فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله في الملل والنحل: ما احتجوا به لا حجة فيه؛ لأن إخوة يوسف، عليه السلام، لم يكونوا أنبياء، ولا جاء قط- في أنهم أنبياء- نص لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا من إجماع، ولا من قول أحد من الصحابة رضي الله عنهم! فأما يوسف عليه السلام فرسول الله بنص القرآن، قال عز وجل: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} إلى قوله: {مِنْ بَعْدِهِ} [غافر: من الآية 34]، وأما إخوته فأفعالهم تشهد بأنهم لم يكونوا متورعين عن العظائم، فكيف أن يكونوا أنبياء؟! ولكن الرسولين- أباهم وأخاهم- قد استغفرا لهم وأسقطا التثريب عنهم!
وبرهان ما ذكرنا- من كذب من يزعم أنهم كانوا أنبياء- قول الله تعالى حاكيًا عن الرسول أخيهم أنه قال لهم: {أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا} [يوسف: من الآية 77]، ولا يجوز البتة أن يقوله لنبي من الأنبياء، نعم، ولا لقوم صالحين!؛ إذ توقير الأنبياء فرض على جميع الناس؛ لأن الصالحين ليسوا شرًا مكانًا، وقد عق ابن نوح أباه بأكثر مما عق به إخوة يوسف أباهم، إلا أن إخوة يوسف لم يكفروا. ولا يحل لمسلم أن يُدخل في الأنبياء من لم يأت نص ولا إجماع أو نقل كافٍ بصحة نبوته! ولا فرق بين التصديق بنبوة من ليس نبيًا، وبين التكذيب بنبوة من صحت نبوته منهم! فإن ذكروا في ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وهو زيد بن أرقم: (إنما مات إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاد الأنبياء أنبياء!) فهذه غفلة شديدة وزلة عالم، من وجوه:
أولها: أنه دعوى لا دليل على صحتها!.
وثانيها: أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن ينبأ إبراهيم في المهد كما نبئ عيسى عليه السلام، وكما أوتي يحيى الحكم صبيًا؛ فعلى هذا القول لعل إبراهيم كان نبيًا، وقد عاش عامين غير شهرين، وحاشا لله من هذا..!.
وثالثها: أن ولد نوح كان كافرًا بنص القرآن: عمل عملًا غير صالح. فلو كان أولاد الأنبياء أنبياء لكان هذا الكافر المسخوط عليه نبيًا. وحاشا لله من هذا..!.
ورابعها: لو كان ذلك، لوجب ولابد أن تكون اليهود كلهم أنبياء إلى اليوم، بل جميع أهل الأرض أنبياء؛ لأنه يلزم أن يكون الكل من ولد آدم لصلبه أنبياء؛ لأن أباهم نبي، وأولاد أولادهم أنبياء؛ لأن آباءهم أنبياء وهم أولاد أنبياء، وهكذا... أبدًا حتى يبلغ الأمر إلينا! وفي هذا من الكفر لمن قامت عليه الحجة وثبت عليه ما لا خفاء به. وبالله تعالى التوفيق..!
ثم قال ابن حزم: وذكروا- يعني الكرامية ومن وافقهم- أيضًا أخذ يوسف عليه السلام أخاه، وإيحاشه أباه عليه السلام منه، وأنه أقام مدة يقدر فيها على أن يعرف أباه خبره وهو يعلم ما يقاسي به من الوجد عليه فلم يفعل، وليس بينه وبينه إلا عشر ليال! وبإدخاله صواع الملك في وعاء أخيه، ولم يعلم بذلك سائر إخوته، ثم أمر من هتف: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} [يوسف: من الآية 70]، وهم لم يسرقوا شيئًا، ويقول الله تعالى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: من الآية 24]، وبخدمته لفرعون، وبقوله للذي كان معه في السجن: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك} [يوسف: من الآية 42].
قال ابن حزم: وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه، ونحن نبين ذلك بحول الله تعالى وقوته، فنقول وبالله تعالى نتأيد: أما أخذه أخاه وإيحاشه أباه منه فلا شك في أن ذلك ليرفق بأخيه وليعود إخوته إليه، ولعلهم لو مضوا بأخيه لم يعودوا إليه وهم في مملكة أخرى، وحيث لا طاعة ليوسف عليه السلام ولا لملك مصر هنالك، وليكون ذلك سببًا لاجتماعه وجمع شمل جميعهم! ولا سبب إلى أن يظن برسول الله يوسف عليه السلام الذي أوتي العلم والمعرفة بالتأويل- إلا أحسن الوجوه. وليس مع من خالفنا نص بخلاف ما ذكرنا. ولا يحل أن يظن بمسلم فاضل عقوق أبيه، فكيف برسول الله صلوات الله عليه؟! وأما ظنهم- أنه أقام مدة يقدر فيها على تعريف أبيه خبره ولم يفعل- فهذا جهل شديد ممن ظن هذا؛ لأن يعقوب في أرض كنعان من عمل فلسطين، في قوم رحالين خصاصين في لسان آخر وطاعة أخرى ودين آخر وأمة أخرى! فلم يكن عند يوسف عليه السلام علم بعد فراقه أباه بما فعل، ولا حي هو أو ميت؛ أكثر من وعد الله تعالى بأن ينبئهم بفعلهم به، ولا وجد أحدًا يثق به، فيرسل إليه؛ للاختلاف الذي ذكرنا. وإنما يستسهل هذا اليوم من يرى أرض الشام ومصر لأمير واحد وملة واحدة، ولسانًا واحدًا وأمة واحدة، والطريق سابل، والتجار ذاهبون وراجعون، والرفاق سائرة ومقبلة، والبُرُد ناهضة وراجعة، فظن كل بيضاء شحمة ولم يكن الأمر حينئذ كذلك، ولكن كما قدمنا، ودليل ذلك أنه حين أمكنه لم يؤخره، واستجلب أباه وأهله أجمعين عند ضرورة الناس إليه، وانقيادهم له للجوع الذي كان عمَّ الأرض، وامتيازهم عنده، فانتظر وعد ربه تعالى الذي وعده حين ألقوه في الجب، فأتوه ضارعين راغبين كما وعده تعالى في رؤياه قبل أن يأتوه. وأما قول يوسف لإخوته: {إِنَّكُم لَسَارقُونَ} وهم لم يسرقوا الصواع، بل هو الذي كان قد أدخله في وعاء أخيه دونهم؛ فقد صدق عليه السلام؛ لأنهم سرقوه من أبيه وباعوه، ولم يقل عليه السلام: إنكم سرقتم الصواع، وإنما قال: {نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِك} [يوسف: من الآية 72]، وهو في ذلك صادق؛ لأنه كان غير واجد له، فكان فاقدًا له بلا شك! وأما خدمته عليه السلام لفرعون فإنما خدمه تقية، وفي حق لاستنقاذ الله تعالى بحسن تدبيره، ولعل الملك أو بعض خواصه، قد آمن به إلا أن خدمته له على كل حال حسنة وفعل خير، وتوصل إلى الاجتماع بأبيه وإلى العدل وإلى حياة النفوس؛ إذ لم يقدر على المغالبة ولا أمكنه غير ذلك، ولا مرية في أن ذلك كان مباحًا في شريعة يوسف عليه السلام بخلاف شريعتنا، قال الله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: من الآية 48]. وأما سجود أبويه فلم يكن ذلك محظورًا في شريعتهما بل كان فعلًا حسنًا، وتحقيق رؤياه الصادق من الله تعالى. ولعل ذلك السجود كان تحية كسجود الملائكة لآدم عليه السلام. إلا أن الذي لا شك فيه أنه لم يكن سجود عبادة ولا تذلل، وإنما كان سجود كرامة فقط بلا شك. وأما قوله عليه السلام للذي كان معه في السجن: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: من الآية 42]، فما علمنا الرغبة في الانطلاق من السجن محظورة على أحد، وليس في قوله ذلك دليل على أنه أغفل الدعاء إلى الله عز وجل، لكنه رغَّب هذا الذي كان معه في السجن في فعل الخير وحضه عليه! وهذا فرض من وجهين: أحدهما: وجوب السعي في كف الظلم عنه. والثاني: دعاؤه إلى الخير والحسنات. وأما قوله تعالى: {فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} [يوسف: من الآية 42]، فالضمير الذي في: {أنساه} وهو الهاء راجع إلى الفتى الذي كان معه في السجن، أي: أن الشيطان أنساه أن يُذكر ربه أمر يوسف عليه السلام. ويحتمل أيضًا أن يكون أنساه الشيطان ذكر الله تعالى، ولو ذكر الله عز وجل لذكر حاجة يوسف عليه السلام، وبرهان ذلك قول الله عز وجل: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: من الآية 45] فصح يقينًا أن المذكر بعد أمة هو الذي أنساه الشيطان ذكر ربه حتى تذكر. وحتى لو صح أن الضمير من: {أنساه} راجع إلى يوسف عليه السلام؛ لما كان في ذلك نقص ولا ذنب؛ إذ ما كان بالنسيان فلا يبعد عن الأنبياء! وأما قوله: {هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [يوسف: من الآية 24]، فليس كما ظن من لم يمعن النظر حتى قال من المتأخرين من قال: (إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة) ومعاذ الله من هذا أن يظن برجل من صالحي المسلمين أو مستوريهم! فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم!! فإن قيل: إن هذا قد روي عن ابن عباس رضي الله عنه من طريق جيدة الإسناد، قلنا: نعم! ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط! والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دون ابن عباس، أو لعل ابن عباس لم يقطع بذلك، إذ إنما أخذه عمن لا يدرى من هو، ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره؛ لأنه رضي الله عنه لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول الله، ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به! لكن معنى الآية لا يعدو أحد وجهين: إما أنه همَّ بالإيقاع بها وضربها، كما قال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر: من الآية 5]، وكما يقول القائل: لقد هممت بك، لكنه عليه السلام امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها، وعلم أن الفرار أجدى عليه وأظهر لبراءته، على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر قدِّ القميص. والوجه الثاني: أن الكلام تم عند قوله: {ولَقَدْ همَّتْ بهِ} ثم ابتدأ تعالى خبرًا آخر فقال: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ} وهذا ظاهر الآية بلا تكلف تأويل، وبهذا نقول. وبرهان ربه ها هنا: هو النبوة وعصمة الله عز وجل إياه، ولولا البرهان لكان يهم بالفاحشة، وهذا لا شك فيه! ولعل من ينسب هذا إلى النبي المقدس يوسف؛ ينزه نفسه الرذلة عن مثل هذا المقام فيهلك. وقد خشي النبي صلى الله عليه وسلم الهلاك على من ظن به ذلك الظن؛ إذ قال للأنصاريين حين لقيهما: «هذه صفية» ومن الباطل الممتنع أن يظن ظان أن يوسف عليه السلام همَّ بالزنى وهو يسمع قول الله تعالى: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ} [يوسف: من الآية 24] فنسأل من خالفنا عن الهمِّ بالزنى: سوء هو أم غير سوء؟ فلابد أنه سوء، ولو قال: إنه ليس بسوء لعاند الإجماع، فإذ هو سوء، وقد صرف عنه السوء، فقد صرف عنه الهم بيقين! وأيضًا فإنها قالت: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} [يوسف: من الآية 25] وأنكر هو ذلك فشهد الصادق المصدق: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 27]، فصح أنها كذبت بنص القرآن، وإذ كذبت بنص القرآن فما أراد بها قط سوءًا، فما همَّ بالزنى قط. ولو أراد بها الزنى لكانت من الصادقين، وهذا بيِّنٌ جدًا، وكذلك قوله تعالى عنه أنه قال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ} [يوسف: من الآية 33] فصح عنه أنه قط لم يصْبُ إليها.
انتهى كلام ابن حزم عليه الرحمة والرضوان. وإنما نقلت كلامه برمته؛ لأنه كما قيل:
وما محاسن شيء كله حسن

.اهـ.

.قال ابن عاشور:

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}
هذا من رد العجز على الصدر فهي مرتبطة بجملة: {ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك} [سورة يوسف: 102] وهي تتنزّل منها منزلة البيان لما تضمنه معنى الإشارة في قوله: {ذلك من أنباء الغيب} من التعجيب، وما تضمنه معنى: {وما كنتَ لديهم} من الاستدلال على أنه وحي من الله مع دلالة الأمية.
وهي أيضًا تتنزل منزلة التذييل للجمل المستطرد بها لقصد الاعتبار بالقصة ابتداء من قوله: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف: 103].
فلها مواقع ثلاثة عجيبة من النظم المعجز.
وتأكيد الجملة بـ (قد) واللام للتحقيق.
وأولو الألباب: أصحاب العقول.
وتقدم في قوله: {واتقون يا أولي الألباب} في أواسط سورة البقرة (197).
والعِبرة: اسم مصدر للاعتبار، وهو التوصل بمعرفة المشاهد المعلوم إلى معرفة الغائب وتطلق العِبرة على ما يحصل به الاعتبار المذكور من إطلاق المصدر على المفعول كما هنا.
ومعنى كون العبرة في قصصهم أنها مظروفة فيه ظرفية مجازية، وهي ظرفية المدلول في الدليل فهي قارة في قصصهم سواء اعتَبر بها من وُفّق للاعتبار أم لم يعتبر لها بعضُ الناس.
وجملة {ما كان حديثا يفترى} إلى آخرها تعليل لجملة: {لقد كان في قصصهم عبرة} أي لأن ذلك القصص خبر صدق مطابق للواقع وما هو بقصة مخترعة.
ووجه التعليل أن الاعتبار بالقصة لا يحصل إلا إذا كانت خبرًا عن أمر وقع، لأن ترتب الآثار على الواقعات رتّب طبيعي فمِن شأنها أن تترتب أمثالُها على أمثالها كلما حصلت في الواقع، ولأن حصولها ممكن إذ الخارج لا يقع فيه المحال ولا النادر وذلك بخلاف القصص الموضوعة بالخيال والتكاذيب فإنها لا يحصل بها اعتبار لاستبعاد السامع وقوعها لأن أمثالها لا يُعهد، مثل مبالغات الخرافات وأحاديث الجن والغُول عند العرب وقصة رستم وأسفنديار عند العجم، فالسامع يتلقاها تلقي الفكاهات والخيالات اللذيذة ولا يتهيأ للاعتبار بها إلاّ على سبيل الفرص والاحتمال وذلك لا تحتفظ به النفوس.
وهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى في أول السورة: {نحن نقص عليك أحسن القصص} [يوسف: 3] فكما سماه الله أحسن القصص في أول السورة نفى عنه الافتراء في هذه الآية تعريضًا بالنضر بن الحارث وأضرابه.
والافتراء تقدم في قوله: {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب} في سورة العقود (103).
و{الذي بين يديه}: الكتب الإلهية السابقة.
وضمير بين: {يديه} عائد إلى القرآن الذي من جملته هذه القصص.
والتفصيل: التبيين.
والمراد بـ: {كل شيء} الأشياء الكثيرة مما يرجع إلى الاعتبار بالقصص.
وإطلاق الكل على الكثرة مضى عند قوله تعالى: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} في سورة الأنعام (31).
والهُدى الذي في القصص: العبر الباعثة على الإيمان والتقوى بمشاهدة ما جاء من الأدلة في أثناء القصص على أن المتصرف هو الله تعالى، وعلى أن التقوى هي أساس الخير في الدنيا والآخرة، وكذلك الرحمة فإن في قصص أهل الفضل دلالة على رحمة الله لهم وعنايته بهم، وذلك رحمة للمؤمنين لأنهم باعتبارهم بها يأتون ويذرون، فتصلح أحوالهم ويكونون في اطمئنان بال، وذلك رحمة من الله بهم في حياتهم وسببٌ لرحمته إياهم في الآخرة كما قال تعالى: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97]. اهـ.

.قال الشعراوي:

{لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}
ونلحظ أن هذه الآية جاءت في سورة يوسف؛ أي: إنْ أردتَ قصة يوسف وإخوته؛ ففي السورة كل القصة بمَراميها وأهدافها وعِظَتها، أو المهم في كل قصص الأنبياء.
يقول الحق سبحانه: {وَكُلًا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرسل مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...} [هود: 120]
ونعلم أن معنى القَصَص مأخوذ من قَصِّ الأثر؛ وتتبُّعه بلا زيادة أو نقصان.
ويقول الحق سبحانه هنا: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب...} [يوسف: 111]
وفي أول السورة قال الحق: {... إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف: 43]
ونعرف أن مادة العين والباء والراء تفيد التعدية من جَليّ إلى خَفيّ.
والعِبْرة في هذه القصة قصة يوسف وكذلك قصص القرآن كلها؛ نأخذ منها عِبْرة من الجَليِّ فيها إلى الخَفيِّ الذي نواجهه؛ فلا نفعل الأمور السيئة؛ ونُقدِم على الأمور الطيبة.
وحين نقبل على العمل الطيّب الذي جاء في أيّ قصة قرآنية؛ وحين نبتعد عن العمل السيئ الذي جاء خَبرُه في القصة القرآنية؛ بذلك نكون قد أحسنَّا الفهم عن تلك القصص.
وعلى سبيل المثال: نحن نجد الظالم في القصَص القرآني؛ وفي قصة يوسف تحديدًا؛ وهو ينتكس، فيأخذ الواحد مِنَّا العبرة، ويبني حياته على ألاّ يظلم أحدًا. وحين يرى الإنسان منا المظلومَ وهو ينتصر؛ فهو لا يحزن إنْ تعرَّض لظلم؛ لأنه أخذ العبرة لما ينتصر؛ فهو لا يحزن إن تعرض لظلم؛ لأنه أخذ العبرة لما ينتظره من نصر بإذن الله.
ونحن نقول: عبر النهر أي: انتقل من شاطئ إلى شاطئ. وكذلك قولنا تعبر الرُّؤْيا أي: تؤوّلها؛ لأن الرُّؤْيا تأتي رمزية؛ وتعبرها أي: تشرحها وتنقلها من خفيّ إلى جليّ؛ وإيضاح المطلوب منها. ونَصِفُ الدَّمْعة بأنها عَبْرة؛ والحزن المدفون في النفس البشرية تدل عليه الدَّمْعة.
وهنا قال الحق سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب...} [يوسف: 111] والعِبْرة قد تمرُّ، ولكن لا يلتفت إليها إلا العاقل الذي يُمحِّص الأشياء، أما الذي يمرُّ عليها مُرور الكرام؛ فهو لا يستفيد منها.
و{أولو الألباب} هم أصحاب العقول الراجحة، و: {الألباب} جمع لُبّ. واللب: هو جوهر الشيء المطلوب؛ والقِشْر موجود لصيانة اللُّبِّ، وسُمِّي العقل لُبًّا لأنه ينثرُ القشور بعيدًا، ويعطينا جوهر الأشياء وخيرها.
ويتابع الحق سبحانه: {مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ...} [يوسف: 111] أي: أن ما جاء على لسانك يا محمد وأنزله الحق وَحْيًا عليك ليس حديث كَذبٍ مُتعمَّد؛ بل هو الحق الذي يطابق الكتب التي سبقتْه.
ويُقال: بين يديك أي: سبقك؛ فإذا كنت تسير في طابور؛ فَمَنْ أمامك يُقال له بين يديك، ومَنْ وراءك يُقال له مَنْ خلفك. والقرآن قد جاء ليصدق الكتب التي سبقتْه؛ وليست هي التي تُصدِّق عليه؛ لأنه الكتاب المهيمن، والحق سبحانه هو القائل: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ...} [المائدة: 48]