فصل: قال ابن جزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



روى أنهم يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر ثم يقولون {سواء علينا أجزعنا أم صبرنا} واتصاله بما قبله من حيث إن عتابهم لهم كان جزعًا مما هم فيه فقالوا لهم: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا يريدون أنفسهم وإياهم لاجتماعهم في عقاب الضلالة التي كانوا مجتمعين فيها يقولون: ما هذا الجزع والتوبيخ ولا فائدة في الجزع كما لا فائدة في الصبر {مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} منجى ومهرب جزعنا أم صبرنا، ويجوز أن يكون هذا من كلام الضعفاء والمستكبرين جميعًا.
{وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر} حكم بالجنة والنار لأهليهما وفرغ من الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ورُوي أن الشيطان يقوم عند ذلك خطيبًا.
على منبر من نار فيقول لأهل النار {إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق} وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى لكم بما وعدكم {وَوَعَدتُّكُمْ} بأن لا بعث ولا حساب ولا جزاء {فَأَخْلَفْتُكُمْ} كذبتكم {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان} من تسلط واقتدار {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني والاستثناء منقطع لأن الدعاء ليس من جنس السلطان {فاستجبتم} فأسرعتم إجابتي {فَلاَ تَلُومُونِي} لأن من تجرد للعداوة لا يلام إذا دعا إلى أمر قبيح مع أن الرحمن قد قال لكم: {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة} [الأعراف: 27] {وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ} حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان وقول المعتزلة هذا دليل على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة أو السعادة ويحصلها لنفسه وليس من الله إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين باطل لقوله: {لو هدانا الله} أي إلى الإيمان {لهديناكم} [إبراهيم: 21] كما مر {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} لا ينجي بعضنا بعضًا من عذاب الله ولا يغيثه.
والإصراخ الإغاثة {بمصرخيِّ} حمزة اتباعًا للخاء غيره بفتح الياء لئلا تجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين وهو جمع مصرخ فالياء الأولى يا الجمع والثانية ضمير المتكلم {إِنّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ} وبالياء بصري و{ما} مصدرية {مِن قَبْلُ} متعلق ب {أشركتموني} أي كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم أي في الدنيا كقوله: {ويوم القيامة يكفرون بشرككم} [فاطر: 14] ومعنى كفره بإشراكهم إياه تبرؤه منه واستنكاره له كقوله: {أَنَاْ بَرَاء مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ} [الممتحنة: 4] أو من قبل متعلق {بكفرت} و{ما} موصولة أي كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله عز وجل.
تقول: أشركني فلان أي جعلني له شريكًا، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة الأوثان وهذا آخر قول الشيطان وقوله: {إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} قول الله عز وجل.
وقيل: هو من تمام إبليس وإنما حكى الله عز وجل ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفًا للسامعين.
{وَأُدْخِلَ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا} عطف على {برزوا} {بِإِذْنِ رَبّهِمْ} متعلق ب {أدخل} أي أدخلتهم الملائكة الجنة بإذن الله وأمره {تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام} هو تسليم بعضهم على بعض في الجنة أو تسليم الملائكة عليهم {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلًا} أي وصفه وبينه {كَلِمَةً طَيّبَةً} نصب بمضمر أي جعل كلمة طيبة {كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ} وهو تفسير لقوله: {ضرب الله مثلًا} نحو شرف الأمير زيدًا كساه حلة وحمله على فرس، أو انتصب {مثلا} و{كلمة} ب {ضرب} أي ضرب كلمة طيبة مثلًا يعني جعلها مثلًا ثم قال: {كشجرة طيبة} على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة طيبة {أَصْلُهَا ثَابِتٌ} أي في الأرض ضارب بعروقه فيها {وَفَرْعُهَا} وأعلاها ورأسها {فِي السماء} والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أصلها تصديق بالجنان، وفرعها إقرار باللسان، وأكلها عمل الأركان، وكما أن الشجرة شجرة وإن لم تكن حاملًا فالمؤمن مؤمن وإن لم يكن عاملًا ولكن الأشجار لا تراد إلا للثمار فما أقوات النار إلا من الأشجار إذا اعتادت الإخفار في عهد الأثمار.
والشجرة كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين ونحو ذلك والجمهور على أنها النخلة، فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: «إن الله تعالى ضرب مثل المؤمن شجرة فأخبروني ما هي؟» فوقع الناس في شجر البوادي، وكنت صبيًا فوقع في قلبي أنها النخلة فهبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقولها وأنا أصغر القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إنها النخلة» فقال عمر: يا بني لو كنت قلتها لكانت أحب إلي من حمر النعم.
{تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} تعطي ثمرها كل وقت وقتها الله لإثمارها {بِإِذْنِ رَبّهَا} بتيسير خالقها وتكوينه {وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} لأن في ضرب الأمثال زيادة إفهام وتذكير وتصوير للمعاني.
{وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كلمة الكفر {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كل شجرة لا يطيب ثمرها وفي الحديث: أنها شجرة الحنظل {اجتثت مِن فَوْقِ الأرض} استؤصلت جثتها وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها وهو في مقابلة {أصلها ثابت} {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} أي استقرار يقال قر الشيء قرارًا كقولك ثبت ثبوتًا، شبه بها القول الذي لا يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت {يُثَبِّتُ الله الذين ءَامَنُواْ} أي يديمهم عليه {بالقول الثابت} هو قول لا إله إلا الله محمد رسول الله {في الحياة الدنيا} حتى إذا فتنوا في دينهم لم يزلوا كما ثبت الذين فتنهم أصحاب الأخدود وغير ذلك {وَفِي الآخرة} الجمهور على أن المراد به في القبر بتلقين الجواب وتمكين الصواب، فعن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر قبض روح المؤمن فقال: «ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فذلك قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} ثم يقول الملكان: عشت سعيدًا ومت حميدًا نم نومة العروس» {وَيُضِلُّ الله الظالمين} فلا يثبتهم على القول الثابت في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأزل {وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء} فلا اعتراض عليه في تثبيت المؤمنين وإضلال الظالمين. اهـ.

.قال ابن جزي:

سورة إبراهيم عليه السلام:
{لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور}.
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والظلمات الكفر والجهل، والنور الإيمان والعلم {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي بأمره وهو إرساله {إلى صراط العزيز الحميد} بدل من إلى النور.
{اللَّهُ} قرئ بالرفع وهو مبتدأ أو خبر مبتدأ مضمر، وبالخفض بدل {يَسْتَحِبُّونَ} أي يؤثرون {وَيَبْغُونَهَا} قد ذكر {بِلِسَانِ قَوْمِهِ} أي بلغتهم وكلامهم {أَنْ أَخْرِجْ} أن مفسرة أو مصدرية على تقدير بأن {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله} أي عقوباته للأمم المتقدمة، وقيل: إنعامه على بني إسرائيل، واللفظ يعم النعم والنقم، وعبر عنها بالأيان لأنها كانت في بالأيام، وفي ذلك تعظيم لها كقولهم يوم كذا ويوم كذا.
{وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} ذكر هنا بالواو، ليدل على أن سوء العذاب غير الذبح أو أعم من ذلك ثم جر الذبح كقوله وملائكته وجبريل وميكال، ذكر في البقرة بغير واو تفسير للعذاب {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ} من كلام موسى، وتأذن بمعنى أذن أي: أعلم كقولك: توعد وأوعد وإعلام الله مقترن بإنفاذ ما أعلم به {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} هذا معمول تأذن لأنه يتضمن معنى قال، ويحتمل أن تكون الزيادة من خير الدنيا أو من الثواب في الآخرة أو منهما {وَلَئِن كَفَرْتُمْ} يحتمل أن يريد كفر النعم أو الكفر بالإيمان والأول أرجح لمقابلته بالشكر.
{لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله} عبارة عن كثرتهم كقوله: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان: 38] {فردوا أَيْدِيَهُمْ في أفواههم} فيه ثلاثة أقوال: أحدها أن الضمائر لقوم الرسل، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم غيظًا من الرسل كقوله: {عضوا عليكم الأنامل من الغيظ}، أو استهزاء وضحكا: كمن غلبه الضحك فوضع يده على فمه، والثاني: أن الضمائر لهم، والمعنى أنهم ردوا أيديهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت، والثالث: أنهم ردوا أيديهم في أفواه الأنبياء تسكيتًا لهم، وردا لقولهم: {أَفِي الله شَكٌّ} المعنى أفي وجود الله شك أو في إلهيته شك، وقيل: وحدانيته، والهمزة للتقرير والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة، ولذلك وصفه بعد بقوله: {فَاطِرِ السماوات والأرض} {مِّن ذُنُوبِكُمْ} قيل: إن من زائدة، ومنع سيبويه زيادتها في الواجب وهي عنده للتبعيض، ومعناه أن يغفر للكافر إذا أسلم ما تقدم من ذنبه قبل الإسلام، ويبقى ما يذنب بعده في المشيئة، فوقعت المغفرة في البعض ولم يأت في القرآن غفران بعض الذنوب إلا للكافر كهذا الموضع، والذي في الأحقاف وسورة نوح وجاء للمؤمنين بغير من كالذي في الصف {وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى} قال الزمخشري وأهل مذهبه من المعتزلة: معناه يؤخركم إن آمنتم إلى آجالكم، وإن لم تؤمنوا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت، وهذا بناء على قولهم بالأجلين، وأهل السنة يأبون هذا، فإن الأجل عندهم واحد محتوم. {قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا} يحتمل أن يكون قولهم استبعادًا لتفضيل بعض البشر على بعض بالنبوة، أو يكون إحالة لنبوة البشر، والأول أظهر لطلبهم البرهان في قولهم: فأتونا بسلطان مبين ولقول الرسل: ولكن الله يمن على من يشاء من عباده أي: بالتفضيل بالنبوة.
{وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله} والمعنى أي شيء يمنعنا من التوكل على الله: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون} إن قيل لم كرر الأمر؟ فالجواب عندي أن قوله: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} راجع إلى ما تقدم من طلب الكفار بسلطان مبين أي حجة ظاهره، فتوكل الرسل في ورودها على الله، وأما قوله: {فليتوكل المتوكلون}؛ فهو راجع إلى قولهم: {ولنصبرن على ما آذيتمونا} أي: نتوكل على الله في دفع أذاكم.
وقال الزمخشري: إن هذا الثاني في معنى الثبوت على التوكل {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} أو هنا بمعنى إلا أن، أو على أصلها، لوقوع أحد الشيئين، والعود هنا بمعنى الصيرورة، وهي كثير في كلام العرب ولا يقتضي أن الرسل، كانوا في ملة الكفار قبل ذلك.
{خَافَ مَقَامِي} فيه ثلاثة أوجه: هنا وفي {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} في [الرحمن: 46] فالأول أن معناه مقام الحساب في القيامة والثاني: أن معناه قيام الله على عباده بأعمالهم والثالث: أن معناه خافني وخاف ربه، على إقحام المقام أو على التعبير به عن الذات.
{واستفتحوا} الضمير للرسل أي استنصروا بالله وأصله طلب الفتح وهو الحكم {جَبَّارٍ} أي قاهر أو متكبر {عَنِيدٍ} مخالف للانقياد {مِّن وَرَائِهِ} في الموضعين والوراء هنا بمعنى ما يستقبل من الزمان، وقيل: معناه هنا أمامه وهو بعيد {ويسقى} معطوف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى، وإنما ذكر هذا السقي تجريدًا بعد ذكر جهنم، لأنه من أشد عذابها {يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ} أي يتكلف جرعه وتصعب عليه إساغته، ونفي كاد يقتضي وقوع الإساغة بعد جهد، ومعنى يسيغه يبتلعه {وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ} أي يجد الماء مثل ألم الموت وكربته من جميع الجهات {وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} أي لا يراح بالموت.
{مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ} مذهب سيبويه والفراء فيه كقولهما في: مثل الجنة التي في الرعد والقتال، والخبر عند سيبويه محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم والخبر عند الفراء الجملة التي بعده، والمثل هنا بمعنى الشبيه {أعمالهم كَرَمَادٍ} تشبيهًا بالرماد في ذهابها وتلاشيها {فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} أي شديد الريح والعصوف في الحقيقة من صفة الريح {لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ} أي لا يرون له منفعة.
{وَبَرَزُواْ للَّهِ} أي ظهروا، ومعنى الظهور هنا خروجهم من القبور، وقيل: معناه صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة {تَبَعًا} جمع تابع أو مصدر وصف به بالغة، أو على حذف مضاف {مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ} من الأولى للبيان، والثانية للتبعيض، ويجوز أن يكونا للتبعيض معًا قاله الزمخشري، والأظهر أن الأولى للبيان، والثانية زائدة، والمعنى: هل أنتم دافعون أو متحملون عنا شيئًا من عذاب الله: {مَّحِيصٍ} أي مهرب حيث وقع، ويحتمل أن مصدرًا أو اسم مكان.
{وَقَالَ الشيطان} الكلام يوم القيامة أو في النار يقوله لأهلها {لَمَّا قُضِيَ الأمر} إن كان كلام إبليس في القيامة بمعنى قُضي الأمر؛ تعيَّن قومٌ للنار وقومٌ للجنة وإن كان في النار فمعنى قضي الأمر حصل أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة {إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ} استثناء منقطع {مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ} أي ما أنا بمغيثكم وما أنتم مغيثين لي {بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ} ما مصدريه: أي بإشراككم لي مع الله في الطاعة {مِن قَبْلُ} يتعلق بأشركتمون ويحتمل أن يتعلق بكفرتم، والأول أظهر وأرجح {إِنَّ الظالمين} استئناف من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون حكاية عن إبليس {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} يتعلق بأدخل أو بخالدين، والأول أحسن.
{كَلِمَةً طَيِّبَةً} قال ابن عباس وغيره هي: لا إله إلا الله وقيل: كل حسنة {كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ} هي النخلة في قول الجمهور، واختار ابن عطية أنها شجرة غير معينة، إلا أنها كل ما اتصف بتلك الصفات {وَفَرْعُهَا فِي السماء} أي في الهواء، وذلك عبارة عن طولها {تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} الحين في اللغة وقت غير محدود وقد تقترن به قرينة تحده، وقيل: في كل حين كل سنة لأن النخلة تطعم في كل سنة، وقيل: غير ذلك {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} هي كلمة الكفر، وقيل: كل كلمة قبيحة {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} هي الحنظلة عند الجمهور، واختار ابن عطية غير معينة {اجتثت} أي اقتلعت وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة، وهذا في مقابلة قوله: {أصلها ثابت}، {بالقول الثابت} هو لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة {فِي الحياوة الدنيا} أي إذا فتنوا لم يزلوا {وَفِي الآخرة} هو عند السؤال في القبر عند الجمهور. اهـ.

.قال البيضاوي:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ:
{الر كِتَابٌ} أي هو كتاب. {أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس} بدعائك إياهم إلى ما تضمنه. {مِنَ الظلمات} من أنواع الضلال. {إِلَى النور} إلى الهدى. {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} بتوفيقه وتسهيله مستعار من الاذن الذي هو تسهيل الحجاب، وهو صلة {لِتُخْرِجَ} أو حال من فاعله أو مفعوله. {إلى صِرَاطِ العزيز الحميد} بدل من قوله: {إِلَى النور} بتكرير العامل أو استئناف على أنه جواب لمن يسأل عنه، وإضافة الصراط إلى الله تعالى إما لأنه مقصده أو المظهر له وتخصيص الوصفين للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سابله.
{الله الذي لَهُ مَا في السموات وَمَا فِي الأرض} على قراءة نافع وابن عامر مبتدأ وخبر، أو {الله} خبر مبتدأ محذوف والذي صفته وعلى قراءة الباقين عطف بيان ل {العزيز} لأنه كالعلم لاختصاصه بالمعبود على الحق. {وَوَيْلٌ للكافرين مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور، والويل نقيض الوأل وهو النجاة، وأصله النصب لأنه مصدر إلا أنه لم يشتق منه فعل لكنه رفع لافادة الثبات.
{الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة} يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} بتعويق الناس عن الإِيمان. وقرئ {ويصدون} من أصده وهو منقول من صد صدودًا إذا تنكب وليس فصيحًا، لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة. {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا} ويبغون لها زيغًا ونكوبًا عن الحق ليقدحوا فيه، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته يحتمل الجر صفة للكافرين والنصب على الذم والرفع عليه أو على أنه مبتدأ خبره. {أُوْلَئِكَ في ضلال بَعِيدٍ} أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل، والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة، أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته.
{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ} إلا بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم. {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ} ما أمروا به فيفقهوه عنه بيسر وسرعة، ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته أولًا، ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الاعجاز، لكن أدى إلى إختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها، والعلوم المتشعبة منها وما في اتعاب القرائح وكد النفوس من القرب المقتضية لجزيل الثواب. وقرئ {بلسن} وهو لغة فيه كريش ورياش، ولسن بضمتين وضمة وسكون على الجمع كعمد وعمد. وقيل الضمير في قومه لمحمد صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى أنزل الكتب كلها بالعربية، ثم ترجمها جبريل عليه السلام أو كل نبي بلغة المنزل عليهم وذلك ليس بصحيح يرده قوله: {لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} فإنه ضمير القوم، والتوراة والإنجيل ونحوهما لم تنزل لتبين للعرب. {فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ} فيخذله عن الإِيمان. {وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} بالتوفيق له. {وَهُوَ العزيز} فلا يغلب على مشيئته. {الحكيم} الذي لا يضل ولا يهدي إلا لحكمه.