فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيرًا من الناس- تجوز- إذ كانت عرضة الإضلال، والأسباب المنصوبة للغيّ، وعليها تنشأ الأغيار، وحقيقة الإضلال إنما هي لمخترعه، وقيل: أراد الأصنام هنا الدنانير والدراهم.
وقوله: {ومن عصاني} ظاهره بالكفر، بمعادلة قوله: {فمن تبعني فإنه مني}، وإذا كان ذلك كذلك فقوله: {فإنك غفور رحيم} معناه: بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا، لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب صلى الله عليه وسلم قال قتادة: اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه وسلم، والله ما كانوا طعانين ولا لعانين، وكذلك قال نبي الله عيسى {وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 118] وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر حديثًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته، فبشر فيهم وكان إبراهيم التيمي يقول: من يأمن على نفسه بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام؟.
وقوله: {ومن ذريتي} يريد: إسماعيل عليه السلام، وذلك أن سارة لما غارت بهاجر- بعد أن ولدت إسماعيل- تعذب إبراهيم عليه السلام، بهما، فروي أنه ركب البراق وهو وهاجر والطفل- فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، فنزل وترك ابنه وأمته هنالك، وركب منصرفًا من يومه ذلك، وكان هذا كله بوحي من الله تعالى فلما ولَّى دعا بمضمن هذه الآية، وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل، ففي كتاب البخاري والسير وغيره.
و{من} في قوله: {ومن ذريتي} للتبعيض، لأن إسحاق كان بالشام، والوادي: ما بين الجبلين، وليس من شروطه أن يكون فيه ماء.
وهذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال: {غير ذي زرع}، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال: غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك.
وقوله: {عند بيتك المحرم} إما أن يكون البيت قد كان قديمًا- على ما روي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم- وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتًا لله تعالى، فيكون محرمًا. ومعنى {المحرم} على الجبابرة وأن تنتهك حرمته ويستخف بحقه- قاله قتادة وغيره.
وجمعه الضمير في قوله: {ليقيموا} يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هنالك ويكون له نسل. واللام في قوله: {ليقيموا} هي لام كي هذا هو الظاهر فيها- على أنها متعلقة ب {أسكنت}، والنداء اعتراض، ويصح أن تكون لام أمر، كأن رغب إلى الله أن يوفقهم بإقامة الصلاة، ثم ساق عبارة ملزمة لهم إقامة الصلاة، وفي اللفظ على هذا التأويل بعض تجوز يربطه المعنى ويصلحه.
و{أفئدة}: القلوب، جمع فؤاد. سمي بذلك لإنفاده، مأخوذ من فأد ومنه المفتاد، وهو مستوقد النار حيث يشوى اللحم.
وقرأ ابن عامر بخلاف: {فاجعل أفئدة} بياء بعد الهمزة.
وقوله: {من الناس} تبعيض، ومراده المؤمنون، قال مجاهد: لو قال إبراهيم: أفئدة الناس- لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: لحجته اليهود والنصارى. و{تهوي} معناه: تسير بجد وقصد مستعجل، ومنه قول الشاعر أبو كبير: الكامل:
وإذا رميت به الفجاج رأيته ** يهوي مخارمها هويَّ الأجدل

ومنه البيت المروي: السريع:
تهوي إلى مكة تبغي الهدى ** ما مؤمنو الجن كأنجاسها

وقرأ مسلمة بن عبد الله: {تُهوي} بضم التاء، من أهوى، وهو الفعل المذكور معدى بالهمزة، وقرأ علي بن أبي طالب ومحمد بن علي ومجاهد {تَهوَى} بفتح التاء والواو. وتعدي هذا الفعل- وهو من الهوى- ب {إلى}، لما كان مقترنًا بسير وقصد. وروي عن مسلم بن محمد الطائفي: أنه لما دعا عليه السلام بأن يرزق سكان مكة من الثمرات بعث الله جبريل فاقتلع بجناحه قطعة من أرض فلسطين- وقيل من الأردن- فجاء بها وطاف حول البيت بها سبعًا، ووضعها قريب مكة، فهي الطائف، وبهذه القصة سميت، وهي موضع ثقيف، وبها أشجار وثمرات وثم هي ركبة. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {ربنا إِني أسكنت من ذريتي}.
في {مِنْ} قولان:
أحدهما: أنها للتبعيض، قاله الأخفش، والفراء.
والثاني: أنها للتوكيد، والمعنى: أسكنت ذريتي، ذكره ابن الأنباري.
قوله تعالى: {بوادٍ غير ذي زرع} يعني: مكة، ولم يكن فيها حرث ولا ماء.
عند {بيتك المحرَّم} إِنما سمي محرَّمًا، لأنه يحرم استحلال حرماته والاستخفاف بحقه.
فإن قيل: ما وجه قوله: {عند بيتك المحرَّم} ولم يكن هناك بيت حينئذ، إِنما بناه إِبراهيم بعد ذلك بمُدَّة؟ فالجواب من ثلاثة وجوه.
أحدها: أن الله تعالى حرَّم موضع البيت منذ خلق السموات والأرض، قاله ابن السائب.
والثاني: عند بيتك الذي كان قبل أن يُرفَع أيام الطوفان.
والثالث: عند بيتك الذي قد جرى في سابق علمك أنه يحدث هاهنا، ذكرهما ابن جرير.
وكان أبو سليمان الدمشقي يقول: ظاهر الكلام يدل على أن هذا الدعاء إِنما كان بعد أن بُني البيت وصارت مكة بلدًا.
والمفسرون على خلاف ما قال.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن إِبراهيم خرج من الشام ومعه ابنه إِسماعيل وأمّه هاجر ومعه جبريل حتى قدم مكة وبها ناس يقال لهم: العماليق، خارجًا من مكة، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فقال إِبراهيم لجبريل: أهاهنا أُمرتُ أن أضعهما؟ قال: نعم؛ فأنزلهما في مكانٍ من الحِجر، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عريشًا، ثم قال: {ربنا إِني أسكنت من ذريتي...} الآية.
وفتح أهل الحجاز، وأبو عمرو ياء {إِنيَ أسكنت}.
قوله تعالى: {ربنا ليُقيموا الصلاة} في متعلَّق هذه اللام قولان:
أحدهما: أنها تتعلق بقوله: {واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام}، فالمعنى: جنَبهم الأصنام ليُقيموا الصلاة، هذا قول مقاتل.
والثاني: أنها تتعلق بقوله: {أسكنت}، فالمعنى: أسكنتُهم عند بيتك ليُقيموا الصلاة، لأن البيت قِبلة الصلوات، ذكره الماوردي.
قوله تعالى: {فاجعل أفئدة من الناس} أي: قلوب جماعة من الناس.
قال ابن الأنباري: وإِنما عبَّر عن القلوب بالأفئدة، لقُرب القلب من الفؤاد ومجاورته، قال امرؤ القيس:
رَمَتْني بَسَهْمٍ أَصَابَ الفُؤَادَ ** غَدَاةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أَنْتَصِر

وقال آخر:
كَأَنَّ فُؤادِي كُلمَّا مَرَّ رَاكِبٌ ** جَنَاحُ غُرَابٍ رَامَ نَهْضًا إِلى وِكْرِ

وقال آخر:
وإِنَّ فُؤَادًا قَادَني لِصَبَابَةٍ ** إِلَيْكِ عَلَى طُوْلِ الهَوى لَصَبُورُ

يعنون بالفؤاد: القلب.
قوله تعالى: {تهوي إِليهم} قال ابن عباس: تَحِنُّ إِليهم.
وقال قتادة: تنزع إِليهم وقال الفراء: تريدهم، كما تقول: رأيت فلانًا يَهوي نحوك، أي: يريدك.
وقرأ بعضهم: {تهوَى إِليهم} بمعنى: تهواهم، كقوله: {ردفَ لكم} [النمل 72] أي: ردفكم.
{وإِلى} توكيد للكلام.
وقال ابن الأنباري: {تَهوي إِليهم}: تنحط إِليهم وتنحدر.
وفي معنى هذا المَيل قولان:
أحدهما: أنه المَيل إِلى الحج، قاله الأكثرون.
والثاني: أنه حُبُّ سُكنى مكة، رواه عطية عن ابن عباس.
وروى سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: لو كان إِبراهيم قال: فاجعل أفئدة الناس تهوي إِليهم، لحجَّه اليهود والنصارى، ولكنه قال: من الناس. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِنًا}.
يعني مكة وقد مضى في البقرة.
{واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} أي اجعلني جانبًا عن عبادتها، وأراد بقوله: {بنيّ} بنيه من صُلْبه وكانوا ثمانية، فما عبد أحد منهم صنمًا.
وقيل: هو دعاء لمن أراد الله أن يدعو له.
وقرأ الْجَحْدَريّ وعيسى {وَأَجْنِبْنيِ} بقطع الألف والمعنى واحد؛ يقال: جَنَبْتُ ذلك الأمر؛ وأجنبته وجَنَّبته إياه فتجانبه واجتنبه أي تركه.
وكان إبراهيم التِّيْميّ يقول في قصصه: من يأمن البلاء بعد الخليل حين يقول: {واجنبنى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام} كما عبدها أبي وقومي.
قوله تعالى: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس} لما كانت سببًا للإضلال أضاف الفعل إليهن مجازًا؛ فإن الأصنام جمادات لا تفعل.
{فَمَن تَبِعَنِي} في التوحيد.
{فَإِنَّهُ مِنِّي} أي من أهل ديني.
{وَمَنْ عَصَانِي} أي أصرَّ على الشّرك.
{فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} قيل: قال هذا قبل أن يعرّفه الله أن الله لا يغفر أن يشرك به.
وقيل: غفور رحيم لمن تاب من معصيته قبل الموت.
وقال مقاتل بن حيان: {وَمَنْ عَصَانيِ} فيما دون الشرك.
{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}.
فيه ست مسائل:
الأولى: روى البخاري عن ابن عباس: أول ما اتخذ النِّساء المِنْطَق من قِبل أم إسمعيل؛ اتخذت مِنْطَقًا لتُعفِّي أَثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسمعيل وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دَوْحة فوق زمزم في أعلى المسجد؛ وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك؛ ووضع عندهما جِرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيمُ منطلقًا فتبعته أمّ إسمعيل؛ فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء، فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
قالت إذا لا يُضيِّعنا؛ ثم رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه فقال: {ربِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتيِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ} حتى بلغ {يَشْكُرُونَ} وجعلت أمّ إسمعيل تُرضع إسمعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفِد ما في السّقاء عطِشت وعطِش ابنها، وجعلت تنظر إليه يَتَلوَّى أو قال يَتَلَبَّط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصَّفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصَّفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت طَرَف دِرْعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود، ثم جاوزت الوادي، ثم أتت الْمَرْوة فقامت عليه، فنظرت هل ترى أحدًا فلم تر أحدًا، ففعلت ذلك سبع مرات؛ قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فذلك سعي الناس بينهما» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمَّعت فسمعت أيضًا فقالت: قد أسمعتَ إن كان عندك غواث! فإذا هي بالمَلَك عند موضع زمزم فبَحَث بعَقِبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تُحَوِّضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سِقائها وهو يفور بعد ما تغرف؛ قال ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أمّ إسماعيل لو تركت زمزم أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا مَعِينًا» قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها المَلَك: لا تخافي الضَّيْعة فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يُضيِّع أهله؛ وذكر الحديث بطوله.
مسألة: لا يجوز لأحد أن يتعلق بهذا في طرح ولده وعياله بأرضٍ مَضيعة اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداءً بفعل إبراهيم الخليل، كما تقول غُلاَة الصُّوفية في حقيقة التوكل، فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله لقوله في الحديث: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
وقد روي أن سارة لما غارت من هاجر بعد أن ولدت إسمعيل خرج بها إبراهيم عليه السلام إلى مكة، فروي أنه ركب البراق هو وهاجر والطّفل فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، وترك ابنه وأمَته هنالك وركب منصرفًا من يومه، فكان ذلك كله بِوحيٍ من الله تعالى، فلما ولّى دعا بضمن هذه الآية.
الثانية: لما أراد الله تأسيس الحال، وتمهيد المقام، وخطّ الموضع للبيت المكرم، والبلد المحرم، أرسل المَلَك فبحث عن الماء وأقامه مقام الغذاء.
وفي الصحيح: أن أبا ذرّ رضي الله عنه اجتزأ به ثلاثين بين يوم وليلة، قال أبو ذرّ: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمِنت حتى تَكَسَّرت عُكَني، وما أجد على كبدي سَخْفَة جوع؛ وذكر الحديث.
وروى الدَّارَقُطْني عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لمِا شُرِب له، إن شربتَه تشتفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله به، وإن شربتَه لقطع ظمئك قطعه، وهي هَزْمة جبريل، وسُقْيا الله إسمعيل» وروي أيضًا عن عِكرمة قال: كان ابن عباس إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاء من كل داء.
قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة لمن صحّت نيّته، وسلمت طويته، ولم يكن به مكذِّبًا، ولا يشربه مجرِّبًا، فإن الله مع المتوكلين، وهو يفضح المجرِّبين.
وقال أبو عبد الله محمد بن عليّ الترمذي وحدثني أبي رحمه الله قال: دخلت الطّواف في ليلة ظلماء فأخذني من البول ما شغلني، فجعلت أعتصر حتى آذاني، وخفت إن خرجت من المسجد أن أطأ بعض تلك الأقدام، وذلك أيام الحج؛ فذكرت هذا الحديث، فدخلت زمزم فَتَضَلَّعْتُ منه، فذهب عني إلى الصباح.
وروي عن عبد الله بن عمرو: إن في زمزم عينًا في الجنة من قِبل الركن.
الثالثة: قوله تعالى: {مِن ذُرِّيَّتِي} {مِنْ} في قوله تعالى: {مِنْ ذُرِّيَّتي} للتبعيض أي أسكنت بعض ذريتي؛ يعني إسمعيل وأمه، لأن إسحاق كان بالشام.
وقيل: هي صلة؛ أي أسكنت ذريتي.
الرابعة: قوله تعالى: {عِندَ بَيْتِكَ المحرم} يدلّ على أن البيت كان قديمًا على ما روي قبل الطُّوفان، وقد مضى هذا المعنى في سورة البقرة.
وأضاف البيت إليه لأنه لا يملكه غيره، ووصفه بأنه محرّم، أي يحرم فيه ما يستباح في غيره من جماع واستحلال.
وقيل: محرّم على الجبابرة، وأن تنتهك حرمته، ويستخفّ بحقّه؛ قاله قتادة وغيره.
وقد مضى القول في هذا في المائدة.
الخامسة: قوله تعالى: {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة} خَصَّها من جملة الدِّين لفضلها فيه، ومكانها منه، وهي عهد الله عند العباد؛ قال صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد» الحديث.
واللام في {لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ} لام كي؛ هذا هو الظاهر فيها وتكون متعلقة ب {أَسْكَنْتُ} ويصح أن تكون لام أمر، كأنه رغِب إلى الله أن يأتمنهم وأن يوفقهم لإقامة الصلاة.
السادسة: تَضمَّنت هذه الآية أن الصلاة بمكة أفضل من الصلاة بغيرها؛ لأن معنى {رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ} أي أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة فيه.