فصل: من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ}:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ}:

قال الفخر:
ذكروا في تفسير هذا التفريق وجهين:
الأول: أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرًا، وإذا صار كافرًا بانت منه امرأته فيحصل تفرق بينهما.
الثاني: أنه يفرق بينهما بالتمويه والحيل والتضريب وسائر الوجوه المذكورة. اهـ.
قال الفخر:
إنه تعالى لم يذكر ذلك لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا هذا القدر، لكن ذكر هذه الصورة تنبيهًا على سائر الصور، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه إليها معروف زائد على كل مودة، فنبه الله تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله}:

.قال الفخر:

أما قوله تعالى: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ} فإنه يدل على ما ذكرناه لأنه أطلق الضرر، ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه، فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه من أعلى مراتبه.
أما قوله تعالى: {إِلاَّ بِإِذْنِ الله} فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر والله لا يأمر بالسحر ولأنه تعالى أراد عيبهم وذمهم، ولو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلابد من التأويل وفيه وجوه، أحدها: قال الحسن: المراد منه التخلية، يعني السحر إذا سحر إنسانًا فإن شاء الله منعه منه وإن شاء خلى بينه وبين ضرر السحر، وثانيها: قال الأصم: المراد إلا بعلم الله وإنما سمي الأذان أذانًا لأنه إعلام للناس بوقت الصلاة وسمي الأذان إذنًا لأن بالحاسة القائمة به يدرك الأذن، وكذلك قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس يَوْمَ الحج} [التوبة: 3] أي إعلام، وقوله: {فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله} [البقرة: 279] معناه: فاعلموا وقوله: {آذنتكم على سَوَاء} [الأنبياء: 109] يعني أعلمتكم، وثالثها: أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله وإيجاده وإبداعه وما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40].
ورابعها: أن يكون المراد بالإذن الأمر وهذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء وزوجه بأن يصير كافرًا والكفر يقتضي التفريق، فإن هذا حكم شرعي، وذلك لا يكون إلا بأمر الله تعالى. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ في الآخرة مِنْ خلاق}:

.قال الفخر:

إنما ذكر لفظ الشراء على سبيل الاستعارة لوجوه:
أحدها: أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وأقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله، وثانيها؛ أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا.
وثالثها: أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال. اهـ.
قال الفخر:
قال الأكثرون: الخلاق النصيب، قال القفال: يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق ومعناه التقدير ومنه خلق الأديم، ومنه يقال: قدر للرجل كذا درهمًا رزقًا على عمل كذا.
وقال آخرون: الخلاق الخلاص ومنه قول أمية بن أبي الصلت:
يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم ** إلا سرابيل قطران وأغلال

قال الفخر:
بقي في الآية سؤال: وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولًا في قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} ثم نفاه عنهم في قوله: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} والجواب من وجوه، أحدها: أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه وهم الذين قال الله في حقهم: {نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون، وهذا جواب الأخفش وقطرب.
وثانيها: لو سلمنا كون القوم واحدًا ولكنهم علموا شيئًا وجهلوا شيئًا آخر، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق ولكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها.
وثالثها: لو سلمنا أن القوم واحد والمعلوم واحد ولكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار: {عُميًا وبُكمًا وصُمًّا} [الإسراء: 97] إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس.
ويقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه: صنعت ولم تصنع. اهـ.
وقال القاسمي: وإنما نسبوا إلى الجهل لعدم العمل بموجب العلم. اهـ.

.قال الثعالبي:

ت: قال عياض: وأما ما ذكره أهل الأخبار، ونقله المفسِّرون في قصَّة هَارُوت ومَارُوت. وما رُوِيَ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ- رضي اللَّه عنهما- في خَبَرِهما، وابتلائهما، فاعلم- أكرمك اللَّه- أن هذه الأخبار لم يُرْو منها سقيمٌ ولا صحيحٌ عن رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وليس هو شَيْئًا يؤخذ بقياسٍ، والذي منه في القرآن، اختلف المفسِّرون في معناه، وأنكَرَ ما قال بعضهم فيه كثيرٌ من السلف، وهذه الأخبار من كتب اليهود، وافترائهم؛ كما نصَّه اللَّه أول الآيات. انتهى.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من فوائد ابن عرفة في الآية:

قال رحمه الله:
قوله تعالى: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين}.
أي عملوا بمقتضاه، وليس هو من الاتباع الحقيقي، لأن متلو الشياطين لا يتبع إنما يتبع التالي وهو الشيطان لا متلوه.
قوله تعالى: {على مُلْكِ سُلَيْمَانَ}.
قيل؛ أى على عهد سليمان، ويحتمل أن يراد اتّباعهم ما سمعوا أنّ الشيطان كان يتلوه في عهد سليمان، وأنهم يتبعون في عهد سليمان ما يتلوه الشيطان إذّاك؟ قال ابن عرفة: وتعلّم السّحر واعتقاده حقا كفر.
وأما تعلمه من غير اعتقاد حقيقة ففي التكفير به قولان، وظاهر المتكلّمين أنّ التكفير إنّما هو بأحد ثلاثة أمور: إما بقول كلمة الكفر، أو بالسّجود لصنم، أو بالفعل كلبس الزّنار ونحوه.
وجعل الفخر هنا من السحر الشعوذة.
وكان شيخنا ابن عبد السلام يستضعف ذلك وينكره ويقول: إنما ذلك من خفة اليد، وليس بحسر، بخلاف ما يحكى عن غالب العجائبي من أنه كان يزرع الفقوس ويجنيه في ساعة واحدة فإنه سحر.
قال ابن عطية: روي أنهما ملكان اختصمت إليهما إمرأة، وحكى القصة، وضعفه ابن عطية من جهة السند.
قال ابن عرفة: بل هو ضعيف من جهة الاستدلال، فإنه قد قام الدّليل على عصمة الملائكة.
ولا يقال: إنهما كانا معصومين، ثم انتفت العصمة عنهما حينئذ، فإنّ ذلك إنما هو فيمن يتّصف بالحفظ لا بالعصمة، فيصح أن يحفظ تارة دون تارة، أما العصمة فلا تزول عمن ثبتت له أبدا وقد كان الشيوخ يخطئون ابن عطية في هذا الموضوع لأجل ذكره هذه الحكاية.
ونقل بعضهم عن القرافي أن مالكا أنكر ذلك في حق هاروت وماروت.
قال ابن عرفة؛ وكان تَعلم السحر في زمن هاروت وماروت جائزا، وكانوا مأمورين بتعليم النّاس على جهة الابتلاء من الله تعالى لخلقه، فالطائع لا يتعلمه، والعاصي يبادر إليه ويتعلمه كما خلق الله السّم القاتل والحديد وغير ذلك مع أنه لا يجوز تناوله.
فقوله على هذا: فلا يكفر، إما أن يراد به العمل أي تعلمه ولا تعمل به فتكفر، أو يرادُ به نفس العلم أي نحن يجوز لنا تعليمه وغيرنا لا يجوز له أن يتعلمه منا فلا نتعلمه فنكفر، فهم مباح لهم تعليمه للغير، وذلك الغير لا يباح له أن يتعلمه منهم، وكان التعليم حينئذ جائزا ثم نسخ فصار حراما.
وقال الزمخشري: أي فلا نتعلمه معتقدا أنه حق فنكفر.
ومنهم من قال: إن تعلمه جائز أو مطلوب ليفرق بينه وبين المعجزة والكرامة، ولكن ذلك في تعلمه على الجملة لا تعلمه مفصلا، وكلام الزمخشري هنا أنسب من كلام ابن عطية إلا في كلمة واحدة.
وبقوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} استشهد ابن التلمساني في كتاب القياس على أن الفاء تكون للاستئناف.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه}.
ابن عطية: الضمير عائد على بني إسرائيل.
قال ابن عرفة: إمّا عموما أو على علمائهم.
وقيل: على الشيطان، وقيل: على الملكين.
وضعفه ابن عرفة، لأنه جمع فلا يصح الا على القول بأن أقل الجمع اثنان.
فإن قلت: هلا قيل فحفظه في الآخرة جهنم، فهاذ أدل على الخسران في الآخرة، لأن فاعل المباح يصدق عليه أنه ليس له في الآخرة نصيب إذ لا ثواب فيه؟
قلنا: السياق يهدي إلى أن المراد له العذاب، وأن هذا القسم منتف عنهم.
قوله تعالى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.
قال ابن عرفة: جواب {لو} مقدر، أي لو كانوا يعلمون لما شَرَوْا، ولا يصح أنْ يكون جوابها: {لَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ} لأنه مذموم سواء شروه أو لم يشتروه، وسواء علموا أو لَم يَعلموا.
ابن عطية: من أَعَاد الضمير في {وَلَقَدْ عَلِمُواْ} على بني إسرائيل وينتقض ذلك عليه بقوله: {لوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}.
فظاهره أنّهم لم يعلموا ويمكن أن يجاب عنه بأنه مجاز لأنّهم عملوا عمل من لا يعلم، فكأنهم لم يعملوا.
قال ابن عرفة: قال بعضهم: أو يجاب بأنّ قولك: كأن زيدا يعلم كذا، أخص من قولك: علم زيد كذا لاقتضاء الأول تكرّر العلم له ودوامه حتى تطبع به، فأثبت في أول الآية لهم مطلق العلم الصادق بأدنى شيء وقال في آخرها: {لوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} علما ثابتا حقيقيا لما باعوا أنفسهم بذلك.
وشروا بمعنى بَاعُوا. اهـ.

.من فوائد السمرقندي في الآية:

قال رحمه الله:
{واتبعوا مَا تَتْلُو الشياطين}، أي ما كتبت الشياطين ويقال: ما ألقت الشياطين ويقال: ما افتعلته الشياطين {على مُلْكِ سليمان}، أي على عهد ملك سليمان.
ويقال: على بمعنى في، أي في ملك سليمان.
ويقال: في وقت ذهاب ملك سليمان.
ويقال: هذا منسوق على الأول، فكأنّه قال: نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين، أي تركوا سنة أنبياء الله واتبعوا السحر.
ويقال: تركوا شيئين واتبعوا شيئين: تركوا اتباع الكتب واتباع الرسل والعمل بذلك، واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ترويه الشياطين {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هاروت وماروت}.
واختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم إن سليمان عليه السلام أمر بأن لا يتزوج المرأة من غير بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غير بني إسرائيل يقال لها: ضبنة بنت صابورا، فعاقبه الله تعالى بأن أجلس مكانه شيطانًا؛ وكان الناس يظنون أنه سليمان وأشكل عليهم أمره، فجاءوا إلى آصف بن برخيا، وكان معلم سليمان بن داود في حال صغره وكان وزيره في حال كبره وملكه فقالوا له: إن قضاياه لا تشبه قضايا سليمان.
فقام آصف ودخل على نساء سليمان فسألهن عن ذلك فقلن: إن كان هذا سليمان فقد هلكتم والله ما يعتزل منا حائضًا، وما يغتسل من جنابة.
هكذا ذكر في رواية الكلبي.
وقال بعضهم: هذا خطأ لأن نساء الأنبياء معافيات معصومات عن الفواحش، فلا يجوز أن يظن بهن أن الشيطان يقربهن.
وقال بعضهم: كان هذا على وجه الخيال لا على وجه الحقيقة، لأن الشيطان روحاني وليس له جسم، فلا يجوز أن تقع بينه وبين آدمي شهوة ولكن كان يريهن ذلك على وجه الخيال.
فلما عرف الشيطان أن الناس علموا بحاله، كتب سحرًا كثيرًا وجعله تحت كرسيه وألقى خاتم سليمان في البحر وهرب.
وكان سليمان عليه السلام خرج إلى ساحل البحر وأجَّر نفسه للملاحين كل يوم بسمكتين، فلما أعطوه أجره، باع إحداهما واشترى به الخبز وشق بطن الأخرى، فوجد الخاتم في بطنها فرجع إلى ملكه؛ فلما توفي سليمان جاء الشيطان على صورة آدمي وقال: إن أردتم أن تعلموا علم سليمان بن داود عليهما السلام فانظروا تحت كرسيه.
فنظروا وحفروا ذلك الموضع وأخرجوا كتبًا كثيرة فوجدوا فيها السحر والكفر، فقال العلماء منهم: لا يجوز أن يكون هذا من علم سليمان، وقال السفهاء منهم: بل هذا من علم سليمان واتبعوه، فنزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء عذرًا لسليمان عليه السلام.
ثم قال تعالى: {واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سليمان وَمَا كَفَرَ سليمان}، أي ما كان ساحرًا.
وفي الآية دليل أن الساحر كافر لأنه سمى السحر كفرًا.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى جزء بن معاوية وهو عم الأحنف بن قيس، أن اقتلوا كل ساحر وساحرة.
ثم قال تعالى: {ولكن الشياطين كَفَرُواْ}، أي هم الذين كتبوا السحر.
قرأ حمزة والكسائي {ولكن الشياطين} بكسر النون من غير تشديد ورفع الشياطينُ، وقرأ الباقون بتشديد النون مع النصب وبفتح النون في {الشياطين}.
وهذا هو الأصل في اللغة، أن كلمتي إن ولكن إذا كانا مشددين ينصب ما بعدهما، وإن لم يكونا مشددين يرفع ما بعدهما.
وقال بعضهم لنزول هذه الآية سبب آخر، وذلك أن الشياطين كانوا يسترقون السمع ويعلمون الناس السحر والنيرنجات، فكان سليمان يأخذ ذلك منهم ويدفنه تحت الأرض، فلما مات سليمان قالت الشياطين للناس: إن علم سليمان مدفون في موضع كذا وكذا، فحفروا ذلك الموضع وأخرجوا منه كتبًا كثيرة.
وقال بعضهم: معناه أن سليمان كان إذا أصبح كل يوم، رأى نباتًا بين يديه فيقول له: لأي دواء أنت؟ فيقول: إني دواء لكذا وكذا، وإن اسمي كذا كذا.
فكان سليمان يكتب ذلك ويدفنه، فنبت يومًا من الأيام نبات بين يديه فقال له سليمان: ما اسمك؟ فقال: خرنوب.
فقال له: لأي دواء أنت؟ فقال: إني لخراب المسجد.
فعلم سليمان أنه قد جاء أجله، لأنه علم أن المسجد لا يخرب في حياته، وكان له صحيفة فيها يكتب أسماء الأدوية ويضعها في الخزانة، فكتبت الشياطين سحرًا ووضعوه في ذلك الموضع، فلما مات سليمان وجدوا ذلك في كتبه فاتبعه بعض الناس فذلك قوله: {وَمَا كَفَرَ سليمان ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلّمُونَ الناس السحر}.
ثم قال: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين}، أي واتبعوا الذي أنزل على الملكين {بِبَابِلَ هاروت وماروت}.
وقال القاضي الخليل بن أحمد قال: حدثنا الماسرجي فقال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا حكام بن سلم الرازي قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين}.
قال: إن الناس بعد آدم وقعوا في الشرك، واتخذوا هذه الأصنام، وعبدوا غير الله تعالى، فجعلت الملائكة يدعون عليهم ويقولون: ربنا خلقت عبادك فأحسنت خلقهم، ورزقتهم فأحسنت رزقهم، فعصوك وعبدوا غيرك.
فقال لهم الرب عز وجل: إنهم في عذر، وقيل: في عيب فجعلوا لا يعذرونهم ولا يقبلون ويدعون عليهم.
فقال لهم الرب: اختاروا منكم اثنين.
فأهبطهما إلى الأرض فآمرهما وأنهاهما، فاختاروا هاروت وماروت؛ فأهبطهما الله تعالى إلى الأرض فأمرهما ونهاهما عن الزنى وقتل النفس وشرب الخمر، فمكثا زمانًا في الأرض يحكمان بالحق.
وكان في ذلك الزمان امرأة فضِّلت بالحسن على سائر النساء، فأتيا عليها فخضعا لها بالقول وراوداها عن نفسها فقالت: لا حتى تصليا لهذا الصنم، أو تقتلا هذه النفس، أو تشربا هذه الخمر.
فقالا: أهون الثلاثة شرب الخمر.
فلما شربا الخمر سجدا للصنم وفعلا بالمرأة وقتلا النفس، فكشف الغطاء فيما بينهما وبين الملائكة، فنظروا إليهما وما يفعلان، فجعلت الملائكة يعذرون بني آدم أهل الأرض ويستغفرون لمن فيها فقيل لهاروت وماروت: اختارا إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة.
فقالا: عذاب الدنيا يذهب وينقطع وعذاب الآخرة لا انقطاع له ثم اختاروا عذاب الدنيا.
فهما يعذبان إلى يوم القيامة.
وروي في الخبر أن المرأة تعلمت منهما اسم الله الأعظم، فصعدت به إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكبًا.
ويقال: هو الكوكب الذي يقال له الزهرة.
وروي عن ابن عمر أنه كان إذا نظر إلى الزهرة لعنها ويقول: هي التي فتنت هاروت وماروت.
وروي عن علي رضي الله عنه هذا.
وقال بعضهم: هذا لا يصح، لأن هذا الكوكب قد كان خلقه في الأصل حين خلق النجوم، وجعل مقادير الأشياء على سبع من الكواكب، وجعل لكل كوكب سلطانًا، وجعل سلطان الزهرة الرطوبة.
وقال بعضهم: إن كوكب الزهرة قد كان، ولكن الله تعالى مسخ هذه المرأة على شبه الكوكب فهي تعذب هناك.
وقال بعضهم: قد صارت إلى النار، كما أن سائر الأشياء التي مسخت لم يبق منها أثر فذلك قوله تعالى: {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين}، يعني اليهود اتبعوا ما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت.
{وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى}، قال بعضهم: هذا الحرف أعني {مَا} للنفي، فكأنه يقول: ولم ينزل على الملكين السحر.
وقال بعضهم: إن إبليس لعنه الله قد جاء بالسحر ووضعه عند أقدامهما، وهما معلقان بالسلة فتذهب اليهود تتعلم السحر من تلك الكتب والملكين.
{يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}، أي فلا تتعلم السحر، لأنه لا يجوز للملكين أن يعلِّما الكفر.
وقال بعضهم: ويبينان أن عمل السحر كفر، وينهيان عن التعلم ويبيِّنان كيفية السحر وهو بمنزلة رجل قال لآخر: علِّمني ما الزنى أو علمني ما السرقة فيقول: إن الزنى كذا وكذا، وهو حرام فلا تفعل وإن السرقة كذا وكذا هي حرام فلا تفعل.
كذلك هاهنا الملكان يقولان: السحر كذا وكذا، وهو كفر فلا تكفر.
وقرأ بعضم {وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين} بكسر اللام وهي قراءة شاذة، يعني كانا ملكين في بني إسرائيل فمسخهما الله تعالى.
وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} أي اختبار وابتلاء.
وأصل الفتنة الاختبار.
قوله: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} أي من الملكين: {مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ}، أي فيتعلمون منهما من السحر ما يفرقون به بين الرجل وزوجته، يؤخذ الرجل عن المرأة حتى لا يقدر على الجماع.
ثم قال تعالى: {وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله}، أي بإرادة الله تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ}، أي ما يضر في الدنيا ولا ينفعهم في الآخرة، يعني السحر.
{وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ في الاخرة مِنْ خلاق}، يعني اليهود علموا في التوراة أن من اختار السحر ما له في الآخرة من خلاق يعني نصيب.
والخلاق في اللغة: هو النصيب الوافر.
{وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}، أي باعوا به، يعني بئسما باعوا به أنفهسم.
ويقال: بئس ما اختاروا لأنفسهم السحر على كتاب الله تعالى وسنن أنبيائه لو كانوا يعلمون، ولكنهم لا يعلمون.
فإن قيل: ذكر في الآية الأولى: {وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه} وفي هذه الآية يقول: {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} فمرة يقول: يعلمون، ومرة يقول: لا يعلمون.
فالجواب أن يقال: إنهم يعلمون ولكن لا منفعة لهم في علمهم، وكل عالم لا يعمل بعلمه فليس بعالم، لأنه يتعلم العلم لكي ينتفع به، فإذا لم ينتفع به فكأنه لم يتعلم، فكذلك ها هنا {لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}، لو كانوا يعرفون للعلم حقه. اهـ.