فصل: مطلب جواز أكل لحوم الخيل وتعداد نعم اللّه على خلقه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب جواز أكل لحوم الخيل وتعداد نعم اللّه على خلقه:

الحكم الشرعي يجوز أكل لحوم الخيل والبغال المتولدة من الخيل، أما المتولدة من الحمر الأهلية فلا، وعليه الشافعي وأحمد وكثير من أهل العلم، وقال مالك وأبو حنيفة ومن نهج نهجهم وهو قول ابن عباس لا يجوز أكل لحوم الخيل، لأن اللّه تعالى عدّ ما هو للأكل على حدة وما هو للركوب على حدة، ودليل الأكل هو ما أخرجه البخاري ومسلم عن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما قالت: نحرنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فرسا فأكلناه.
وما رويا عن جابر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل، وأن القرآن في هذه الآيات تكلم عن الركوب والزينة وسكت عن الأكل فدار الأمر بين التحريم والإباحة فوردت السنة بالإباحة لأكل الخيل وتحريم الحمر الأهلية والبغال منها تبعا لها، لأن الحيوان ينسب إلى أمه، فأخذنا بالسنّة جمعا بين النصين، لأن السنّة مبينة لكتاب اللّه تعالى وشارحة له، فالأخذ بها جائز، أما ما قيل إنها ناسخة لكتاب اللّه فلا، راجع بحث الناسخ والمنسوخ في المقدمة وفي الآية 146 من الأنعام المارة، ولبحثه صلة واسعة تأتي إن شاء اللّه في الآية 106 من البقرة في ج 3.
{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ} الموصل للإيمان به، وهذا على غير الوجوب، إذ لا يجب عليه شيء ولكن بمحض الفضل، وقصده بيان استقامته بالآيات والبراهين، فعليكم أيها الناس اتباعها وسلوكها {وَمِنْها جائِرٌ} معوج مائل عن الاستقامة فلا تسلكوها لأنها مسلك أهل الزيغ والبدع والأهواء والطيش {وَلَوْ شاء لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ} إلى الطريق الحق، ولكنه لم يشأ ذلك لأمر اقتضته حكمته، ولو كان لما بقي محل لخلق النار ولا معنى للتفاضل {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماء ماء لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ} ينبت لكم {شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} أنعامكم ودوابكم وكل ما له حاجة في الرعي، وكذلك {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ} كالجوز والبرتقال وأنواع المشمش والإجاص والخوخ والكثرى وغيرها، لأنه تعالى ذكر في كتابه أمهات الأشياء وعبر عن البقية بلفظ الثمرات والفاكهة، والأب فيما يخص الحيوان من جميع أجناس وأصناف النباتات {إِنَّ فِي ذلِكَ} الذي ذكر من أجناس الحيوان وأصناف الثمار وأنواع النبات {لَآيَةً} عظيمة دالة على قدرة القادر ووحدانيته {لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فيها فيعقلون معناها ويفقهون مغزاها {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} في منافعكم أيها الناس {وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ} لمنافعكم أيضا بصرفها كيف يشاء ويختار {إِنَّ فِي ذلِكَ} التسخير الجاري على نظام بديع لا يتغير على كر الدهور {لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 12 فوائد تسخيرها ويستدلون بها على مراده منها {وَما ذَرَأَ} خلق وبرأ {لَكُمْ فِي الْأَرْضِ} من حيوان ونبات ومعادن ومياه {مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ} وأشكاله وهيئته وكيفيته وكميته وماهيته وطعمه وريحه {إِنَّ فِي ذلِكَ} الاختلاف مع اتحاد الأصل في الغالب وكونها كلها من الماء خلقه ومقرتا {لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} 13 فيها فيعتبرون ويتعظون ويعترفون بكمال القدرة للّه تعالى، وفي هذه الآية دلالة على عقم قول المنجمين إن هذه الكواكب هي نفسها الفعالة المتصرفة في شئون العالم السفلي، لأنه تعالى يقول مسخرة مذللة مقهورة بأمره لمنافع خلقه، وقد أسهبنا البحث بهذا في الآيتين 110، 112 من سورة الصافات المارة فراجعها وما تشير إليها من المواضع ففيها كفاية.
وبعد أن ذكر اللّه تعالى بعض النعم الموجودة في السماء والأرض أتبعها بما هو في الماء فقال: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} مع أنه مالح ليعلم خلقه أنه قادر على إخراج الضد من الضد {وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها} كاللؤلؤ والمرجان واليسر وغيرها {وَتَرَى} أيها الإنسان {الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ} جواري في البحر بسرعة مقبلة ومدبرة بشدة مع أن الريح واحدة والمخر الشق لأن السفينة تشق الماء شقا حالة جريها فيه {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} الربح في تجارتكم والتنقل للاعتبار والزيارة وحمل الأثقال ولتفكروا كيف تبلغ بكم المواقع التي تقصدونها بسيرها {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} 14 هذه النعم وتقوموا بحقها من توحيد اللّه وطاعته وتمجيده وتعظيمه، لأن الركوب في البحر من أعظم النعم لما فيه من قطع المسافات البعيدة في زمن قصير بالنسبة للسير بالبر ولعدم الاحتياج للحل والترحال والحركة مع الاستراحة والسكون، وما أحسن ما قيل فيه:
وإنا لفي الدنيا كركب سفينة ** نظن وقوفا والزمان بنا يسري

واستدل بهذه الآية على جواز ركوب البحر للتجارة بلا كراهة، وإليه ذهب الكثير، وأخرج عبد الرزاق بن عمر أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث: غاز أو حاج أو معتمر.
وجاء في رواية أخرى: لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر، مصدر بالنهي وممنطق بالحصر.
قال تعالى: {وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} لأنه تعالى لما خلقها خلقها طائفة عائمة، فصارت تمور وتتحرك بالهواء، فأثقلها بالجبال راجع الآية 9 من سورة لقمان والآية 19 من سورة الحجر المارتين والآية 2 من سورة الرعد في ج 3، {وَأَنْهارًا} جعل فيها للشرب والسقي وغيرها {وَسُبُلًا} طرقا وفجاجا تسلكونها بأسفاركم في السهل والجبل {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى المكان الذي تريدونه فلا تضلون قصدكم ولا يصعب عليكم بلوغه {وَعَلاماتٍ} جعل فيها أيضا لتستدلون بها على المواقع كالجبال والوديان والروابي والأنهار والأشجار والعيون في تنقلاتكم النهارية {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} في الليل كالثريا وسهيل والجدي وبنات نعش والفرقدين والبلدة والقلادة والنثرة والعبور والميزان، فإنها ترشدكم على القبلة والشمال والشرق والغرب تهتدون بها إلى قصدكم بمعرفة الجهات الطالعة منها والسائرة إليها.
ولما ذكر اللّه تعالى من عجائب صنعه وغرائب إبداعه وعظيم حكمته مما هو مخلوق له وكل شيء مخلوق له قال على سبيل الإنكار لتاركي عبادته مع هذه النعم التي غمرهم بها {أَفَمَنْ يَخْلُقُ} أيها الناس مثل هذه المخلوقات العظيمة {كَمَنْ لا يَخْلُقُ} شيئا مثل أوثانكم وتساوون هذا الخلاف الجليل بها مع أنها عاجزة عن حفظ نفسها {أَفَلا تَذَكَّرُونَ} أن مخلوقاته كلها بما فيها أوثانكم التي لا تخلق ولا ترزق لا تستحق للعبادة، فكيف تعبدونها وتتركون عبادة الحق القادر على كل شيء.
هذا، وقد عبر اللّه تعالى عن الأوثان بلفظ من الدالة على من يعقل مع أنها جمادات وينبغي أن يعبر عنها بلفظ ما الموضوعة لما لا يعقل لأنهم لما سموها آلهة أجريت مجرى من يعقل على زعمهم، فخاطبهم جل جلاله على قدر عقولهم فيها وفي الآية الآتية بعد {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها} يا بني آدم لأنها كثيرة منها ظاهرة ومنها خفية، ومنها ما أنتم متيقظون لها وما أنتم غافلون عنها لا تعرفون قدرها، لأن المعافى الآمن لا يعرف نعمتهما إلا عند طروء الخوف والمرض، والسميع البصير لا يعرف نعمتهما إلا عند فقدهما، وكذلك بقية الأعضاء والمأكولات والمشروبات والملبوسات والمركوبات والأموال والأولاد والنساء والسكن لا يعلم قدرها إلا عند زوالها، وقد أنعم اللّه نعما كثيرة لا يحصيها إلا هو {إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ} لعباده إذا نسوا نعمه فتيقظوا وتابوا وقاموا بشكرها {رَحِيمٌ} بهم يعفو عما سلف منهم ومن رحمته التجاوز عن قصورهم وتكثير نعمه عليهم وإمهالهم بالعقوبة ليرجعوا إليه {وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ} من أقوالكم وأفعالكم {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وتسمونها آلهة {لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا} مما ذكر أبدا {وَهُمْ يُخْلَقُونَ} بصنعكم وبعمل أيديكم التي هي من خلقنا، ولا تكرار هنا لأن الآية الأولى دلت على أنها لا تخلق شيئا، وهذه تدل على أنها نفسها مخلوقة ففيها زيادة في المعنى ونادرة أخرى وهي {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياء} فكيف يكون الميت إلها، ومن شأن الإله أن يكون حيا يحي ويميت مجيبا لمن دعاه {وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} للحساب والجزاء والعقاب وفي هذه الآية دلالة على أن اللّه تعالى يبعثها يوم القيامة بخلاف سائر الجمادات، والحكمة من بعثها تكذيب عابديها وتبرؤها منهم إذ يجعلها القدير صالحة للكلام إظهارا لبطلان زعمهم فيها من الشفاعة لهم والتقرب إلى اللّه بعبادتهم.
فيا بني آدم {إِلهُكُمْ} الذي يستحق العبادة ويفعل الخير والشر {إِلهٌ واحِدٌ} هو اللّه لا إله غيره الذي تجدونه غدا في الآخرة ينعم الطائع بالجنة ويعذّب العاصي بالنار {فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ} هذا الإله العظيم جاحدة وحدانيته {وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} 22 عن عبادته خاضعون لعبادة الأوثان مائلون لحبها.

.مطلب {لا جرم} ولفظها وإعرابها وقدم لسان العرب وتبلبل الألسن وذم الكبر:

{لا جَرَمَ} قال البصريون إن لا من لا جرم ردّ لكلام سابق مثل قوله تعالى: {لا أُقْسِمُ} وهو هنا إنكار قلوبهم التوحيد واستكبارهم عنه، وجرم فعل ماض بمعنى ثبت وحق ووجب وعلى هذا قوله:
ولقد طعنت أبا عبيدة طعنة ** جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا

وان مع ما في حيّزها فاعلة أي ثبت وحق علم اللّه تعالى بسرهم وعلانيتهم وعدم محبته للمستكبرين المشار إليهم في قوله: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} عن عبادته والإنابة لطاعته والانقياد لأمره، وعليه يكون المعنى أن من حق العالم بالسرّ والعلانية أن لا ينكر وحدانيته ولا يستكبر عن عبادته، ويجوز أن تكون بمعنى كسب وفاعله يعود على ما قبله والجملة بعدها محلها النصب على أنها مفعولة لها، وبه قال الزجاج، وقيل لا عاملة وجرم اسمها باعتباره مصدرا مبنيا على الفتح وخبرها الجملة في أن واسمها وخبرها، فتكون مثل لابد من التبديد وهو التفريق، أي لا من بطلان دعوة الجحود والاستكبار عن عبادة اللّه، لأن بطلانها أمر ظاهر مقطوع به.
قال الفراء: هذا هو أصل لا جرم لكنه كثر استعماله فصار بمعنى حقا.
ومن العرب من لفظها مثل لفظ لابد بضم الجيم وسكون الراء وفتح الميم، لأن فعل وفعل اخوان كرشد ورشد وعدم وعدم ذكره الكشاف، وهذه اللفظة تؤيد القول باسميتها، وقال الخليل إن جرم مع لا مركب تركيب خمسة عشر وبعد تركيبها صار معناها معنى فعل، وعليه فإن ان وما بعدها يعدها في تأويل مصدر فاعل لها، وقالوا إن لا جرم يعني عن القسم، تقول لا جرم لآتينك، وعليه تكون الجملة بعدها جواب القسم.
وفي عموم هذه الآية يدخل كل متكبر سواء عن عبادة ائمه أو على خلقه.
روى مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر، فقال رجل يا رسول اللّه إن الرجل يحبّ أن يكون نوبه حسنا ونعله حسنا؟ قال إن اللّه جميل يحب الجمال» أي ان هذا من النظافة وهي مطلوبة وليست من الكبر المذموم، والكبر بطر الحق أي جعل الحق باطلا وغمط الناس حقهم أي احتقارهم فلم توهم شيئا وغمص بمعنى غمط، لأن كلّا بمعنى انتقص وازدرى، والتكبر والكبر والاستكبار ألفاظ متقاربة يجوز استعمال بعضها مقام بعض مع فرق بالمعنى، والمفهوم من عدم الحب البغض، لأن من لا يحبه اللّه يبغضه.
قال تعالى: {وَإِذا قِيلَ لَهُمْ} المتكبرين {ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} على نبيكم {قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ} 24 كما قالوا في الآية 5 من سورة الفرقان في ج 1، وإنما قالوا وفاهوا بهذا {لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ} لم ينقص منها شيء لأن ثواب ما فعلوه من صلة رحم وإقراء ضيف وغيره وما أصابهم من البلاء في الدنيا كافأهم اللّه عليه فيها من الرزق والأولاد والعافية وغيرها، فلا يكفر اللّه بها شيئا من أوزارهم لإعطائه لهم بدلها بالدنيا فتبقى أعمالهم السيئة ثابتة عليهم تامة {وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ} أي ويحملون مع أوزارهم بعض أوزار أتباعهم، لأن الرؤساء عليهم وزرهم وشيء من أوزار أتباعهم.
أخرج مسلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا».
{بِغَيْرِ عِلْمٍ} أي يضلونهم من حيث لا يعلمون أن طريقهم الذي يدعون إليه ضلالة، وفيه تنبيه على أن كيدهم لا يروج على من له لب {أَلا ساء ما يَزِرُونَ} أي بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه من الإثم فعلهم المذكور {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من الأمم السابقة بأنبيائها كما مكر قومك بك يا سيد الرسل، وقد قص اللّه عليه مكر قوم إبراهيم وهود وصالح بأنبيائهم وهم عرب مثل قومك، وبهذا يبطل قول من قال إن أصل لسان الناس السريانية، وان تبلبل الألسن كان بعد نمرود، فإذا كان لهذا القول صحة فيكون قبل عاد وثمود وقبل صالح وهود، لأن قومهما كانوا عربا، ولأن أهل اليمن كانوا عربا، لأن جرهم منهم، وكان قبلهم طسم وجديس يتكلمون بالعربية بما يدل عن أن لسان العرب كان قديما، لأن اللّه أرسل هودا وصالحا وهما من ذرية نوح عليه السلام قبل إبراهيم وهما عربيان، ولم يرسل للعرب من ذرية إبراهيم غيرهما وشعيب عربي أيضا وأرسل إليهم إسماعيل عليه السلام قبله وقد تعلم العربية من جرهم، ومن ذريته محمد صلى اللّه عليهم وسلم أجمعين.
ومما يدل على قدم لسان العرب قوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى} الآية 31 من الأحزاب في ج 3، وهذه الآية عامة في كل ما كر كايد مبطل يحاول إلحاق الضرر بالغير.
قال تعالى: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ} أي جاء أمره باستئصال واقتلاع أساطين بنيانهم وأصوله، لأن القواعد أس البناء {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} جاء الظرف تأكيدا لأن الخرور لا يكون إلا من فوق، والأحسن أن يقال يحتمل أنهم عند سقوطه لم يكونوا تحته، فلما قال من فوقهم علم يقينا أنهم تحته فخر عليهم فأهلكوا جميعا {وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ} 26 وهم في مأمن منه معتمدون على قوة بنيانهم.
قال المفسرون المراد بهذا نمروذ بن كنعان حين بنى الصرح ببابل المارّ ذكره في الآية 34 من سورة القصص في ج 1 بطول خمسة آلاف ذراع ارتفاعا بالهواء، وعرض ثلاثة آلاف ذراع، فأهب اللّه تعالى عليه الريح فسقط عليهم وهلكوا، واقتدى به أخوه فرعون إذ أمر وزيره هامان ببناء صرح له راجع الآية 36 من سورة المؤمن المارة، قالوا وقد تبلبلت الألسن من الفزع فتكلم الناس بثلاث وسبعين لغة، وعاش بعد ذلك مدة ثم أهلكه اللّه ببعوضة على ما هو المشهور نقلا عن ابن عباس ومقاتل وكعب، {ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ} فلا يقتصر على عذابهم الدنيوي هذا بل يذلّهم في الآخرة ويهبننهم أيضا {وَيَقُولُ} لهم بمعرض التوبيخ {أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ} تخاصمون المؤمنين على قراءة فتح النون، وعلى كسرها يكون المعنى تخاصمون الحضرة الإلهية {فِيهِمْ} في الدنيا، والمشاقة وجود كل من الخصمين في شق أي طرف غير شق صاحبه، والمعنى هاتوهم ليدفعوا عنكم العذاب كما كنتم تزعمون، فيكتون ويخرسون {قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} أي أنبياؤهم وصلحاؤهم الذين كانوا معهم في الدنيا يدعونهم إلى الإيمان وكانوا يعرضون عنهم، ومقول القول {إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ} 27 وهذا شماتة بهم وزيادة في هوانهم ثم بين هؤلاء الكافرين بقوله: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} استسلموا وأخبتوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق والاستهزاء، وقالوا معتذرين {ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ} في الدنيا، جحدوا كفرهم وخبثهم من شدة الخوف وعظم الهول ولما رأوه من الإهانة، فقال لهم الذين أوتوا العلم {بَلى} كنتم تعملون الأسواء كلها في دنياكم فلا تنكروا {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} فيحق عليهم القول وتقول لهم الملائكة {فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} عن اتباع الرسل والإيمان بهم جهنم.
وذكر الأبواب في الآية دليل على تفاوت منازل أهل النار في العذاب، وذكر الخلود لزيادة همهم وغمهم وحزنهم بقطع أملهم من الخلاص {وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا} بعد إنهاء حال الكفرة، وقد أفردوا بالذّكر ليطلعوا على حال الكافرين ومصيرهم فيفرحوا ويتم سرورهم بثمرة أعمالهم التي كان الكفرة يضحكون منها وتقر أعينهم بانتقام اللّه تعالى لهم منهم فيدخلون الجنة وقد أمنوا على أنفسهم وعرفوا حال أعدائهم {ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ} على رسلكم {قالُوا خَيْرًا} نصب على تقدير أنزل فاطبق الجواب على السؤال لأن القول لا ينصب المفرد ورفع أساطير بالآية الأولى على تقدير حذف المبتدأ المقدر وهو هو وأساطير خبره، ولأنهم عدلوا بالجواب عن السؤال ولم يعتقدوا كونه منزلا، فلم يستحسن الوقف على أساطير لعدم تمام الكلام واستحسن الوقف في هذه الآية على {خيرا} لتمام الكلام، ولهذا حسن الابتداء بقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ} لهم من الدنيا لقوله تعالى: {وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ} في الآخرة التي هي {جَنَّاتُ عَدْنٍ} لهم {يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ} لتمام النعمة وبهجة النظر {لَهُمْ فِيها ما يَشاؤنَ} فيها من كل ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم {كَذلِكَ} مثل هذا الجزاء الحسن {يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} في الآخرة الدائمة وهؤلاء المتقون هم {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ} طاهرين، وهذا بمقابلة {ظالمي أنفسهم} في بيان فريق أهل النار في الآية الأولى {يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ} وبمقابلة قول ملائكة العذاب للكافرين {أدخلوا أبواب جهنم} تقول ملائكة الرحمة {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} في دنياكم.
واعلم أن ما جاء في هذه الآية وفي قوله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها} الآية 73 من سورة الزخرف المارة ونظيرتها الآية 43 من سورة الأعراف في ج 1 والآية 19 من سورة الطور والآية 24 من سورة الحاقة الآتيتين يدل على أن الجنة تكون للشخص بمقابل عمله الحسن.