فصل: ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من ادعى الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



والظاهر ان موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كان يعبدونها وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا كما ذكره ابن إسحاق وغيره وهو مستند إلى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ولاسيما إذا خالفت الحق وأما اهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم واهانها وبين بطلانها كما قال تعالى: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} وقال في سورة الأنبياء: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي انتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين قال لقد كنتم وآباؤكم في ضلال مبين قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} وقال في سورة الشعراء: {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد اصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الاقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حما وألحقني بالصالحين} وقال تعالى في سورة الصافات: {وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ائفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين} يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون أي معتكفون عندها وخاضعون لها قالوا وجدنا آبائنا لها عابدين ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد وما كانوا عليه من عبادة الأنداد قال: {لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين} كما قال تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين} قال قتادة فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره وقال لهم: {هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا وإنما الحامل لهم على عبادتها الإقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال ولهذا قال لهم: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} وهذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما ادعوه من الأصنام لانه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لأثرت فيه {قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين} يقولون هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا {قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين} يعني بل أقول لكم ذلك جادا محقا وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم ورب كل شيء فاطر السموات والأرض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنا على ذلكم من الشاهدين وقوله: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم قيل إنه قال هذا خفية في نفسه وقال ابن مسعود سمعه بعضهم وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره فقال إني سقيم كما قال تعالى: {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة فلما خرجوا إلى عيدهم واستقر هو في بلدهم راغ إلى آلهتهم أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الأطعمة قربانا إليها فقال لها على سبيل التهكم والإزدراء ألا تأكلون: {ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين} لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر فكسرها بقدوم في يده كما قال تعالى: {فجعلهم جذاذا} أي حطاما كسرها كلها {إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون} قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار فلما رجعوا من عبدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين}.
وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: {من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والإزدارء بها فهو المقيم عليها والكاسر لها وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله: {وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون} أي في الملأ الأكبر على رؤس الأشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الإقتصاص منه وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى عليه السلام لفرعون: {موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى} فلما اجتمعوا وجاءا به كما ذكروا {قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم} هذا قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها وإنما عرض لهم في القول فاسئلوهم إن كانوا ينطقون وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول أن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات {فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون} أي فعادوا على أنفسهم بالملامة {فقالوا إنكم أنتم الظالمون} أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها {ثم نكسوا على رؤسهم} قال السدي أي ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قوله: {إنكم أنتم الظالمون} أي في عبادتها وقال قتادة أدركت القوم حيرة سوء اي فأطرقوا ثم قالوا: {لقد علمت ما هؤلاء ينطقون} أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} كما قال: {فأقبلوا إليه يزفون} قال مجاهد يسرعون {قال أتعبدون ما تنحتون} أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون {والله خلقكم وما تعملون} وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الأصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له {قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين} عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال تعالى: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الأماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطربت وتأججت والتهبت وعلاها شرر لم ير مثله قط ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هزن وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه إلى النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقالها محمد حين قيل له {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} الآية.
وقال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي جعفر الرازي عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال صلى الله عليه وسلم لما ألقى إبراهيم في النار قال اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد وأعبدك.
وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا ويروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير انه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم قال علي بن أبي طالب أي لا تضريه وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال وسلاما على إبراهيم لأذى إبراهيم بردها وقال كعب الأحبار لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار ولم يحرق منه سوى وثاقه وقال الضحاك يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره وقال السدي كان معه أيضا ملك الظل وصار إبراهيم عليه السلام في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه ولا هو يخرج إليهم فعن أبي هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا إبراهيم وروى ابن عساكر عن عكرمة أن أم إبراهيم نظرت إلى ابنها عليه السلام فنادته يا بني إني أريد أن أجيء إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك فقال نعم فأقبلت إليه لا يمسها شيء من حر النار فلما وصلت إليه اعتنقته وقبلته ثم عادت وعن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما وأنه قال ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها صلوات الله وسلامه عليه فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا قال الله تعالى: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} وفي الآية الأخرى {الأسفلين} ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما بلى هي كما قال تعالى: {إنها ساءت مستقرا ومقاما}.
قال البخاري حدثنا عبد الله بن موسى أو ابن سلام عنه أنبأنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وقال وكان ينفخ على إبراهيم ورواه مسلم من حديث ابن جريج وأخرجاه والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به وقال أحمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج أخبرني عبد الله بن عبدالرحمن بن أبي أمية أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم قال فكانت عائشة تقتلهن وقال أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت ما هذا الرمح فقالت نقتل به الأوزاغ ثم حدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إبراهيم لما ألقي في النار جعلت الدواب كلها تطفيء عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه تفرد به أحمد من هذين الوجهين.
وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا جرير حدثنا نافع حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة قالت دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح قالت هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن إبراهيم حين ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء عنه النار غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.

.ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من ادعى الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء:

قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي أدعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل عليه السلام دليله وبين كثرة جهله وقلة عقله وألجمه الحجه وأوضح له طريق المحجة.
قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمرود ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح قاله مجاهد وقال غيره نمرود بن فالح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح قال مجاهد وغيره وكان أحد ملوك الدنيا فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة مؤمنان وكافران فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان والكافران النمرود وبختنصر وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية فلما قال الخليل ربي الذي يحي ويميت قال أنا أحي وأميت.
قال قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق يعني أنه إذا أتى بالرجلين قد تحتم قتلهما فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر وهذا ليس بمعارضة للخليل بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة ليس بمنع ولا بمعارضة بل هو تشغيب محض وهو انقطاع في الحقيقة فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيونات وموتها على وجود فاعل ذلك الذي لابد من استنادها إلى وجوده ضرورة عدم قيامها بنفسها ولابد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر وخلق هذه الحيونات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها ولهذا قال إبراهيم ربي الذي يحي ويميت فقول هذا الملك الجاهل أنا أحي وأميت إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهداة فقد كابر وعاند وإن عنى ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل.
ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة قال فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحي وتميت فات بهذه الشمس من المغرب فإن الذي يحي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء ودان له كل شيء فإن كنت كما تزعم فافعل هذا فإن لم تفعله فلست كما زعمت وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنصر منها فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه ولم يبق له كلام يجيب الخليل به بل وسكت ولهذا قال فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.
وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار ولم يكن اجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة وقد روى عبدالرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يفدون إليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج وليس معه شيء من الطعام فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام فقامت إمرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه فقال أنى لكم هذا قالت من الذي جئت به فعرف أنه رزق رزقهموه الله عز وجل قال زيد بن أسلم وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه ثم دعاه الثانية فأبى عليه ثم الثالثة فأبى عليه وقال اجمع جموعك وأجمع جموعي فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاما بادية ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخرها أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها.