فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والثاني أن يزيده في عمره زيادة حقيقية والله يفعل ما يشاء عن جبير بن مطعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة قاطع» في رواية سفيان يعني «قاطع رحم» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «ليس الواصل بالمكافئ الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها» عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فان صلة الرحم محبة في الأهل ومثراة في المال ومنسأة في الأثر» أخرجه الترمذي.
وقوله تعالى: {ويخشون ربهم} يعني أنهم مع وفائهم بعهد الله وميثاقه والقيام بما أمر الله به من صلة الرحم يخشون ربهم، والخشية خوف يشوبه تعظيم وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه: {ويخافون سوء الحساب} تقدم معناه.
{والذين صبروا} يعني على طاعة الله وقال ابن عباس: على أمر الله.
وقال عطاء: على المصائب والنوائب.
وقيل: صبروا عن الشهوات وعن المعاصي وقيل: حمله على العموم أولى فيدخل فيه الصبر على جميع النوائب والمأمورات من سائر العبادات والطاعات، وجميع أعمال البر وترك جميع المنهيات فيدخل فيه ترك جميع المعاصي من الحسد والحقد والغيبة، وغير ذلك من المنهيات، ويدخل فيه الصبر عن المباحات مثل جميع الشهوات والصبر على ما نزل به من الأمراض والمصائب، وأصل الصبر حبس النفس عما يقتضيه العقل أو الشرع أو عما يقتضيان حبسها عنه فالصبر لفظ عام يدخل تحته جميع ما ذكر، وإنما قيد الصبر بقوله: {ابتغاء وجه ربهم} لأن الصبر ينقسم إلى نوعين: الأول الصبر المذموم وهو أن الإنسان قد يصبر ليقال ما أكمل صبره وأشد قوته على ما تحمل من النوازل وقد يصبر لئلا يعاب على الجزع، وقد يصبر لئلا تشمت به الأعداء، وكل هذه الأمور وإن كان ظاهرها الصبر فليس ذلك داخلًا تحت قوله: {ابتغاء وجه ربهم} لأنه لغير الله تعالى.
النوع الثاني: الصبر المحمود وهو أن يكون الإنسان صابرًا لله تعالى راضيًا بما نزل به من الله طالبًا في ذلك الصبر ثواب الله محتسبًا أجره على الله فهذا هو الصبر الداخل تحت قوله ابتغاء وجه ربهم يعني صبروا على ما نزل بهم تعظيمًا لله وطلب رضوانه: {وأقاموا الصلاة} يعني الصلاة المفروضة.
وقيل: حمله على العموم أولى فيدخل صلاة الفرض والنقل والمراد بإقامتها إتمام أركانها وهيئآتها: {وأنفقوا مما رزقناهم سرًا وعلانية} قال الحسن: المراد به الزكاة المفروضة فإن لم يتهم بترك أداء الزكاة فالأولى أن يؤديها سرًا، وإن كان متهمًا بترك أداء الزكاة فالأولى أن يؤديها علانية.
قيل: إن المراد بالسر ما يخرج من الزكاة بنفسه والمراد بالعلانية ما يؤديه إلى الإمام.
وقيل: المراد بالسر صدقة التطوع والمراد بالعلانية الزكاة الواجبة وحمله على العموم أولى: {ويدرؤون بالحسنة السيئة} قال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح العمل السيء، وهو معنى قوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} ويدل على صحة هذا التأويل ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها السر بالسر والعلانية بالعلانية» وروى البغوي بسنده عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «إن مثل الذي يعمل السيئات ثم يعمل الحسنات كمثل رجل عليه درع ضيقة قد خنقته ثم عمل حسنة فانفكت حلقة ثم عمل أخرى فانفكت أخرى حتى خرج إلى الأرض» وقال ابن كيسان: يدفعون الذنب بالتوبة وقيل: لايكافئون الشر بالشر ولكن يدفعون الشر بالخير وقال القتيبي معناه إذا سفه عليهم حلموا والسفه السيئة والحلم الحسنة، وقال قتادة: ردوا عليهم ردًا معروفًا.
وقال الحسن: إذا حرموا أعطوا وإذا ظلموا عفوا وإذا قطعوا وصلوا.
قال عبد الله بن المبارك: هذه ثمان خلال مشيرة إلى أبواب الجنة الثمانية قلت إنما هي تسع خلال فيحتمل أنه عد خلتين بواحدة ولما ذكر الله هذه الخلال من أعمال البر، ذكر بعدها ما أعد للعاملين بها من الثواب فقال تعالى: {أولئك} يعني من أتى بهذه الأعمال: {لهم عقبى الدار} يعني الجنة والمعنى إن عاقبتهم دار الثواب: {جنَّات عدن} بدل من عقبى الدار يعني بساتين إقامة يقال عدن بالمكان إذا أقام به: {يدخلونها} يعني الدار التي تقدم وصفها: {ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} يعني ومن صدق من آبائهم بما صدقوا به، وإن لم يعمل بأعمالهم قاله ابن عباس.
وقال الزجاج: إن الإنسان لا ينتفع بغير أعماله الصالحة فعلى قول ابن عباس: معنى صلح صدق وآمن ووحد، وعلى قول الزجاج معناه أصلح في عمله قال الواحدي والصحيح: ما قاله ابن عباس لأن الله تعالى جعل ثواب المطيع سروره بما يراه في أهله حيث بشره بدخوله الجنة مع هؤلاء، فدل على أنهم يدخلونها كرامة للمطيع العامل الآتي بالأعمال الصالحة، ولو كان دخولهم الجنة بأعمالهم الصالحة، لم يكن في ذلك كرامة للمطيع ولا فائدة في الوعد به إذ كل من كان صالحًا في عمله، فهو يدخل الجنة.
قال الإمام فخر الدين الرازي: قوله تعالى: {وأزواجهم} ليس فيه ما يدل على التمييز بين زوجة وزوجة، ولعل الأولى من مات عنها أو ماتت عنه وروي أنه لما كبرت سودة أراد النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها فسألته أن لا يفعل، ووهبت يومها لعائشة فأمسكها رجاء أن تحشر في جملة أزواجه فهو كالدليل على ما ذكرناه.
وقوله تعالى: {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب} يعني من أبواب الجنة.
وقيل من أبواب القصور، قال ابن عباس: يريد به التحية من الله والتحف والهدايا: {سلام عليكم} يعني يقولون: سلام عليكم فأضمر القول هاهنا لدلالة الكلام عليه: {بما صبرتم} يعني يقولون لهم: سلمكم الله من الآفات التي كنتم تخافونها في الدنيا وأدخلكم بما صبرتم في دار الدنيا على الطاعات، وترك المحرمات الجنة وقيل: إن السلام قول والصبر فعل ولا يكون القول ثوابًا للفعل، فعلى هذا يكون قوله: {سلام عليكم} دعاء من الملائكة لهم يعني سلمكم الله بما صبرتم.
قال مقاتل: إن الملائكة يدخلون عليهم في مقدار كل يوم من أيام الدنيا ثلاث مرات معهم الهدايا والتحف من الله تعالى.
يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، وروى البغوي بسنده عن أبي أمامة موقوفًا عليه قال: «إن المؤمن ليكون متكئًا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين باب مبوب فيقبل الملك من ملائكة الله يستأذن فيقوم أدنى الخدم إلى الباب فإذا بالملك يستأذن فيقول: للذي يليه ملك يستأذن ويقول الآخر: كذلك حتى يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا له فيقول أقربهم إلى المؤمن ائذنوا له ويقول الذي يليه ائذنوا له وكذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له، فيدخل فيسلم ثم ينصرف»: {فنعم عقبى الدار} يعني فنعم العقبى عقبى الدار. وقيل: معناه فنعم عقبى الدار ما أنتم فيه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}
قال ابن عباس: نزلت {أفمن يعلم} في حمزة وأبي جهل.
وقيل: في عمر بن الخطاب وأبي جهل.
وقيل: في عمار بن ياسر وأبي جهل.
قرأ زيد بن علي: {أو من} بالواو بدل الفاء، إنما أنزل مبنيًا للفاعل.
ولما ذكر تعالى مثل المؤمن والكافر، وذكر ما للمؤمن من الثواب، وما للكافر من العقاب، ذكر استبعاد من يجعلها سواء وأنكر ذلك فقال: {أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى} أي: ليسا مشتبهين، لأنّ العالم بالشيء بصير به، والجاهل به كالأعمى، والمراد أعمى البصيرة ولذلك قابله بالعلم.
والهمزة للاستفهام المراد به: إنكار أن تقع شبهة بعدما ضرب من المثل في أن حال من علم إنما أنزل إليك من ربك الحق فاستجاب، بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب، كبعد ما بين الزبد والماء، والخبث والإبريز.
ثم ذكر أنه لا يتذكر بالموعظة، وضرب الأمثال إلا أصحاب العقول.
والفاء للعطف، وقدمت همزة الاستفهام لأنه صدر الكلام والتقدير: فأمن يعلم، ويبعدها أن يكون فعل محذوف بين الهمزة والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك الفعل، كما قدره الزمخشري في قوله: {أفلم يسيروا} وقوله: {أفلا يعقلون} وجوزوا في {الذين} أنْ يكون بدلًا من {أولو}، أو صفة له، وصفة لمن من قوله: {أفمن يعلم} و{إنما يتذكر} اعتراض، ومبتدأ خبره {أولئك لهم عقبى الدار} كقوله: {والذين ينقضون عهد الله} ثم قال: {أولئك لهم اللعنة} والظاهر عموم العهد.
وقيل: هو خاص، فقال السدي: ما عهد إليهم في القرآن.
وقال قتادة: في الأزل، وهو قوله: {ألست بربكم قالوا بلى} وقال القفال: ما في حيلتهم وعقولهم من دلائل التوحيد والنبوات.
وقيل: في الكتب المتقدمة والقرآن.
وقيل: المأخوذ على ألسنة الرسل.
وقيل: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والظاهر إضافة العهد إلى الفاعل أي: بما عهد الله.
والظاهر أن قوله: {ولا ينقضون الميثاق}، جملة توكيدية لقوله: {يوفون بعهد الله}، لأن العهد هو الميثاق، ويلزم من إيفاء العهد انتفاء نقيضه.
وقال الزمخشري: وعهد الله ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
{ولا ينقضون الميثاق} ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله تعالى، وغيره من المواثيق بينهم وبين الله تعالى وبين العباد تعميم بعد تخصيص انتهى.
فأضاف العهد إلى المفعول، وغاير بين الجملتين بكون الثانية تعميمًا بعد تخصيص انتهى.
إذ أخذ الميثاق عام بينهم وبين الله وبين العباد.
وقال ابن عطية: بعهد الله اسم الجنس أي: بجميع عهود الله، وبين أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده.
ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض، وتجنب جميع المعاصي.
وقوله: {ولا ينقضون الميثاق} أي: إذا اعتقدوا في طاعة الله عهدًا لم ينقضوه.
قال قتادة: وتقدم وعيد الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية، ويحتمل أنه يشير إلى ميثاق معين وهو الذي أخذه تعالى على ظهر أبيهم آدم عليه السلام. انتهى.
وقال ابن العربي: من أعظم المواثيق في الذكر أن لا يسأل سواه، وذكر قصة أبي حمزة الخراساني وقوعه في البئر، ومرور الناس عليه، وتغطيتهم البئر وهو لا يسألهم أن يخرجوه، إلى أن جاء من أخرجه بغير سؤال، ولم ير من أخرجه، وهتف به هاتف: كيف رأيت ثمرة التوكل؟ قال ابن العربي: هذا رجل عاهد الله فوجد الوفاء على التمام، فاقتدوا به.
وقد أنكر أبو الفرج بن الجوزي فعل أبي حمزة هذا وبين خطأه، وأن التوكل لا ينافي الاستغاثة في تلك الحال.
وذكر أنّ سفيان الثوري وغيره قالوا: إن إنسانًا لو جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار.
ولا ينكر أن يكون الله تعالى لطف بأبي حمزة الجاهل.
وما أمر الله به أن يوصل ظاهره العموم في كل ما أمر به في كتابه وعلى لسان نبيه-صلى الله عليه وسلم-.
وقال الحسن: المراد به صلة الرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان به، وقال نحوه ابن جبير.
وقال قتادة: الرحم.
وقيل: صلة الإيمان بالعمل.
وقيل: صلة قرابة الإسلام بإفشاء السلام، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، ومراعاة حق الجيران، والرفقاء، والأصحاب، والخدم.
وقيل: نصرة المؤمنين.
وأمر يتعدى إلى اثنين بحرف جر وهو به، والأول محذوف تقديره: ما أمرهم الله به.
وأن يوصل في موضع جر بدل من الضمير أي: بوصله.
ويخشون ربهم أي: وعيده كله.
ويخافون سوء الحساب أي: استقصاءه فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا.
وقيل: يخشون ربهم يعظمونه.
وقيل: في قطع الرحم.
وقيل: في جميع المعاصي.
وقيل: فيما أمرهم بوصله.
وصبروا مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال، وميثاق التكليف.
وجاءت الصلة هنا بلفظ الماضي، وفي الموصلين قبل بلفظ المضارع في قوله: {الذين يوفون}، والذين يصلون، وما عطف عليهما على سبيل التفنن في الفصاحة، لأنّ المبتدأ هنا في معنى اسم الشرط بالماضي كالمضارع في اسم الشرط، فكذلك فيما أشبهه، ولذلك قال النحويون: إذا وقع الماضي صلة أو صفة لنكرة عامة احتمل أن يراد به المضي، وأن يراد به الاستقبال.