالهبوط، وقيل: إنها حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر البرد، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله وهذا القول أبرد من الثلج وما قبله أكثف من الحجر وما قبلهما بين بين وقال قوم: إن الخشية مجاز عن الانقياد لأمر الله تعالى إطلاقًا لاسم الملزوم على اللازم، ولا ينبغي أن تحمل على حقيقتها، أما على القول بأن اعتدال المزاج والبنية شرط وما ورد مما يقتضي خلافه محمول على أن الله تعالى قرن ملائكته بتلك الجمادات، ومنها هاتيك الأفعال ونحو «هذا جبل يحبنا ونحبه» على حذف مضاف أي يحبنا أهله ونحب أهله فظاهر.
وأما على القول بعدم الاشتراط فلأن الهبوط والخشية على تقدير خلق العقل والحياة لا يصح أن يكون بيانًا لكون الحجارة في نفسها أقل قسوة وهو المناسب للمقام والاعتراض بأن قلوبهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر التكليف بطريق القصد والاختيار ولا تمتنع عما يراد بها على طريق القسر والإلجاء كما في الحجارة وعلى هذا لا يتم ما ذكر، فالأولى الحمل على الحقيقة أجيب عنه بأن المراد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لقبولها التأثر الذي يليق بها وخلقت لأجله بخلاف قلوبهم فإنها تنبو عن التأثر الذي يليق بها وخلقت له، والجواب بأن ما رأوه من الآيات مما يقسر القلب ويلجؤه فلما لم تتأثر قلوبهم عن القاسرات الكثيرة ويتأثر الحجر من قاسر واحد تكون قلوبهم أشد قسوة لا يخلو عن نظر لأنه إن أريد بذلك المبالغة في الدلالة على الصدق فلا ينفع، وإن أريد به حقيقة الإلجاء فممنوع، وإلا لما تخلف عنها التأثر ولما استحق من آمن بعد رؤيتها الثواب لكونه إيمانًا اضطراريًا ولم يقل به أحد ثم الظاهر على هذا تعلق خشية الله بالأفعال الثلاثة السابقة وقرئ {وَأَنْ} على أنها المخففة من الثقيلة ويلزمها اللام الفارقة بينها وبين النافية، والفراء يقول: إنها النافية واللام بمعنى إلا وزعم الكسائي أن {إن} إن وليها اسم كانت المخففة، وإن فعل كانت النافية، وقطرب إنها إن وليها فعل كانت بمعنى قد وقرأ مالك بن دينار {ينفجر} مضارع انفجر والأعمش {يتشقق} و{لَمَا يَهْبِطُ} بالضم.
{وَمَا الله عَمَّا تَعْمَلُونَ} وعيد على ما ذكر كأنه قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن كثير {يَعْمَلُونَ} بالياء التحتانية ضمًا إلى ما بعده من قوله سبحانه: {أَن يُؤْمِنُواْ} و{يَسْمَعُونَ} [البقرة: 57] وفريق منهم، وقرأ الباقون بالتاء الفوقانية لمناسبة {وَإِذْ قَتَلْتُمْ فادرأتم} [البقرة: 72] وتكتمون الخ وقيل: ضمًا إلى قوله تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ} [البقرة: 5 7] بأن يكون الخطاب فيه للمؤمنين وعدلهم، ويبعده أنه لا وجه لذكر وعد المؤمنين تذييلًا لبيان قبائح اليهود. اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}.
المخاطبون إما أهل الكتاب الذين كانوا في زمنه صلى الله عليه وسلم، أي: اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم، والأمور التي جرت عليهم، والعقاب الذي نزل بمن أصرّ على المعصية منهم، والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم، والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم، وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم. فأخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب. وهذا أَولى؛ لأن قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم}، خطاب مشافهة. فحمله على الحاضرين أولى. وإما في المطبوع: وأما أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصًا، أو من قبل المخاطبين من سلفهم. والله أعلم {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ} في القساوة: {أَوْ أَشَدُّ} منها: {قَسْوَةً} أي: هي في القسوة مثل الحجارة أو زائد عليها فيها. و: {أَوْ} للتخير أو للترديد. بمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة، أو بما هو أقسى كالحديد، أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال هي أقسى من الحجارة، وترك ضمير المُفَضَّل عليه للأمن من الالتباس: {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ} أي: يتفتح بالسعة والكثرة: {مِنْهُ الأَنْهَارُ} بيان لأشديّة قلوبهم من الحجارة في القساوة وعدم التأثر بالعظات، والقوارع التي تميع منها الجبال وتلين بها الصخور، يعني أن الحجارة ربما تتأثر حيث يكون منها ما يتفجر منه المياه العظيمة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} أي: يتشقق: {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء} أي: العيون التي هي دون الأنهار: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ} أي: يتردى من رأس الجبل من خشية الله، انقيادًا لما سخره له من الميل إلى المركز بالسلاسة، قاله القاشانيّ.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى الاستدلال بظاهر الآية على خلق التمييز في الجماد حتى يخشى ويسبح. والمحققون على أن هذه الآية وأمثالها من المجاز البليغ، وأن الإطلاق لا ينحصر في الحقيقة، لاسيما وأن المجاز أكثر في اللسان منها، كما بسط في مطولات البيان.
وقد رد الإمام ابن حزم، في أول كتابه الفصل على من زعم أن للحيوان والجماد تمييزًا، ردًا مسهبًا. وقال: من ادعى ذلك أكذبه العيان. ثم استثنى ما كان معجزة للأنبياء عليهم السلام.
قال: ولعل معترضًا يعترض بقوله تعالى يصف الحجارة: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الْلَّهِ}، فقد علمنا بالضرورة أن الحجارة لم تؤمر بشريعة ولا بعقل ولا بعث إليها نبيّ. فإذْ لا شك في هذا، فإن القول منه تعالى يخرج على أحد ثلاثة أوجه:
أحدها أن يكون الضمير في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} راجع إلى القلوب المذكورة في أول الآية في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} فذكر تعالى أن من تلك القلوب القاسية ما يقبل الإيمان يومًا ما، فيهبط عن القسوة إلى اللين من خشية الله تعالى، وهذا أمر يشاهد بالعيان، فقد تلين القلوب القاسية بلطف الله تعالى، ويخشى العاصي. وقد أخبر عز وجلّ: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ} [آل عِمْرَان: 199]، وكما أخبر تعالى أن: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ} [التوبة: 99] من بعد أن أخبر أن: {الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا} [التوبة: 97]. قال: فهذا وجه ظاهر متيقن الصحة.
والوجه الثاني: أن الخشية المذكورة في الآية إنما هي التصرف بحكم الله تعالى وجري أقداره، كما قلنا في قوله تعالى حاكيًا عن السماء والأرض: {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11].
والوجه الثالث: أن يكون الله تعالى عنى بقوله: {وإنّ منها لما يهبط من خشية الله} الجبل الذي صار دكًّا، إذ تجلى الله تعالى له يوم سأله كليمه عليه السلام الرؤية، فذلك الجبل بلا شك من جملة الحجارة، وقد هبط عن مكانه من خشية الله تعالى، وهذه معجزة وآية وإحالة طبيعة في ذلك الجبل خاصة. ويكون: {يهبط} بمعنى: هبط؛ كقوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الأنفال: 30] معناه: وإذ مكر، وبين قوله تعالى، مصدقًا إبراهيم خليله صلى الله عليه وسلم في إنكاره على أبيه عُبَاْدَة الحجارة: {لم تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ} [مريم: 42] وقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ} [الزمر: 43] فصح بهذا، صحة لا مجال للشك فيها، أن الحجارة لا تعقل. وإذ تيقن ذلك بالنص وبالضرورة والمشاهدة فقد انتفى عنها النطق والتمييز والخشية، المعهود كل ذلك عندنا.
وأما الأحاديث المأثورة في أن الحجر له لسان وشفتان، والكعبة كذلك، وأن الجبال تطاولت، وخشع جبل كذا، فخرافات موضوعة نقلها كل كذاب وضعيف، لا يصح منها شيء من طريق الإسناد أصلًا. ويكفي من التطويل في ذلك أنه لم يدخل شيئًا منها من انتدب من الأئمة لتصنيف الصحيح من الحديث، أو ما يستجاز روايته، مما يقارب الصحة. انتهى كلام ابن حزم.
وقال ابن جرير: اختلف أهل النحو في معنى الهبوط؛ ما هبط من الأحجار من خشية الله فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيّؤ ظلاله. وقال آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكًا إذ تجلى له ربه. وقال آخرون: قوله: {يهبط من خشية الله} كقوله: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] لا إرادة له. قالوا: وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله يرى كأنه هابط خاشع من ذلّ خشية الله. قال زيد الخيل:
بِجَمْعٍ تَضِلُّ اْلبُلْقُ فِيْ حَجَرَاتِهِ ** تَرَى الْأُكْمَ مِنْهُ سُجَّدًا لِلْحَوَافِر

وكما قال سويد بن أبي كاهل، يصف عدوًّا له:
سَاْجِدَ الْمَنَْخِرِ لَاْ يَرْفَعُهُ ** خَاْشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ الْمُستَْمَعْ

يريد أنه ذليل.
وكما قال جرير بن عطية:
لَمَّا أتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ** سُوْرُ المَدِينَةِ والْجِبَالُ الْخُشَّعُ

وقال آخرون: معنى قوله: {يهبط من خشية الله} أي: يوجب الخشية لغيره بدلالته على صانعه. كما قيل: ناقة تاجرة إذا كانت، من نجابتها وفراهتها، تدعو الناس إلى الرغبة فيها، كما قال جرير بن عطية:
وَأَعْوَرُ مِنْ نَبْهَاْنَ، أَمَّاْ نَهَاْرُهُ ** فَأَعْمَى، وَأَمَّاْ لَيْلُهُ فَبَصِيْرُ

فجعل الصفة لليل والنهار، وهو يريد بذلك صاحبه النبهانيّ الذي يهجوه. من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به. ثم اختار ابن جرير ما يقتضيه ظاهر الآية. وتقدم رد ابن حزم له مبرهنًا عليه.
ثم رأيت الإمام الراغب حاول هنا تقريب ما نقل من الوقوف على ظاهرها بتأويله. وعبارته: قال مجاهد وابن جريج: كل حجر تردى من رأس جبل فخشية الله نزلت به، وقال الزجاج: الهابط منها قد جعل له معرفة، قال ويدل على ذلك قوله: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21]، وقال: {لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الحج: 18]، إلى قوله: {النُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ} [الحج: 18] وقد روي مثل هذا عن السلف، ولابد في معرفة ذلك من مقدمة تكشف عن وجه هذا القول، وحقيقته. فإن قومًا استسلموا لما حكي لهم من هذا النحو، فانطووا على شبهة، وقومًا استبعدوا ذلك واستخفوا عقل رواته وقائليه، فيقال وبالله التوفيق: إن قومًا من المتقدمين ذكروا أن جميع المعارف على أضرب:
الأول المعرفة التامة التي هي العلم التام. وذلك لعلاّم الغيوب الذي أحاط بكل شيء علمًا.
والثاني معرفة متزايدة، وهي للإنسان، وذاك أن الله تعالى جعل له معرفة غريزية، وجعل له بذلك سبيلًا إلى تعريف كثير مما لم يعرفه، وليس ذلك إلا للإنسان.
والثالث معرفة دون ذلك، وهي معرفة الحيوانات التي سخرها لإيثار أشياء نافعة لها والسعي إليها. واسترذال أشياء هي ضارة لها وتجنبها، ودفع مضار عن أنفسها.
والرابع: معرفة الناميات من الأشجار والنبات، وهي دون ما للحيوانات، وليس ذلك إلا في استجلاب المنافع وما ينميها.
والخامس: معرفة العناصر، فإن كل واحد منها مسخر لأن يشغل المكان المختص به كالحجر في طلب السفل، والنار في طلب العلّو، وذلك بتسخير الله تعالى، بلا اختيار منه. قالوا: والدلالة على ذلك أن كل واحدٍ من هذه العناصر إذا نقل من مركزه قهرًا، أبى إلا العود إليه طوعًا. قالوا ويوضح ذلك أن السراج يجتذب الأدهان التي تبقيه، ويأبى الماء الذي يطفيه، وأن المغناطيس يجر الحديد ولا يجر غيره. هذا ما حكوه.
فعلى هذا إذا قيل: لهذه الأشياء معرفة، فليس ببعيد، متى سلم لهم أن هذه القوى تسمى معرفة، فأما إذا قيل إن للجمادات معارف الْإِنْسَاْن في أنها تميز وتختار وتريد، فهذا مما تعافه العقول. انتهى قول الراغب.
وهو تأويل حسن، ومبناه على أن اصطلاح السلف في كثير من الإطلاقات غير اصطلاحات الخلف. وهو مسلم في كثير من الإطلاقات.
وقوله تعالى: {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى. فإن الله عز وجل إذا كان عالمًا بما يعملونه، مطلعًا عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. اهـ.