فصل: من فوائد القاسمي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [79].
{فَوَيْلٌ} فإن أضيف، نُصب. نحو: ويلك وويحك وإذا فُصل عن الإضافة، رفع. نحو: ويلٌ له. الويل: الهلاك وشدة العذاب: {لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ} أي: المحرّف، أو ما كتبوه من التأويلات الزائفة: {بِأَيْدِيهِمْ} تأكيد لدفع توهم المجاز. كقولك: كتبته بيميني. وقد يقال في مثل هذا: إن فائدته تصوير الحالة في النفس كما وقعت حتى يكاد السامع لذلك أن يكون مشاهدًا للهيئة: {ثُمَّ يَقُولُونَ} لما كتبوه، كذبًا وبهتانًا: {هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ} أي: يأخذوا لأنفسهم بمقابلته: {ثَمَنًا قَلِيلًا} أي: عرضًا يسيرًا.
ويجوز في الآية معنى آخر؛ أي: فويل للذين يكتبون كتاب التوراة بأيديهم ثم يقولون: هذا من عند الله، فيشهدون بذلك، وكان من مقتضى كتابتهم بأيديهم التي تقفهم من الكتاب على ما لا يقفون عليه، لو كان كتابة غيرهم، ومقتضى قولهم وإقرارهم بأنه من عند الله الوقوف مع عهوده ومواثيقه، إجلالًا لمنزله وموحيه، ودعوى الناس إلى ظواهره وخوافيه، ولكن لم يكن ذلك منهم، بل كان أن حرّفوا كلمه عن مواضعه ليشتروا به ثمنًا قليلًا. وحاصل هذا الوجه إبقاء الكتاب المكتوب على أصله، وصدقهم في قولهم: هذا من عند الله. ثم مخالفتهم لذلك. فيكون قوله تعالى: {لِيَشْتَرُواْ بِهِ} تعليلًا لمحذوف دل عليه السياق. أي: ثم بعد ذلك يحرفونه ثم ليشتروا به، وهو وجه جيد يوافق آية: {يحرفون الكلم عن مواضعه} وربما يشير إلى هذا الوجه قول مجاهد فيما رواه ابن جرير: هؤلاء الذين عرفوا أنه من عند الله يحرفونه: {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} أي: فشدة العذاب لهم مما غيرت أيديهم: {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} يصيبون من الحرام والسحت.
قال الراغب: إن قيل: لِمَ ذكر: {يكسبون} بلفظ المستقبل و: {كتبت} بلفظ الماضي؟ قيل: تنبيهًا على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
فنبه بالآية أن ما أضّلوه وأثبتوه من التأويلات الفاسدة، التي يعتمدها الجهلة، هو اكتساب وزر يكتسبونه حالًا فحالًا. وإن قيل: لم ذكر الكتابة دون القول.
قيل: لمّا كانت الكتابة متضمنة للقول وزائدة عليه؛ إذ هو كذب باللسان واليد، صار أبلغ؛ لأن كلام اليد يبقى رسمه والقول يضمحل أثره.
إن قيل: ما الذي كانوا يكتبونه؟ قيل: روي عن بعض السلف أن رؤساء اليهود كانوا يغيرون من التوراة نعت النبي صلى الله عليه وسلم. ثم يقولون هذا من عند الله. وهذا فصل يحتاج إلى فضل شرح. وهو أنه يجب أن يتصور أن كل نبيّ أتى بوصف لنبيّ بعده، فإنه أتى بلفظة معرّضة وإشارة مدرجة، لا يعرفها إلا الراسخون في العلم. وقد قال العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بإشارات، ولو كان ذلك متجليًا للعوامّ لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضًا بنقله من لسان إلى لسان؛ من العبرانيّ إلى السريانيّ إلى العربيّ، وقد ذكر المحصلة ألفاظاَ من التوراة والإنجيل، إذا اعتبرت وجدت دالة على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم بتعريض، هو عند الراسخين في العلم جليّ، وعند العامة خفيّ. فبان بهذه الجملة أن ما كتبت أيديهم كانت تأويلات محرّفة، وقد نبه الله تعالى بالآية على التحذير من تغيير أحكامه، وتبديل آياته، وكتمان الحق عن أهله، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طمعًا في عرض الدنيا، وقد تقدم أنه عنى بالثمن القليل، أعراض الدنيا وإن كثرت؛ لقوله تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} [النساء: 77]. إلى هنا كلام الراغب رحمه الله. اهـ.

.من فوائد ابن عاشور في الآية:

قال رحمه الله:
{فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا}.
الفاء للترتيب والتسبب فيكون ما بعدها مترتبًا على ما قبلها والظاهر أن ما بعدها مترتب على قوله: {وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون} [البقرة: 75] الدال على وقوع تحريف منهم عن عمد فرُتب عليه الإخبار باستحقاقهم سوء الحالة، أو رتب عليه إنشاء استفظاع حالهم، وأعيد في خلال ذلك ما أجمل في الكلام المعطوف عليه إعادة تفصيل.
ومعنى: {يكتبون الكتاب بأيديهم} أنهم يكتبون شيئًا لم يأتهم من رسلهم بل يضعونه ويبتكرونه كما دل عليه قوله: {ثم يقولون هذا من عند الله} المشعر بأن ذلك قولهم: بأفواههم ليس مطابقًا لما في نفس الأمر.
وثم للترتيب الرتبي لأن هذا القول أدخل في استحقاقهم الويل من كتابة الكتاب بأيديهم إذ هو المقصود.
وليس هذا القول متراخيًا عن كتابتهم ما كتبوه في الزمان بل هما متقارنان.
والويل لفظ دال على الشر أو الهلاك ولم يسمع له فعل من لفظه فلذلك قيل هو اسم مصدر، وقال ابن جني: هو مصدر امتنع العرب من استعمال فعله لأنه لو صُرِّف لوجوب اعتلال فائه وعينه بأن يجتمع فيه إعلالان أي فيكون ثقيلًا، والويلة: البلية.
وهي مؤنث الويل قال تعالى: {قالوا يا ويلتنا} [الكهف: 49] وقال امرئ القيس:
فقالت لك الويلات إنَّك مُرْجِلِي

ويستعمل الويل بدون حرف نداء كما في الآية ويستعمل بحرف النداء كقوله تعالى: {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} [الأنبياء: 14] كما يقال يا حسرتا.
فأما موقعه من الإعراب فإنه إذا لم يضف أُعْرِب إعرابَ الأسماء المبتدإِ بها وأُخْبر عنه بلام الجر كما في هذه الآية وقوله: {ويل للمطففين} [المطففين: 1] قال الجوهري: وينصب فيقال: ويلًا لزيد وجعل سيبويه ذلك قبيحًا وأوجب إذا ابتدئ به أن يكون مرفوعًا، وأما إذا أضيف فإنه يضاف إلى الضمير غالبًا كقوله تعالى: {ويْلَكم ثوابُ الله خير لمن آمن} [القصص: 80] وقوله: {وَيْلك آمِن} [الأحقاف: 17] فيكون منصوبًا وقد يضاف إلى الاسم الظاهر فيعرب إعراب غير المضاف كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: «وَيْلُ أمِّه مِسْعَرَ حَرْبٍ».
ولما أشبه في إعرابه المصادر الآتية بدلًا من أفعالها نصبًا ورفعًا مثل: حمدًا لله وصبرٌ جميل كما تقدم عند قوله تعالى: {الحمدُ لله} [الفاتحة: 2] قال أكثر أئمة العربية: إنه مصدر أُميتَ فعله، ومنهم من زعم أنه اسم وجعل نصبَهَ في حالة الإضافة نصبًا على النداء بحذف حرف النداء لكثرة الاستعمال فأصل وَيلَه يا ويله بدليل ظهور حرف النداء معه في كلامهم.
وربما جعلوه كالمندوب فقالوا: ويْلاَه وقد أعربه الزجاج كذلك في سورة طه.
ومنهم من زعم أنه إذا نصب فعلى تقدير فعل، قال الزجاج في قوله تعالى: {ويْلَكم لا تفتروا على الله كذبًا} [طه: 61] في طه يجوز أن يكون التقدير ألزمكم الله ويلًا.
وقال الفراء إن ويل كلمة مركبة من وَيْ بمعنى الحُزن ومن مجرورٍ باللام المكسورة فلما كثر استعمال اللام مع وَيْ صيروهما حرفًا واحدًا فاختاروا فتح اللام كما قالوا يَالَ ضَبَّةَ ففتحوا اللام وهي في الأصل مكسورة.
وهو يستعمل دعاء وتعجبًا وزجرًا مثل قولهم: لا أب لك، وثكلتك أمك.
ومعنى: {فويل للذين يكتبون الكتاب} دعاء مستعمل في إنشاء الغضب والزجر، قال سيبويه: لا ينبغي أن يقال: {ويل للمطففين} دعاء لأنه قبيح في اللفظ ولكن العباد كُلموا بكلامهم وجاء القرآن على لغتهم على مقدار فهمهم أي هؤلاء ممن وجب هذا القول لهم.
وقد جاء على مثال ويل ألفاظ وهي وَيْح ووَيْس ووَيْب ووَيْه ووَيْكَ.
وذكر {بأيديهم} تأكيد مثل نَظَرْتُه بعيني ومثل: {يقولون بأفواههم} [آل عمران: 167] وقوله: {ولا طائر يطير بجناحيه} [الأنعام: 38] والقصد منه تحقيق وقوع الكتابة ورفع المجاز عنها وأنهم في ذلك عامدون قاصدون.
وقوله: {ليشتروا به ثمنًا قليلًا} هو كقوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا} [البقرة: 41] والثمن المقصود هنا هو إرضاء العامة بأن غيّروا لهم أحكام الدين على ما يوافق أهواءهم أو انتحال العلم لأنفسهم مع أنهم جاهلون فوضعوا كتبًا تافهة من القصص والمعلومات البسيطة ليتفيهقوا بها في المجامع لأنهم لما لم تصل عقولهم إلى العلم الصحيح وكانوا قد طمعوا في التصدر والرئاسة الكاذبة لفقوا نتفًا سطحية وجمعوا موضوعات وفراغات لا تثبت على محك العلم الصحيح ثم أشاعوها ونسبوها إلى الله ودينه وهذه شنشنة الجهلة المتطلعين إلى الرئاسة عن غير أهلية ليظهروا في صور العلماء لدى أنظار العامة ومن لا يميز بين الشحم والورم.
وقوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون} تفصيل لجنس الويل إلى ويلين وهما ما يحصل لهم من الشر لأجل ما وضعوه وما يحصل لهم لأجل ما اكتسبوه من جراء ذلك فهو جزاء بالشر على الوسيلة وعلى المقصد، وليس في الآية ثلاث وَيْلات كما قد توهم ذلك.
وكأن هذه الآية تشير إلى ما كان في بني إسرائيل من تلاشي التوراة بعد تخريب بيت المقدس في زمن بختنصر ثم في زمن طيطس القائد الروماني وذلك أن التوراة التي كتبها موسى عليه السلام قد أمر بوضعها في تابوت العهد حسبما ذلك مذكور في سفر التثنية وكان هذا التابوت قد وضعه موسى في خيمة الاجتماع ثم وضعه سليمان في الهيكل فلما غزاهم بختنصر سنة 588 قبل المسيح أحرق الهيكل والمدينة كلها بالنار وأخذ معظم اليهود فباعهم عبيدًا في بلده وترك فئة قليلة بأورشليم قصرهم على الغراسة والزراعة ثم ثاروا على بختنصر وقتلوا نائبه وهربوا إلى مصر ومعهم أرميا فخربت مملكة اليهود.
ومن المعلوم أنهم لم يكونوا يومئذ يستطيعون إنقاذ التوراة وهم لم يكونوا من حفظتها لأن شريعتهم جعلت التوراة أمانة بأيدي اللاويين كما تضمنه سفر التثنية وأمر موسى القوم بنشر التوراة لهم بعد كل سبع سنين تمضي وقال موسى ضعوا هذا الكتاب عند تابوت العهد ليكون هناك شاهدًا عليكم لأني أعرف تمردكم وقد صرتم تقاومون ربكم وأنا حي فأحرى أن تفعلوا ذلك بعد موتي ولا يخفى أن اليهود قد نبذوا الديانة غير مرة وعبدوا الأصنام في عهد رحبعام بن سليمان ملك يهوذا وفي عهد يوربعام غلام سليمان ملك إسرائيل قبل تخريب بيت المقدس وذلك مؤذن بتناسي الدين ثم طرأ عليه التخريب المشهور ثم أعقبه التخريب الروماني في زمن طيطس سنة 40 للمسيح ثم في زمن أدريان الذي تم على يده تخريب بلد أورشليم بحيث صيرها مزرعة وتفرق من أبقاه السيف من اليهود في جهات العالم.
ولهذا اتفق المحققون من العلماء الباحثين عن تاريخ الدين على أن التوراة قد دخلها التحريف والزيادة والتلاشي وأنهم لما جمعوا أمرهم عقب بعض مصائبهم الكبرى افتقدوا التوراة فأرادوا أن يجمعوها من متفرق أوراقهم وبقايا مكاتبهم.
وقد قال: لنجرك أحد اللاهوتيين من علماء الإفرنج إن سفر التثنية كتبه يهودي كان مقيمًا بمصر في عهد الملك يوشيا ملك اليهود وقال غيره: إن الكتب الخمسة التي هي مجموع التوراة قد دخل فيها تحريف كثير من علم صموئيل أو عزير عزرا.
ويذكر علماؤنا أن اليهود إنما قالوا عزير ابن الله لأنه ادعى أنه ظفر بالتوراة.
وكل ذلك يدل على أن التوراة قد تلاشت وتمزقت والموجود في سفر الملوك الثاني من كتبهم في الإصحاح الحادي والعشرين أنهم بينما كانوا بصدد ترميم بيت المقدس في زمن يوشيا ملك يهوذا ادعى حلقيا الكاهن أنه وجد سفر الشريعة في بيت الرب وسلمه الكاهن لكاتب الملك فلما قرأه الكاتب على الملك مزق ثيابه وتاب من ارتداده عن الشريعة وأمر الكهنة بإقامة كلام الشريعة المكتوب في السفر الذي وجده حلقيا الكاهن في بيت الرب. اهـ.
فهذا دليل قوي على أن التوراة كانت مجهولة عندهم منذ زمان. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79)} سورة البقرة.
هذه الآية الكريمة جاءت في القسم الثاني من اليهود وهو المقابل للأميين.. وهم إما أميون لا يعلمون الكتاب.. وإما يعلمون ولكنهم يغيرون فيه ويكتبونه بأيديهم ويقولون هذا من عند الله. ولذلك توعدهم الله تبارك وتعالى فقال: ويل لهم، وبدأ الآية بالوعيد بالجزاء مباشرة. نلاحظ أن كلمة ويل في اللغة تستعمل معها كلمتي ويح وويس.. وكلها تعني الهلاك والعذاب.. وتستعمل للتحسر على غفلة الإنسان عن العذاب.. واقرأ قوله تعالى: {يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} من الآية 49 سورة الكهف.
وقوله جل جلاله: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا} من الآية 97 سورة الأنبياء.
هذه الويلات تعني الحسرة وقت رؤية العذاب.. وقيل إن الويل وادٍ في جهنم يهوي الإنسان فيه أربعين خريفا والعياذ بالله.. والحق تبارك وتعالى ينذر الذين يكتبون الكتاب بأيديهم أن عذابهم يوم القيامة سيكون مضاعفا.. لأن كل من ارتكب إثما نتيجة لتزييفهم للكتاب سيكونون شركاء وسيحملون عذابهم معهم يوم القيامة، وسيكون عذابهم مضاعفا أضعافا كثيرة. يقول الحق سبحانه وتعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}.. ألم يكن يكفي أن يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى مفهوما.. يكتبون الكتاب بماذا؟ بأيديهم.. نقول لا.. لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد يتم بالفعل.. رئيس الدولة مثلا يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتابا بكذا فلماذا لم تنفذه؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره، ورؤساء الدولة نادرا ما يكتبون كتبا بأيديهم.
إن الله سبحانه وتعالى يريد هنا أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم.. فهم لا يكتفون مثلا بأن يقولوا لغيرهم اكتبوا.. ولكن لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماما.. فليس المسألة نزوة عابرة.. ولكنها مع سبق الإصرار والترصد.. وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمنا قليلا، هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية.. يحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان. ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا اختلفوا في شيء.. ذهبوا إلي الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم.. لماذا؟ لأن الناس حين يختلفون يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين.. يعني لا أنهزم أمامه ولا ينهزم أمامي.. وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان.. فإذا كنا سنلجأ إلي تشريع السماء ليحكم بيننا.. لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ومنتصر.. ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم الله يكون كل منا راضيا بنتيجة هذا الحكم.
ولكن رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة.. كل منهم حسب مصلحته وهواه.. ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا المتشابهة.. لأنه لم يعد الحكم بالعدل.. بل أصبح الحكم خاضعا لأهواء ومصالح وقضايا البشر.. وحين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله.. إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان يأخذه بلا مناقشة.. وبذلك يكونون هم المشرعين باسم الله، ويكتبون ما يريدون ويسجلونه كتابه، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان والأحبار، بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة.
ولكن لماذا يكتب هؤلاء الناس الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله؟!.. الحق سبحانه وتعالى يقول: {ليشتروا به ثمنا قليلا}.. وقد قلنا إن الإنسان لا يشتري الثمن.. ولكن يدفع الثمن ويشتري السلعة.. ولكنك هنا تدفع لتأخذ ثمنا.. تدفع من منهج الله وحكم الله فتغيره وتبدله لتأخذ ثمنا موقوتا.. والله سبحانه وتعالى يعطيك في الآخرة ولكنك تبيعه بالقليل وكل ثمن مهما بلغ تأخذه مقابل منهج الله يعتبر ثمنا قليلا. والحق سبحانه وتعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم}.. الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}.. ثم جاء قوله تعالى: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون}.. فساعة الكتابة لها ويل وعذاب.. وساعة بيع الصفقة لها ويل وعذاب.. والذي يكسبونه هو ويل وعذاب.
لقد انتشرت هذه المسألة في كتابة صكوك الغفران التي كانت تباع في الكنائس لمن يدفع اكثر. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وويل لهم ما مما يكسبون}.. وكلمة كسب تدل على عمل من أعمال جوارحك يجلب لك خيرا أو نفعا وهناك كسب وهناك اكتسب.. كسب تأتي بالشيء النافع، واكتسب تأتي بالشيء الضار.. ولكن في هذه الآية الكريمة الحق سبحانه وتعالى قال: {وويل لهم مما يكسبون}.. وفي آية ثانية قال: {بلى من كسب سيئة}. فلماذا تم هذا الاستخدام؟ نقول إن هذا ليس كسبا طبيعيا، إنما هو افتعال في الكسب.. أي اكتساب.. ولابد أن نفهم إنه بالنسبة لجوارح الإنسان.. فإن هناك القول والفعل والعمل.. بعض الناس يعتقد إن هناك القول والعمل.. نقول لا.. هناك قول هو عمل اللسان.. وفعل هو عمل الجوارح الأخرى غير اللسان.. وعمل وهو أن يوافق القول الفعل.. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)} سورة الصف.
إذن هناك قول وفعل وعمل.. والإنسان إذا استخدم جوارحه استخداما سليما بفعل ما هو صالح له.. فإذا انتقل إلي ما هو صالح إلي ما يغضب الله فإن جوارحه لا تفعل ولكنها تفتعل.. تتصادم ملكاتها بعضها مع بعض والإنسان وهو يفتح الخزانة ليأخذ من ماله يكون مطمئنا لا يخاف شيئا والإنسان حين يفتح خزانة غيره يكون مضطربا وتصرفاته كلها افتعال.. والإنسان مع زوجته منسجم في هيئة طبيعية، بعكس ما يكون في وضع مخالف.. إنها حالة افتعال.. وكل من يكسب شيئا حراما افتعله.. ولذلك يقال عنه اكتسب.. إلا إذا تمرس وأصبح الحرام لا يهزه، أو ممن نقول عنهم معتادو الإجرام.. في هذه الحالة يفعل الشيء بلا افتعال لأنه اعتاد عليه.. هؤلاء الذين وصلوا إلي الحد الذي يكتبون فيه بأيديهم ويقولون من عند الله.. أصبح الإثم لا يهزهم، ولذلك توعدهم الله بالعذاب مرتين في آية واحدة. اهـ.