فصل: قال الشوكانى:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأخرج البيهقي في الدلائل. وأبو نعيم. وابن مردويه. وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما خلق الله تعالى وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت الله سبحانه أقسم بحياة أحد غيره قال تعالى: {لَعَمْرُكَ} إلخ، وقيل: هو قسم من الملائكة عليهم السلام بعمر لوط عليه السلام، وهو مع مخالفته للمأثور محتاج لتقدير القول أي قالت الملائكة للوط عليهم السلام: {لَعَمْرُكَ} إلخ، وهو خلاف الأصل وإن كان سياق القصة شاهدًا له وقرينة عليه، فلا يرد ما قاله صاحب الفرائد من أنه تقدي من غير ضرورة ولو ارتكب مثله لأمكن إخراج كل نص عن معناه بتقدير شيء فيرتفع الوثوق بمعاني النص، وأيًا ما كان فعمرك مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا أي قسمي أو يميني أو نحو ذلك، والعمر بالفتح والضم البقاء والحياة إلا أنهم التزموا الفتح في القسم لكثرة دوره فناسب التخفيف وإذا دخلته اللام التزم فيه الفتح وحذف الخبر في القسم، وبدون اللام يجوز فيه النصب والرفع وهو صريح، وهو مصدر مضاف للفاعل أو المفعول، وسمع فيه دخول الباء وذكر الخبر قليلًا، وذكر أنه إذا تجرد من اللام لا يتعين للقسم، ونقل ذلك عن الجوهري، وقال ابن يعيش: لا يستعمل إلا فيه أيضًا وجاء شاذار عملي وعدوه من القلب، وقال أبو الهيثم: معنى {لَعَمْرُكَ} لدينك الذي تعمل ويفسر بالعبادة، وأنشد:
أيها المنكح الثريا سهيلا ** عمرك الله كيف يلتقيان

أراد عبادتك الله تعالى فإنه يقال على ما نقل عن ابن الأعرابي عمرت ربي أي عبدته، وفلان عامر لربه أي عابد، وتركت فلانًا يعمر ربه أي يعبده وعهو غريب.
وفي البيت توجيهات فقال سيبويه فيه: الأصل عمرتك الله تعالى تعميرًا فحذف الزوائد من المصدر وأقيم مقام الفعل مضافًا إلى مفعوله الأول، ومعنى عمرتك أعطيتك عمرًا بأن سألت الله تعالى أن يعمرك فلما ضمن عمر معنى السؤال تعدى إلى المفعول الثاني أعني الاسم الجليل فهو على هذا منصوب، وأجاز الأخفش رفعه ليكون فاعلًا أي عمرك الله سبحانه تعميرًا، وجوز الرضى أن يكون عمرك فيه منصوبًا على المفعول به لفعل محذوف أي أسأل الله تعالى عمرك وأسأل متعد إلى مفعولين، أو يكون المعنى أسألك بحق تعميرك الله تعالى أي اعتقادك بقاءه وأبديته تعالى فيكون انتصابه بحذف حرف القسم نحو الله لا فعلن، وهو مصدر محذوف الزوائد مضاف إلى الفاعل والاسم الجليل مفعول به له، ولا بأس بإضافة عمر إليه تعالى، وقد جاء مضافًا كذلك قال الشاعر:
إذا رضيت على بنو قشير ** لعمر الله أعجبني رضاها

وقال الأعشى:
ولعمر من جعل الشهور علامة ** منها تبين نقصها وكمالها

وزعم بعضهم أنه لا يجوز أن يقال: لعمر الله تعالى لأنه سبحانه أزلى أبدى، وكأنه توهم أن العمر لا يقال إلا فيما له انقطاع وليس كذلك، وجاء في كلامهم إضافته لضمير المتكلم، قال النابغة:
لعمري وما عمري على بهين

وكره النخعي ذلك لأنه حلف بحياة المقسم، ولا أعرف وجه التخصيص فإن في {لَعَمْرُكَ} خطابًا بالشخص حلفًا بحيلة المخاطب وحكم الحلف بغير الله تعالى مقرر على أتم وجه في محله.
وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما و{عُمُرِكَ} بدون لام {إِنَّهُمْ لفي سكرتهم} أي لفى غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم {يَعْمَهُونَ} يتحيرون فكيف يسمعون النصح، وأصل العمة عمى البصيرة وهو مورث للحيرة وبهذا الاعتبار فسر بذلك، والضمائر لأهل المديسنة، والتعبير بالمضارع بناء على المأثور في الخطاب لحكاية الحال الماضية، وقيل: ونسب إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الضمائر لقريش، واستبعده ابن عطية وغيره لعدم مناسبة السباق والسياق، ومن هنا قيل: الجملة اعتراض وجملة {يَعْمَهُونَ} حال من الضمير في الجار والمجرور، وجوز أن تكون حالا من الضمير المجرور في {سَكْرَتِهِمْ} والعامل السكرة أو معنى الإضافة، ولا يخفاك حاله، وقرأ الأشهب {سَكْرَتِهِمْ} بضم السين، وابن أبي عبلة {سكراتهم} بالجمع، والأعمش {سكرهم} بغير تاء، وأبو عمر وفي رواية الجهضمي {يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ} بفتح الهمزة، وقال أبو البقاء: وذلك على تقدير زيادة اللام، ومثله قراءة سعيد بن جبير {إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام} [الفرقان: 20]. بالفتح بناء على أن لام الابتداء إنما تصحب إن المكسورة الهمزة وكأن التقدير على هذه القراءة لعمرك قسمي على أنهم فافهم.
{فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة} يعني صيحة هائلة، والتعريف للجنس، وقيل: صيحة جبريل عليه السلام فالتعريف للعهد؛ وقال الإمام: ليس في الآية دلالة على هذا التعيين فإن ثبت بدليل قوي قيل به.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية: الصيحة مثل الصاعقة فكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة {مُشْرِقِينَ} داخلين في وقت شروق الشمس، قال المدقق: والجمع بين مصبحين ومشرقين باعتبار الابتداء والانتهاء بأن يكون ابتداء العذاب عند الصبح وانتهاؤه عند الشروق؛ وأخذ الصيحة قهرها إياهم وتمكنها منهم، ومنه الأخيذ الأسير، ولك أن تقول: {مَقْطُوعٌ} بمعنى يقطع عما قريب انتهى، وقيل: {مُشْرِقِينَ} حال مقدرة. {فَجَعَلْنَا عاليها} أي المدينة كما هو الظاهر.
وجوز رجوعه إلى القرى وان لم يسبق ذكرها والمراد بعاليها وجه الأرض وما عليه وهو المفعول الأول لجعل و{سَافِلَهَا} الثاني له، وقد تقدم الكلام في ذلك {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ} في تضاعيف ذلك {حِجَارَةً} كائنة {مّن سِجّيلٍ} من طين متحجر وهو في المشهور معرب سنك كل، وذهب أبو عبيد وطائفة إلى أنه عربي وأنه يقال فيه {سِجّينٍ} بالنون واحتجوا بقول تميم بن مقبل:
ضربا تواصى به الأبطال سجينا

وهو كما ترى.
وسئل الأصمعي عن معناه في البيت فقال: لا أفسره إذ كنت أسمع وأنا حدث سخينا بالخاء المعجمة أي سخنا وسجين بالجيم أيضًا، وقيل: هو مأخوذ من السجل وهو الكتاب أي من طين كتب عليه أسماؤهم أو كتب الله تعذيبهم به، وقد مر الكلام في ذلك أيضًا.
{إِنَّ في ذَلِكَ} أي فيما ذكر من القصة {لآيَاتٍ} لعلامات يستدل بها على حقيقة الحق {لِلْمُتَوَسّمِينَ} قال ابن عباس: للناظرين، وقال جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما: للمتفرسين، وقال مجاهد: للمعتبرين، وقيل غير ذلك وهي معان متقاربة.
وفي البحر التوسم تفعل من الوسم وهو العلامة التي يستدل بها على مطلوب، وقال ثعلب: التوسم النظر من القرن إلى القدم واستقصاء وجوه التعريف، قال الشاعر:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ** بعثوا إلى عريفهم يتوسم

وذكر أن أصله التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة محماة في جلد البعير أو غيره، ويقال: توسمت فيه خيرًا أي ظهرت علاماته لي منه، قال عبد الله بن رواحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إني توسمت فيك الخير أعرفه ** والله يعلم أني ثابت البصر

والجار والمجرور في موضع الصفة {لاَيَاتٍ} أو متعلق به، وهذه الآية على ما قال الجلال السيوطي أصل في الفراسة، فقد أخرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعًا «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى. ثم قرأ الآية» وكان بعض المالكية يحكم بالفراسة في الأحكام جريًا على طريق إياس بن معاوية.
{وَإِنَّهَا} أي المدينة المهلكة وقيل القرى {لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} أي طريق ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها وقيل: الضمير للآيات، وقيل: للحجارة، وقيل: للصيحة أي وإن الصيحة صد لمن يعمل عملهم لقوله تعالى: {وَمَا هي مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ} [هود: 83]، و{مُّقِيمٌ} قيل معلوم، وقيل: معتد دائم السلوك.
{إِنَّ في ذَلِكَ} أي فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمرأى من الناس يشاهدونها عند مرورهم عليها {لآيَةً} عظيمة {لِلْمُؤْمِنِينَ} بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فانهم الذين يعرفون ان سوء صنيعهم هو الذي ترك ديارهم بلاقع، واما غيرهم فيحملون ذلك على الاتفاق أو الأوضاع الفلكية، وافراد الآية بعد جمعها فيما سبق قيل لما أن المشاهد هاهنا بقية الآثار لاكل القصة كما فيما سلف، وقيل: للإشارة إلى أن المؤمنين يكفيهم آية واحدة.
{وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78)}
هم قوم شعيب عليه السلام؛ والايكة في الأصل الشجرة الملتفة واحدة الايك، قال الشاعر:
تجلو بقادمتي حمامة ايكة ** بردا اسف لقاتة بالأثمد

والمراد بها غبضة أي بقعة كثيفة الأشجار بناء على ما روي أن هؤلاء القوم كانوا يسكنون الغيضة وعامة شجرها الدوم وقيل السدر فبعث الله تعالى إليهم شعيبًا فكذبوه فأهلكوا بما ستسمعه إن شاء الله تعالى، وقيل: بلدة كانوا يسكنونها، واطلاقها على ما ذكر إما بطريق النقل أو تسمية المحل باسم الحال فيه ثم غلب عليه حتى صار علما، وأيد القول بالعلمية أنه قرئ في [الشعراء:176] و[ص:13] {ليكة} ممنوع الصرف، و{إن} عند البصريين هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف واللام هي الفارقة، وعند الفراء هي النافية ولا اسم لها واللام بمعنى الا، والمعول عليه الأول أي وأن الشأن كان أولئك القوم متجاوزين عن الحد.
{فانتقمنا مِنْهُمْ}
جاز يناهم على جنايتهم السابقة بالعذاب؛ والضمير لاصحاب الأيكة.
وزعم الطبرسي أنه لهم ولقوم لوط وليس بذاك.
روى غير واحد عن قتادة قال: ذكر لنا أنه جل شأنه سلط عليهم الحر سبعة أيام لا يظلهم منه ظل ولا يمنعهم منه شيء ثم بعث سبحانه عليهم سحابة فجعلوا يلتمسون الروح منها فبعث عليهم منها نارًا فأكلتهم فهو عذاب يوم الظلة {وَإِنَّهُمَا} أي محلى قوم لوط وقوم شعيب عليهما السلام وإلى ذلك ذهب الجمهور، وقيل: الضمير للأيكة ومدين، والثاني وإن لم يذكر هنا لكن ذكر الأول يدل عليه لارسال شعيب عليه الصلاة والسلام إلى أهلهما، فقد أخرج ابن عساكر وغيره عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله تعالى إليهما شعيبًا عليه السلام» ولا يخلو عن بعد بل قيل: إن القول الأول كذلك أيضًا لأن الأخبار عن مدينة قوم لوط عليه السلام بأنها {لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ} أي لبطريق واضح يتكرر مع الأخبار عنها آنفًا، بأنها لبسبيل مقيم على ما عليه أكثر المفسرين، وجمع غيرها معها في الأخبار لا يدفع التكرار بالنسبة إليها وكأنه لهذا قال بعضهم: الضمير يعود على لوط وشعيب عليهما السلام أي وانهما لبطريق من الحق واضح.
وقال الجبائي: الضمير لخبر هلاك قوم لوط وخبر هلاك قوم شعيب، والإمام اسم لما يؤتم به وقد سمي به الطريق واللوح المحفوظ ومطلق اللوح المعد للقراءة وزيج البناء ويراد به على هذا اللوح المحفوظ.
وقال مؤرج الإمام: الكتاب في لغة حمير، والأخبار عنهما بأنهما في اللوح المحفوظ إشارة إلى سبق حكمه تعالى بهلاك القومين لما علمه سبحانه من سوء أفعالهم. اهـ.

.قال الشوكانى:

{وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67)}
ذكر سبحانه ما كان من قوم لوط عند وصول الملائكة إلى قريتهم فقال: {وَجَاء أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ} أي: أهل مدينة قوم لوط، وهي سلام كما سبق، وجملة {يستبشرون} في محل نصب على الحال، أي: مستبشرون بأضياف لوط طمعًا في ارتكاب الفاحشة منهم فقال لهم لوط {إِنَّ هَؤُلاء ضَيْفِى} وحد الضيف؛ لأنه مصدر كما تقدّم، والمراد: أضيافي، وسماهم ضيفًا؛ لأنه رآهم على هيئة الأضياف، وقومه رأوهم مردا حسان الوجوه، فلذلك طمعوا فيهم {فَلاَ تَفْضَحُونِ} يقال: فضحه يفضحه فضيحة وفضحًا: إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار بإظهاره.
والمعنى: لا تفضحون عندهم بتعرضكم لهم بالفاحشة فيعلمون أني عاجز عن حماية من نزل بي، أو لا تفضحون بفضيحة ضيفي، فإن من فعل ما يفضح الضيف فقد فعل ما يفضخ المضيف {واتقوا الله} في أمرهم {وَلاَ تُخْزُونِ} يجوز أن تكون من الخزي: وهو الذلّ والهوان، ويجوز أن يكون من الخزاية وهي الحياء والخجل.
وقد تقدّم تفسير ذلك في هود.
{قَالُواْ} أي: قوم لوط، مجيبين له: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين} الاستفهام للإنكار، والواو للعطف على مقدّر، أي: ألم نتقدّم إليك وننهك عن أن تكلمنا في شأن أحد من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ وقيل: نهوه عن ضيافة الناس، ويجوز حمل ما في الآية على ما هو أعمّ من هذين الأمرين.
{قَالَ هؤلاء بَنَاتِى} فتزوّجوهنّ {إِن كُنتُمْ فاعلين} ما عزمتم عليه من فعل الفاحشة بضيفي فهؤلاء بناتي تزوّجوهنّ حلالًا ولا تركبوا الحرام.
وقيل: أراد ببناته نساء قومه، لكون النبيّ بمنزلة الأب لقومه، وقد تقدّم تفسير هذا في هود {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لفي سكرتهم يَعْمَهُونَ} العمر والعمر بالفتح والضم واحد، لكنهم خصوا القسم بالمفتوح، لإيثار الأخف فإنه كثير الدور على ألسنتهم. ذكر ذلك الزجاج.
قال القاضي عياض: اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله، جلّ جلاله، بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم، وكذا حكى إجماع المفسرين على هذا المعنى أبو بكر بن العربي، فقال: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله تعالى ها هنا بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفًا له.
قال أبو الجوزاء: ما أقسم الله سبحانه بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده.
قال ابن العربي: ما الذي يمتنع أن يقسم الله سبحانه بحياة لوط ويبلغ به من التشريف ما شاء، وكل ما يعطيه الله تعالى للوط من فضل يؤتى ضعفه من شرف لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم على الله منه، أو لا تراه سبحانه أعطى إبراهيم الخلة وموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم؟ فإذا أقسم الله سبحانه بحياة لوط فحياة محمد أرفع.
قال القرطبي: ما قاله حسن، فإنه يكون قسمه سبحانه بحياة محمد صلى الله عليه وسلم كلامًا معترضًا في قصة لوط.
فإن قيل: قد أقسم الله سبحانه بالتين والزيتون وطور سينين، ونحو ذلك فما فيهما من فضل؟ وأجيب بأنه ما من شيء أقسم الله به إلاّ وفي ذلك دلالة على فضله على جنسه، وذكر صاحب الكشاف وأتباعه: أن هذا القسم هو من الملائكة على إرادة القول أي: قالت الملائكة للوط: لعمرك، ثم قال: وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له. انتهى.
وقد كره كثير من العلماء القسم بغير الله سبحانه، وجاءت بذلك الأحاديث الصحيحة في النهي عن القسم بغير الله، فليس لعباده أن يقسموا بغيره، وهو سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ} [الأنبياء: 23].
وقيل: الإقسام منه سبحانه بالتين والزيتون، وطور سينين، والنجم، والضحى، والشمس، والليل، ونحو ذلك هو على حذف مضاف هو المقسم به، أي: وخالق التين، وكذلك ما بعده.
وفي قوله: {لَعَمْرُكَ} أي: وخالق عمرك.
ومعنى {إِنَّهُمْ لفي سكرتهم يَعْمَهُونَ}: لفي غوايتهم يتحيرون، جعل الغواية، لكونها تذهب بعقل صاحبها كما تذهب به الخمر سكرة، والضمير لقريش.
على أن القسم بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو القوم لوط على أن القسم للرسول عليه السلام {فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة} العظيمة، أو صيحة جبريل حال كونهم {مُشْرِقِينَ} أي: داخلين في وقت الشروق، يقال: أشرقت الشمس أي: أضاءت.
وشرقت: إذا طلعت، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد.
وأشرق القوم: إذا دخلوا في وقت شروق الشمس.
وقيل: أراد شروق الفجر.
وقيل: أوّل العذاب كان عند شروق الفجر وامتدّ إلى طلوع الشمس.
والصيحة: العذاب {فَجَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا} أي: عالي المدينة سافلها {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ} من طين متحجر.
وقد تقدّم الكلام مستوفى على هذا في سورة هود.
{إِنَّ في ذَلِكَ} أي: في المذكور من قصتهم، وبيان ما أصابهم {لآيَاتٍ} لعلامات يستدلّ بها {لِلْمُتَوَسّمِينَ}: للمتفكرين الناظرين في الأمر ومنه قول زهير:
وفيهن ملهى للصديق ومنظر ** أنيق لعين الناظر المتوسم

وقال الآخر:
أو كلما وردت عكاظ قبيلة ** بعثوا إليّ عريفهم يتوسم

وقال أبو عبيدة: للمتبصرين.
وقال ثعلب: الواسم: الناظر إليك من قرنك إلى قدمك.
والمعنى متقارب، وأصل التوسم: التثبت والتفكر، مأخوذ من الوسم، وهو التأثير بحديدة في جلد البعير {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} يعني: قرى قوم لوط أو معدينتهم على طريق ثابت، وهي الطريق من المدينة إلى الشام، فإن السالك في هذه الطريق يمرّ بتلك القرى {إِنَّ في ذَلِكَ} المذكور من المدينة أو القرى {لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} يعتبرون بها، فإن المؤمنين من العباد هم الذين يعتبرون بما يشاهدونه من الآثار.
وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَجَاء أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ} قال: استبشروا بأضياف نبيّ الله لوط حين نزلوا به لما أرادوا أن يأتوا إليهم من المنكر.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين} قال: يقولون: أولم ننهك أن تضيف أحدًا، أو تؤويه؟ {قَالَ هؤلاء بَنَاتِى إِن كُنْتُمْ فاعلين} أمرهم لوط بتزويج النساء، وأراد أن يبقي أضيافه ببناته.
وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم عن ابن عباس قال: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره قال: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لفي سكرتهم يَعْمَهُونَ} يقول: وحياتك يا محمد، وعمرك وبقائك في الدنيا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {لَعَمْرُكَ} قال: لعيشك.
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: ما حلف الله بحياة أحد إلاّ بحياة محمد قال: {لَعَمْرُكَ} الآية.
وأخرج ابن جرير عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يكرهون أن يقول الرجل لعمري يرونه كقوله وحياتي.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة {إِنَّهُمْ لفي سكرتهم يَعْمَهُونَ} أي: في ضلالهم يلعبون.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الأعمش في الآية: لفي غفلتهم يتردّدون.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج {فأخذتهم الصيحة} مثل الصاعقة، وكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة.
وأخرج ابن جرير عنه {مُشْرِقِينَ} قال: حين أشرقت الشمس.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس في قوله: {إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً} قال: علامة، أما ترى الرجل يرسل خاتمه إلى أهله، فيقول: هاتوا كذا وكذا، فإذا رأوه، عرفوا أنه حق.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه {لِلْمُتَوَسّمِينَ} قال: للناظرين.
وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة قال: للمعتبرين.
وأخرج ابن جريج، وابن المنذر عن مجاهد قال: للمتفرّسين، وأخرج البخاري، في التاريخ، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وأبو نعيم، وابن مردويه، والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ: {إِنَّ في ذَلِكَ لآيات لِلْمُتَوَسّمِينَ}» وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ} يقول: لبهلاك.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لبطريق مقيم.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لبطريق واضح. اهـ.