فصل: الفوائد:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.الفوائد:

1- خلاف حول الباء:
اختلف النحاة والمعربون في الباء من قوله تعالى: {ويسبح الرعد بحمده} فقيل: هي للمصاحبة أو الملابسة أو باء الحال أي يسبحه حامدا له أي ينزهه عما لا يليق به ويثبت له ما يليق به، وضابط هذه الباء أن يغني عنها وعن مصحوبها الحال كما رأيت أو يحسن في موضعها مع وقيل هي للاستعانة أي يسبحه بما حمد به نفسه فيكون الحمد مضافا إلى الفاعل أما في الأولى فهو مضاف إلى المفعول.
ومن العجيب أن ابن خالويه النحوي أعربها في كتابه اعراب ثلاثين سورة من القرآن الكريم عند إعرابه {فسبح بحمد ربك} أعربها زائدة ولا أدري كيف استساغ ذلك ومواضع زيادة الباء معروفة وهي هنا ليست واحدة منها.
سبحانك اللهم وبحمدك:
قال ابن هشام في مغني اللبيب: واختلف في سبحانك اللهم وبحمدك فقيل جملة واحدة، وليس مراد المغني الخلاف في الباء بل في الواو على أن الواو زائدة وقيل جملتان على أنها عاطفة ومتعلق الباء محذوف أي بحمدك سبحتك وقال الخطابي: المعنى وبمعونتك التي هي نعمة توجب علي حمدك سبحتك لا بحولي وقوتي يريد انه مما أقيم فيه المسبّب مقام السبب.
2- قصيدة أبي نواس في وصف الديك:
وعدناك بإثبات أرجوزة أبي نواسس في وصف الديك وبرا بالوعد نتبتها كما رأينا وخلافا لما وردت عليه في الدواوين:
أنعت ديكا من ديوك الهند ** أحسن من طاووس قطر المهدي

أسجع من عادي عرين الأسد ** ترى الدجاج حوله كالجند

يقعين منه خيفة للسّفد ** له سقاع كدويّ الرّعد

منقاره كالمعول المحدّ ** يقهر ما ناقره بالنقد

عيناه منه في القفا والخد ** ذو هامة وعنق كالورد

وجلدة تشبه وشي البرد ** ظاهرها زفّ شديد الوقد

كأنه الهدّاب في الفرند ** مضمّر الخلق عميم القدّ

له اعتدال وأنصاب قد ** محدودب الظهر كريم الجدّ.

.[سورة الرعد: الآيات 15- 18]

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (15) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (16) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (17) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18)}

.اللغة:

{الغدو} جمع غدوة بضم الغين وتجمع أيضا على غدى والغداة بفتح الغين وتجمع على غدوات والغديّة وتجمع على غدايا وغديات: البكرة أو ما بين الفجر وطلوع الشمس.
{الْآصالِ} جمع الأصيل وهو الوقت بين العصر والمغرب ويجمع أيضا على آصال وأصائل وأصل وأصلان.
{احتمل}: أي حمل فافتعل بمعنى المجرد أو هو بمعنى المطاوع كما يفهم من عبارة الأساس: وحملت الشيء وحملنيه غيري فاحتملته وتحملته ومن المجاز حملت إدلاله عليّ واحتملته قال:
أدلّت فلم أحمل وقالت فلم ** أجب لعمر أبيها انني لظلوم

{زَبَدًا}: الزبد وضر الغليان والوضر بفتحتين وبالضاد المعجمة وسخ الدسم ونحوه وعبارة الخازن: الزبد ما يعلو على وجه الماء عند الزيادة كالحبب وكذلك ما يعلو على القدر عند غليانها والمعنى فاحتمل السيل الذي حدث من ذلك الماء زبدا رابيا أي عاليا مرتفعا فوق الماء طافيا عليها، وفي القاموس: الزبد ما يعلو على وجه الماء ونحوه من الرغوة ومن معانيه الخبث ومنه المثل: صرّح المخض عن الزبد يعنون بالزبد رغوة اللبن يضرب للصدق يحصل بعد الخبر المظنون: {جُفاءً} قال ابن الأنباي: الجفاء المتفرق يقال جفأت الريح السحاب أي قطعته ومزقته وقيل الجفاء ما يرمي به السيل يقال جفأت القدر بزبدها تجفأ من باب قطع وجفأ السيل بزبده وأجفأ وأجفل باللام وفي همزة جفاء وجهان أظهرهما أنها أصل لوجودها في تصاريف هذه المادة والثاني أنها بدل من واو وقال في الأساس: ذهب الزبد جفاء أي مدفوعا مرميا به قد جفأه الوادي إلى جنباته ويقال: جفأت القدر بزبدها، ومرّ جفاء من العسكر إلى البيات أي جماعة معتزلة من معظمه وتقول سامه جفاء ونبذه جفاء إذا عزله عن صحبته.
وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ جفالا قال أبو عبيدة يقال: أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته قال أبو حاتم: لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفأر.

.الإعراب:

{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا} الواو استئنافية والجملة مستأنفة ومسوقة لبيان انقياد الخلائق جميعها والكائنات بأسرها للقوة الخالقة المدبرة والتصرف على مشيئته في الحركة والسكون والامتداد والزوال أو الفيء والتقلص وللّه متعلقان بيسجد ومن فاعل يسجد وفي السموات والأرض صلة من وطوعا وكرها نصب على الحال أي طائعين وكارهين أو على المصدرية أي انقياد طوع وانقياد كره. {وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ} الواو عاطفة وظلالهم عطف على من وبالغدو والآصال متعلقان بيسجد. {قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ} قل فعل أمر وفاعله أنت والجملة بعده مقول القول ومن اسم استفهام مبتدأ ورب السموات والأرض خبر وقل فعل أمر واللّه خبر لمبتدأ محذوف أي هو اللّه أو مبتدأ والخبر محذوف أي للّه رب السموات والأرض. {قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا} الهمزة للاستفهام الانكاري التهكمي والفاء عاطفة على محذوف كأن في الكلام تقديرا بين الهمزة والفاء تقديره قل أأقررتم بالجواب المذكور فاتخذتم، وقد تقرر هذا كثيرا، واتخذتم فعل وفاعل ومن دونه حال لأنه كان في الأصل صفة لأولياء وأولياء مفعول به وجملة لا يملكون صفة ولأنفسهم حال أو بالنفع والضر على أنهما مصدر ان ونفعا مفعول به ولا ضرا عطف عليه. {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ} هل حرف استفهام بمعنى النفي أي لا يستويان ويستوي الأعمى فعل مضارع وفاعل وأم حرف عطف وهل تستوي الظلمات والنور عطف على الجملة السابقة ولك أن تجعل أم منقطعة بمعنى بل. {أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ} أم المنقطعة وجعلوا فعل وفاعل وللّه حال لأنه كان صفة لشركاء وشركاء مفعول به أو للّه مفعول به ثان لجعلوا وجملة خلقوا صفة والكاف مع مدخولها نعت لمفعول محذوف أي خلقوا خلقا مثل خلقه والفاء حرف عطف وتشابه الخلق فعل ماض وفاعل وعليهم متعلقان بتشابه. {قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ} اللّه مبتدأ وخالق كل شيء خبر وهو مبتدأ والواحد خبر والقهار خبر ثان. {أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها} الجملة مستأنفة مسوقة لضرب مثل لتقدير ما تقدم وأنزل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو أي اللّه تعالى ومن السماء جار ومجرور متعلقان بأنزل وماء مفعول به والفاء حرف عطف وسالت أودية فعل وفاعل وبقدرها متعلقان بسالت أو بمحذوف صفة لأودية أي بمقدار ما يملؤها وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة. {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ} الفاء عاطفة واحتمل السيل فعل ماض وفاعل وزبدا مفعول احتمل لأنه بمعنى حمل ورابيا صفة لزبدا أي طافيا على وجهه وعاليا عليه، ومما الواو عاطفة لتعطف مثلا آخر على المثل الأول ومما خبر مقدم وجملة يوقدون صلة وعليه متعلقان بيوقدون وفي النار حال وابتغاء حلية مفعول لأجله على الأصح وقيل مصدر بمعنى الحال أي مبتغين حلية وليس ثمة مانع من ذلك وأو حرف عطف ومتاع معطوف على حلية وزبد مبتدأ مؤخر ومثله صفة أي مثل زبد السيل وهو وضره الذي ينفيه كير الحداد. {كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ} كذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك المذكور من الأمور الأربعة مثلين للحق ومثلين للباطل فالأولان الماء والجوهر والآخران الزبد والوضر. ويضرب اللّه الحق فعل مضارع ومفعول به والباطل عطف على الحق. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً} الفاء عاطفة للتفريع وأما حرف شرط وتفصيل والزبد مبتدأ والفاء رابطة وجملة يذهب خبر وجفاء حال. {وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل وما موصول مبتدأ وجملة ينفع الناس صلة والفاء رابطة وجملة يمكث في الأرض خبر. {كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ} تقدم إعرابه. {لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى} اختلفت آراء المعربين في إعراب هذه الآية ونرى أن هنالك وجهين هما أولى نوردهما فالأول:
للذين خبر مقدم وجملة استجابوا صلة ولربهم متعلقان باستجابوا والحسنى مبتدأ مؤخر والثاني: للذين متعلقان بيضرب في الآية السابقة والحسنى صفة لمصدر محذوف أي الاستجابة الحسنى. {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} ويتمشى على هذه الآية الاعرابان المتقدمان فلك أن تجعل الذين مبتدأ فيكون الكلام مستأنفا وخبره لو وما في حيزها، ولك أن تعطفها نسقا على الذين السابقة وجملة لم يستجيبوا صلة وله متعلقان بيستجيبوا ولو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف وقد تقدم، ولهم خبر ان وما اسمها وفي الأرض صلة وجميعا حال ومثله عطف ومعه ظرف متعلق بمحذوف حال أي كائنا معه، لافتدوا اللام واقعة في جواب لو وافتدوا فعل ماض والواو فاعل وبه متعلقان بافتدوا. {أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ} أولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وسوء الحساب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر أولئك ومأواهم مبتدأ وجهنم خبر مأواهم وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمهاد فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي مهادهم أو هي.

.البلاغة:

1- استعارة السجود للانقياد والخضوع وهما من خصائص العقلاء للكائنات العاقلة وغير العاقلة والطوع الناشئ عن اختيار وهو الصادر عن الإنسان والكره الناشئ عن غير اختيار وهو الصادر عن الجماد ومعنى انقياد الظلال مطاوعتها لما يراد منها كطولها وقصرها وامتدادها وتقلصها.
ولأبي حيان كلام لطيف نثبته فيما يلي دفعا للأوهام قال: وكون الظلال يراد بها الأشخاص كما قال بعضهم ضعيف وأضعف منه قول ابن الأنباري: انه تعالى جعل للظلال عقولا تسجد بها وتخشع بها كما جعل للجبال أفهاما حتى خاطبت وخوطبت لأن الجبل لا يمكن أن يكون له عقل بشرط تقدير الحياة وأما الظل فعرض لا يتصور قيام الحياة به.
2- التهكم والفرق بينه وبين الهزل الذي يراد به الجد أن التهكم ظاهره جد وباطنه هزل لمجيئه على سبيل الاستهزاء والسخرية هذا على ما تعارفناه بيننا والهزل الذي يراد به الجد ظاهره هزل وباطنه جد وفي قوله تعالى: {خلقوا كخلقه} في سياق الإنكار تهكم بهم لأن غير اللّه لا يخلق خلقا البتة لا بطريق المشابهة والمساواة ولا بطريق الانحطاط والقصور فقد كان يكفي في الإنكار عليهم أن الشركاء التي اتخذوها لا تخلق مطلقا ولكن جاء قوله تعالى: {كخلقه} تهكما يزيد الإنكار تأكيدا وقد أسلفنا القول في التهكم وأوردنا أبياتا لابن الرومي وغيره فيه ونرى من المفيد أن نتحدث قليلا عن نقيضه وهو الهزل المراد به الجد وهو من يقصد المتكلم مدح شيء أو ذمه فيخرج ذلك المقصود مخرج الهزل المعجب والمجون المطرب وخير مثال عليه قول أبي نصر بن أبي الفتح كشاجم:
صديق لنا من أبدع الناس في البخل ** وأفضلهم فيه وليس بذي فضل

دعاني كما يدعو الصديق صديقه ** فجئت كما يأتي إلى مثله مثلي

فلما جلسنا للطعام رأيته ** يرى أنه من بعض أعضائه كلّيّ

ويغتاظ أحيانا ويشتم عبده ** وأعلم أن الشتم والغيظ من أجلي

فأقبلت أستل الغذاء مخافة ** وألحاظ عينيه رقيب على فعلي

أمدّ يدي سرا لأسرق لقمة ** فيلحظني شزرا فأعبث بالبقل

إلى أن جنت كفي لحتفي جناية ** وذلك أن الجوع أعدمني عقلي

فجرت يدي للحين رجل دجاجة ** فجرت كما جرت يدي رجلها رجلي

وقدم من بعد الطعام حلاوة ** فلم أستطع منها أمر ولا أحلي

وقمت لو اني كنت بيّتّ نية ** ربحت ثواب الصوم من عدم الأكل

3- المثل: تقدم القول في المثل السائر ونقول هنا إن كتاب اللّه الكريم طافح بالأمثال وفي قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب اللّه الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع فيمكث في الأرض} مثلان ضربهما اللّه للحق وأهله والباطل وحزبه فمثّل الحق وأهله بالماء الذي ينزله من السماء فتسيل به أودية الناس فتخصوصب وتخضر وتنبت وتزدهر وينتفعون بأنواع المنافع وبالجواهر التي يصوغون منها الحلي والآلات التي تضفي عليهم القوة والهيبة والجمال والبأس الشديد وإن ذلك كله ماكث في الأرض لا تخلق له جدة ولا تذبل منه نضارة وشبّه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وانسلاخه عن المنافع بزبد السيل الطافي الذي تقحمه العين وينبو عنه البصر لعدم جدواه وبالوضر الذي يطفو فوق الجوهر إذا أذيب وقد انطوت تحت هذا المثل الرائع أنواع من البلاغة نوردها باختصار:
أ- تنكير الأودية لأن المطر لا يأتي إلا على طريق التناوب بين البقاع.
ب- الاحتراس بقوله: {بقدرها} أي بمقدارها الذي عرف اللّه أنه نافع للممطور عليهم غير ضار وإلا فلو طما واستحال سيلا لا جتاح الأخضر واليابس ولأهلك الحرث والنسل.
ج- تعريف السيل لأنه قد فهم من الفعل قبله وهو قوله تعالى: {فسالت} وهو لو ذكر لكان نكرة فلما أعيد أعيد معرفة نحو رأيت رجلا فأكرمت الرجل وهكذا تطرد القاعدة في النكرة إذا أعيدت.
د- مراعاة النظير في ألفاظ الماء والسيل والزبد والربو وفي ألفاظ النار والجوهر والفلزات المعدنية والإيقاد والحلية والمتاع.
هـ- اللف والنشر الموشى في قوله تعالى: {فأما الزبد فيذهب جفاء} إلى آخر الآية.
واعلم أن وجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام المنطرقة أن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبدا رابيا فوقه وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب من الأجسام المنطرقة فان أصله من المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب فإذا أذيبت صار ذلك التراب الذي خالطها خبثا مرتفعا فوقها.