فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



تنبيه:
هذا التفاوت ليس مختصًا بالمال بل هو حاصل في الذكاء والبلادة، والحسن والقبح، والعقل والحمق، والصحة والسقم، والاسم الحسن والاسم القبيح، وهذا بحر لا ساحل له. قال الرازي: وقد كنت مصاحبًا لبعض الملوك في بعض الأسفار، وكان ذلك الملك كثير المال والجاه، فكانت الجنائب الكثيرة تقاد بين يديه، وما كان يمكنه ركوب واحد منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه الكثيرة العطرة عنده، وما كان يمكنه أن يتناول شيئًا منها وكان من الفقراء من هو صحيح المزاج وقوي البنية كامل القوّة وما كان يجد ملء بطنه طعامًا فذلك الملك وإن كان يفضل هذا الفقير في المال إلا أنّ هذا الفقير كان يفضل ذلك الملك في الصحة والقوّة وهذا باب واسع إذا اعتبره الإنسان عظم تعجبه فيه، فنسأل الله تعالى أن يغنينا من فضله وأن يرضينا بما قسم لنا إنه كريم جواد.
ثم ضرب الله تعالى مثلًا للذين جعلوا لله شركاء بقوله تعالى: {فما الذين فضلوا} أي: في الرزق وهم الموالي {برادّي رزقهم على ما ملكت أيمانهم} أي: بجاعلي ما رزقناهم من الأموال وغيرها بينهم وبين مماليكهم {فهم} أي: المماليك والموالي {فيه سواء} أي: شركاء يقول الله تعالى هم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء فكيف يجعلون بعض عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني، وقيل: معنى الآية أنّ الموالي والمماليك الله رازقهم جميعًا فهم في رزقه سواء فلا تحسبن الموالي يردّون أرزاقهم على مماليكهم من عند أنفسهم بل ذلك رزق الله أجراه على أيدي الموالي للماليك.
والمقصود منه بيان أنّ الرازق هو الله تعالى لجميع خلقه وأنّ الموالي والمماليك في ذلك الرزق سواء وأنّ المالك لا يرزق المملوك وإنما ذلك رزقي أجريته إليهم على أيديهم فالرازق للمالك والمملوك هو الله تعالى.
ولما قرّر سبحانه وتعالى هذه الدلائل وبينها وأظهرها بحيث يفهمها كل عاقل كان ذلك إنعامًا عظيمًا منه على الخلق فعند هذا قال: {أفبنعمة الله} في تقرير هذه البيانات وإيضاح هذه البينات {يجحدون} أن يكفرون وفي ذلك إنكار على المشركين حيث جحدوا نعمته وعبدوا غيره وجعلوا له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم فيسوّون بينهم وبينه في ذلك، وقرأ شعبة بالتاء على الخطاب والباقون بالياء على الغيبة ثم إنه تعالى ذكر نوعًا آخر من أحوال الناس ليستدلّ به على وجود الإله المختار الحكيم وتنبيهًا على إنعام الله تعالى على عبيده بمثل هذه النعم بقوله تعالى: {والله} أي: الذي له تمام القدرة وكمال العلم {جعل لكم من أنفسكم أزواجًا} أي: من جنسكم لتستأنسوا بها ولتكون أولادكم منكم فخلق حوّاء من ضلع آدم وسائر الناس من نطف الرجال والنساء فهو خطاب عام فتخصيصه بآدم وحوّاء فقط خلاف الدليل، والمعنى أنه تعالى خلق النساء لتتزوّج بهنّ الذكور ومعنى من أنفسكم كقوله تعالى: {فاقتلوا أنفسكم} [البقرة] {فسلموا على أنفسكم} [النور] أي: بعضكم بعضًا ونظيره قوله تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا} [الروم].
{وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} والحفدة جمع حافد وهو المسرع بالخدمةالمسارع إلى الطاعة ومنه قول القانت: وإليك نسعى ونحفد، أي: نسرع إلى طاعتك هذا أصله في اللغة.
واختلف فيه أقوال المفسرين فقال ابن مسعود والنخعي: الحفدة أختان الرجل على بناته، وعن ابن مسعود أنهم أصهاره فهو بمعنى الأوّل وعلى هذا يكون معنى الآية وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوّجونهنّ فيحصل لكم بسببهنّ الأختان والأصهار، وقال الحسن وعكرمة والضحاك: هم الخدم، وقال مجاهد: هم الأعوان وكل من أعانك فهو حفيدك، وقال عطاء: هم ولد الرجل الذين يعينونه ويخدمونه، وقال الكلبي ومقاتل: البنون هم الصغار والحفدة كبار الأولاد الذين يعينون الرجل الذين ليسوا منه، أي: أولاد المرأة من الزوج الأوّل. قال الرازي: والأولى دخول الكل فيه لأنّ اللفظ محتمل للكل بحسب المعنى المشترك. قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالحفدة البنون أنفسهم كأنه قيل: جعل لكم منهنّ أولادًا هم بنون وهم حافدون، أي: جامعون بين الأمرين انتهى، ومع هذا فالمشهور أنّ الحافد ولد الولد من الذكور والإناث.

.قال القاسمي:

{وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ}.
إعلام بنهيه الصريح عن الإشراك، وبأمره بعبادته وحده، وإنما خصص هذا العدد؛ لأنه الأقل، فيعلم انتفاء ما فوقه بالدلالة. فإن قيل: الواحد والمثنى نص في معناهما، لا يحتاج معهما إلى ذكر العدد، كما يذكر مع الجميع. أي: في نحو رجال ثلاثة، وأفراس أربعة؛ لأن المعدود عارٍ عن الدلالة على العدد الخاص، فلِمَ ذكر العدد فيهما؟ أجيب بأن العدد يدل على أمرين: الجنسية والعدد المخصوص. فلما أريد الثاني صرح به للدلالة على أنه المقصود الذي سيق له الكلام وتوجه له النهي دون غيره. فإنه قد يراد بالمفرد الجنس، نحو: نعم الرجل زيد، وكذا المثنى كقوله:
فإن النار بالعودين تذكى ** وإن الحرب أولها الكلام

وقيل: ذكر العدد للإيماء بأن الاثنينية تنافي الألوهية. فهو في معنى قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، فلذا صرح بها، وعقبت بذكر الوحدة التي هي من لوازم الألوهية.
قال الشهاب: ولا حاجة إلى جعل الضمير للمعبود بحق المراد من الجلالة على طريق الاستخدام.
وقوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهَ} معطوف على قوله: {وَلِلَّه يَسْجُدُ} أو على قوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ} وقيل: إنه معطوف على: {مَا خَلَقَ اللَّهُ} على أسلوب:
علفتها تبنا وماء باردا

أي: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللّهُ} ولم يسمعوا ما قال الله؟ ولا يخفى تكلفه، وفي قوله: {فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ} التفات عن الغيبة، مبالغة في الترهيب. فإن تخويف الحاضر مواجهة، أبلغ من ترهيب الغائب، لاسيما بعد وصفه بالوحدة والألوهية المقتضية للعظمة والقدرة التامة على الانتقام، وقوله تعالى: {وَلَهُ مَا فِي الْسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} معطوف على قوله: {إِنَّمَا هوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} أو على الخبر، أو مستأنف {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا} أي: العبادة لازمة له وحده، ولزومها له ينافي خوف الغير؛ إذ يقتضي تخصيصه تعالى بالرهبة والخشية، وهذا كقوله: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عِمْرَان: 83].
{أَفَغَيْرَ اللّهِ تَتَّقُونَ} أي: وهو مالك النفع والضر.
{وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ} أي فمن فضله وإحسانه: {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} أي: لا تتضرعون إلا إليه؛ لعلمكم أنه لا يقدر على كشفه إلا هو سبحانه، والجؤار: رفع الصوت. يقال: جأر إذا أفرط في الدعاء والتضرع، وأصله صياح الوحش.
{ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ} أي: بنسبة النعمة إلى غيره ورؤيتها منه، وكذا بنسبة الضر إلى الغير، وإحالة الذنب في ذلك عليه، والاستعانة في رفعه به، وذلك هو كفران النعمة، والغفلة عن المنعم المشار إليهما بقوله: {لِيَكْفُرُواْ بِمَا آتَيْنَاهُمْ} أي: من نعمة الكشف عنهم، واللام للعاقبة والصيرورة: {فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} أي: وبال ذلك الكفر، وفيه إشعار بشدة الوعيد، وأنه إنما يعلم بالمشاهدة، ولا يمكن وصفه، فلذا أبهم.
وللقاشانيِّ وجه آخر، قال: أو فسوف تعلمون، بظهور التوحيد، أن لا تأثير لغير الله في شيء. ثم بيَّن تعالى من مثالب المشركين بقوله: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ} أي: لآلهتهم التي لا علم لها؛ لأنها جماد: {نَصِيبًا مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أي: من الزرع والأنعام وغيرهما تقربًا إليها: {تَاللّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ} أي: من أنها آلهة يتقرب إليها، ومرَّ نظير الآية في سورة الأنعام في قوله سبحانه: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَمِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا} [الأنعام: 136]. الآية، فانظر تفصيلها ثمة.
{وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ} هذا بيان لعظيمة من عظائمهم، وهو جعلهم الملائكة الذين هم عَبَّاد الرحمن بنات لله، فنسبوا له تعالى ولدًا ولا ولد له، واجترءوا على التفوه بمثل ذلك، وعلى نسبة أدنى القسمين له من الأولاد، وهو البنات، وهم لا يرضونها لأنفسهم؛ لأنهم يشتهون الذكور، أي: يختارونهم لأنفسهم ويأنفون من البنات، وقد نزه مقامه الأقدس عن ذلك بقوله: {سُبْحَانَهُ} أي: عن إفكهم وقولهم، وفيه تعجب من جراءتهم على التفوه بهذا المنكر من القول، ومن مقاسمتهم لجلاله بالاستئثار كما قال سبحانه: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} [النجم: 21- 22]، وقال تعالى: {أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِيْنَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [الصافات: 151- 154]. ثم أشار إلى شدة كراهتهم للإناث، بما يمثل عظم تلك النسبة إلى الجناب الأقدس وفظاعتها، بقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ} أي: صار أو دام النهار كله: {مُسْوَدًّا} أي: متغيرًا من الغم والحزن والغيظ والكراهية التي حصلت له عند هذه البشارة، وسواد الوجه وبياضه يعبر عن المساءة والمسرة، كناية أو مجازًا {وَهُوَ كَظِيمٌ} أي: مشتد الغيظ على امرأته؛ لأنه بزعمه، حصل له منها ما يوجب أشد الحياء، حتى أنه: {يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ} أي: يستخفي منهم: {مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} أي: من أجله وخوف التعيير به. ثم يفكر فيما يصنع به، وهو قوله تعالى: {أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ} أي: محدثًا نفسه متفكرًا في أن يتركه على هوانٍ وذلٍّ، لا يورِّثه ولا يعتني به، ويفضل ذكور ولده عليه: {أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ} أي: يخفيه ويدفنه فيه حيًا: {أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ} أي: حيث يجعلون الولد الذي هذا شأنه من الحقارة والهون عندهم، لله تعالى وتقدس، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف، وقوله تعالى: {لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} أي: مثل من ذكرت مساوئهم: {مَثَلُ السَّوْءِ} أي: صفات الذل من الحاجة إلى الأولاد وكراهية الإناث ووَأدهن، خشية الإملاق، المنادى كل ذلك بالعجز والقصور والشح البالغ، ووضع الموصول موضع الضمير؛ للإشعار بأن مدار اتصافهم بتلك القبائح هو الكفر بالآخرة: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} أي: الوصف العالي الشأن، وهو الغني عن العالمين، والكمال المطلق والتقدس عن سمات المخلوقين: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}.
ثم أخبر تعالى عن حلمه بخلقه، مع ظلمهم بقوله: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم} أي: بكفرهم ومعاصيهم التي منها ما عدد من المساوئ المتقدمة: {مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا} أي: على الأرض المدلول عليها بالناس، وبقوله تعالى: {مِن دَآبَّةٍ} أي: لأهلكها بالمرة بشؤم ظلم الظالمين: {وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى} أي: وقت معين تقتضيه الحكمة. يستغفر منهم من يستغفر فيغفر له، ويصر من يصر فيزداد عذابًا: {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ} أي: المسمى: {لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ}.
{وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ} أي: ينسون إليه: {مَا يَكْرَهُونَ} أي: من البنات ومن الشركاء، وهم يأنفون من الأولى كما يكرهون مشاركة أحد لهم في مالهم، وهو تكرير لما سبق، تثنيةً للتقريع وتوطئةً لقوله تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى} أي: يجعلون لله ذلك، مع دعواهم أن لهم العاقبة الحسنى عند الله، إن كان ثم معاد، كما قصه تعالى عنهم بقوله: {وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى} [فصلت: من الآية 50]، يعني جَمَعَ هؤلاء بين عمل السوء وتمنِّي المحال، بأن يجازوا على ذلك حسنًا.
وقد روي أنه وجد في أحد أحجار الكعبة لما جدِّدت مكتوبًا: تعملون السيئات وتَجْزَوْنَ الحسنات. أجل. كما يجتبى من الشوك العنب، و: {أَنَّ لَهُمُ} إلخ. بدل من {الكذب} أو بتقدير بأن لهم.
قال الشهاب: قوله تعالى: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ} من بليغ الكلام وبديعه كقولهم: عينها تصف السحر أي: ساحرة، وقدها يصف الهيف، أي: هيفاء.
قال أبو العلاء المعري:
سرى برق المعرة بعد وهن ** فبات برامة يصف الكلالا

ثم رد كلامهم وأثبت ضده بقوله سبحانه: {لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ} أي: معجَّلون إليها ومُقدَّمونَ. من {الفرط} وهو السابق إلى الورد. يقال: أفرطته في طلب الماء إذا قدمته. أو متروكون منسيِّون في النار. من {أفرطته} بمعنى تركته ونسيته، على ما حكاه الفراء، كقوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا} [الأعراف: 51]، وقرأ نافع: {مُفْرِطُونَ} بكسر الراء. اسم فاعل من {أفرط} إذا تجاوز، أي: متجاوزو الحد في معاصي الله، وقرأ أبو جعفر بكسر الراء المشددة من {فرَّط في كذا} إذا قصر، ويقرب من الآية ما قص عنهم في قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [فصلت: 50]، وقال تعالى: {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا} [الكهف: 35- 36].
ثم ذكر تعالى نعمته في إرسال الرسل وتكذيب أممهم؛ ليتأسى صلوات الله عليه بهم بقوله سبحانه: {تَاللّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} أي: من الكفر والتكذيب والعناد: {فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ} أي: قرينهم، يُغويهم. أو المراد باليوم: يوم القيامة، والولي بمعنى الناصر، وجعله ناصرًا فيه، مع أنهم لا ينصرون؛ مبالغة في نفيه وتهكم، على حدِّ {عتابه السيف}: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ} أي: فالقرآن هو الفرقان الفاصل بين الحق والباطل، وكل ما يتنازع فيه: {وَهُدًى} أي: للقلوب: {وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} ثم أشار إلى عظيم قدرته في آياته الكونية الدالة على وحدانيته، إثر قدرته في إحياء القلوب الميتة بالكفر، بما أنزله من وحيه وهداه ورحمته، بقوله: {وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء} أي: المزن: {مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: بالنبات والزرع، بعد جدبها ويبسها: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} أي: هذا التذكير، ويعقلون وجه دلالته.
{وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ} وهو ما في الكرش من الثفل: {وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ} أي: سهل المرور في حلقهم.
بيَّن تعالى آيته في الأنعام بما ذكر؛ ليستدل به على وحدانيته وانفراده بالألوهية، وليستدل به أيضًا على الحشر. فإن العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والتراب. فقلبُ الطين نباتًا وعشبًا، ثم تبديله دمًا في جوف الحيوان، ثم تحويله إلى لبن؛ أعظم عبرة على قدرته تعالى على قلب هذه الأجسام الميتة من صفة إلى صفة، وإنما ذكر الضمير في بطونه هنا، وأنثه في سورة المؤمنين؛ لكون الأنعام اسم جمع، فيذكر ويفرد ضميره، باعتبار لفظه، ويؤنث ويجمع باعتبار معناه.
وقوله: {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} بيان لآيته تعالى في الثمرات المذكورة، ومنته في المشروب منها والمطعوم، و{السَّكَرُ}: مصدر سمي به الخمر. فهو بمعنى السُّكْر كالرُّشَد والرُّشْد.