فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال أبو بكر الوراق: النحلة لما اتبعت الأمر وسلكت سبل ربها على ما أمرت به جعل لعابها شفاء للناس كذلك المؤمن إذا اتبع الأمر وحفظ السر وأقبل على ربه عز وجل جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق فمن نظر إليه اعتبر ومن سمع كلامه اتعظ ومن جالسه سعد انتهى.
وفي الآية إشارة أيضًا إلى أنه تعالى قد يودع الشخص الحقير الشيء العزيز فإنه سبحانه أودع النحل وهي من أحقر الحيوانات وأضعفها العسل وهو من ألذ المذوقات وأحلاها فلا ينبغي التقيد بالصور والاحتجاب بالهيآت، وفي الحديث: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله تعالى لأبره» وعن يعسوب المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال: {والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ في الرزق} [النحل: 71]. قيل: الإشارة فيه إلى تفاوت أرزاق السالكين فرزق بعضهم طاعات، وبعض آخر مقامات وبعض حالات وبعض مكاشفات وبعض مشاهدات وبعض معرفة وبعض محبة وبعض توحيد إلى غير ذلك، وذكروا أن رزق الأشباح العبودية ورزق الأرواح رؤية أنوار الربوبية ورزق العقول الأفكار ورزق القلوب الأذكار ورزق الأسرار حقائق العلوم الغيبية المكشوفة لها في مجالس القرب ومشاهدة الغيب {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الامثال} لتقدسه تعالى عن الأوهام والإشارات والعبارات وتنزهه سبحانه عن درك الخليقة فإن الخلق لا يدرك إلا خلقًا، ولذا قال علي كرم الله تعالى وجهه: إنما تحد الأدوات أنفسها وتشير الآلات إلى نظائرها فلا يعرف الله تعالى إلا الله عز وجل وعل النهي بقوله تعالى: {إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 74]. {ضَرَبَ الله مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا} محبًا لغير الله تعالى ولا شك أن المحب أسير بيد المحبوب لا يقدر على شيء لأنه مقيد بوثاق المحبة {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا} فجعلناه محبًا لنا مقبلًا بقلبه علينا متجردًا عما سوانا وآتيناه من لدنا علمًا {فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّا} وذلك من النعم الباطنة {وَجَهْرًا} [النحل: 75]، وذلك من النعم الظاهرة {وَضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ} لا استعداد فيه للنطق وهو مثل المشرك {لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء} لعدم استطاعته وقصور قوته للنقص اللازم لاستعداده {وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ} لعجزه بالطبع عن تحصيل حاجة {أَيْنَمَا يُوَجّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ} لعدم استعداده وشرارته بالطبع فلا يناسب إلا الشر الذي هو العدم {هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل} وهو الموحد القائم بالله تعالى الفاني عن غيره، والعدل على ما قيل: ظل الوحدة في عالم الكثرة {وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ} [النحل: 76]. صراط العزيز الحميد الذي عليه خاصته تعالى من أهل البقاء بعد الفناء الممدود على نار الطبيعة لأهل الحقيقة يمرون عليه كالبرق اللامع {وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض} علم مراتب الغيوب أو ما غاب من حقيقتهما أو ما خفي فيهما من أمر القيامة الكبرى {وَمَا أَمْرُ الساعة} أي القيامة الكبرى بالقياس إلى الأمور الزمانية {إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} وهو بناء على التمثيل وإلا فقد قيل: إن أمر الساعة ليس بزماني وما كان كذلك يدركه من يدركه لا في الزمان {إِنَّ الله على كُلِّ شيء قَدِيرٌ} [النحل: 77]، ومن ذلك أمر الساعة {والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا} [النحل: 78]. الآية، قال في أسرار القرآن: أخبر سبحانه أنه أخرجهم من بطون الأقدار وأرحام العدم وأصلاب المشيئة على نعت الجهل لا يعلمون شيئًا من أحكام الربوبية وأمور العبودية وأوصاف الأزل فألبسهم أسماعًا من نور سمعه وكساهم أبصارًا من نور بصره وأودع في قلوبهم علوم لعلهم يشكرونه انتهى.
وهو ظاهر في أن المراد بالأفئدة القلوب.
وذكر بعض من أدركناه من المرتاضين في كتابه الفوائد وشرحه أن مشاعر الإنسان الصدر، والمراد به الخيال والنفس الكلية التي هي محل الصور العلمية كلية أو جزئية فهو محل العلم المقابل للجهل، والقلب وهو محل المعاني واليقين بالنسب الحكمية ويقابله الشك والريب، والفؤاد وهو محل المعارف الإلهية المجرد عن جميع الصور والنسب والأوضاع والإشارات والجهات والأوقات ويقابلها الإنكار وهو أعلى المشاعر، ونور الله تعالى المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى» وهو الوجود لأنه الجهة العليا من الإنسان أعني وجهه من جهة ربه وبه يعرف الله تعالى وهو في الإنسان بمنزلة الملك في المدينة والقلب بمنزلة الوزير له انتهى، وله أيضًا كلام في الأم وكذا في الأب غير ما ذكر، وذلك أنه يطلق الأب على المادة والأم على الصورة، وزعم أن قول الصادق رضي الله تعالى عنه: إن الله تعالى خلق المؤمنين من نوره وصبغهم في رحمته فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه أبوه النور وأمه الرحمة إشارة إلى ذلك وأن ما اصطلح عليه المتقدمون والحكماء من أن الأب هو الصورة والأم هي المادة وأن الصورة إذا نكحت المادة تولد عنهما الشيء توهمًا منهم أن النشور والخلق في بطن المادة بعيد من جهة المناسبة إلى آخر ما قال فتفطن وإياك أن تعدل عن الطريق السوي {أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات في جَوّ السماء} فيه إشارة إلى تسخير طير القوى الروحانية والنفسانية من الفكر والعقل النظري والعملي بل الوهم والتخيل في فضاء عالم الأرواح {مَا يُمْسِكُهُنَّ} من غير تعلق بمادة ولا اعتماد على جسم ثقيل {إِلاَّ الله} [النحل: 79]. عز وجل: {والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ ظلالا} وهو ما يستظل به من وهج نار الحاجة فالماء ظل للعطشان والطعام ظل للجيعان وكل ما يقوم بحاجة شخص ظل له، وفي الخبر «السلطان ظل الله تعالى في الأرض يأوي إليه كل مظلوم»، وقيل: الظلال الأولياء يستظل بهم المريدون من شدة حر الهجران ويأوون إليهم من قهر الطغيان، وقد يؤل قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا} بنحو هذا فما أشبه الأولياء بالجبال {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر} فيه إشارة إلى ما جعل للعارفين من سرابيل روح الأنس لئلا يحترقوا بنيران القدس وأشار تعالى بقوله جل جلاله: {وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} إلى ما من به من المعرفة والمحبة ليدفع بذلك كيد الشياطين والنفوس {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81]. تنقادون لأمره سبحانه في العبودية وتخضعون لعز الربوية، قال ابن عطاء: تمام النعمة السكون إلى المنعم، وقال حمدون: تمامها في الدنيا المعرفة وفي الآخرة الرؤية، وقال أبو محمد الحريري: تمامها خلو القلب من الشرك الخفي وسلامة النفس من الرياء والسمعة {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله} وهي هداية النبي أو وجوده بقوة الفطرة {ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} لعنادهم وغلبة صفات نفوسهم {وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون} [النحل: 83]. لشهادة فطرهم بحقيته {وَيَوْمَ نَبْعَثُ كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} في الاعتذار عن التخلف عن دعوته إذ لا عذر لهم {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل: 84]. لأنهم قد حق عليهم القول بمقتضى استعدادهم نسأل الله تعالى العفو والعافية {وَأَلْقَوْاْ إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم} [النحل: 87]. قيل: هذا في الموقف الثاني حين تضعف غواشي أنفسهم المظلمة وترق حجبها الكثيفة وأما في الموقف الأول حين قوة هيآت الرذائل وشدة شكيمة النفس في الشيطنة فلا يستسلمون كما يشير إليه قوله تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ} [المجادلة: 18]، وقيل: المستسلمون بعض والحالفون بعض فافهم والله تعالى أعلم.
{الذين كَفَرُواْ} في أنفسهم {وَصُدُّواْ} غيرهم {عَن سَبِيلِ الله} بمنع من يريد الإسلام عنه وبحمل من استخفوه على الكفر فالصد عن السبيل أعم من المنع عنه ابتداء وبقاء كذا قيل: والظاهر الأول، والظاهر أن الموصول مبتدأ وقوله تعالى: {زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب} خبره، وجوز ابن عطية كون الموصول بدلًا من فاعل {يَفْتَرُونَ} [النحل: 87]، ويكون {زِدْنَاهُمْ} مستأنفًا، وجوز بعضهم كون الأول نصبًا على الذم أو رفعًا عليه فيضمر الناصب والمبتدأ وجوبًا و{زِدْنَاهُمْ} بحاله، وهذه الزيادة إما بالشدة أو بنوع آخر من العذاب والثاني هو المأثور، فقد أخرج ابن مردويه.
والخطيب عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك فقال: «عقارب أمثال النخل الطوال ينهشونهم في جهنم» وروى نحوه الحاكم وصححه والبيهقي وغيره عن ابن مسعود.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: إن أهل النار إذا جزعوا من حرها استغاثوا بضحضاح في النار فإذا أتوه تلقاهم عقارب كأنهن البغال الدهم وأفاعي كأنهم البخاتي فتضربهم فذلك الزيادة، وعن ابن عباس أنها أنهار من صفر مذاب يسيل من تحت العرش يعذبون بها، وعن الزجاج يخرجون من حر النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة برده إلى النار {بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ} متعلق بزدناهم أي زدناهم عذابًا فوق العذاب الذي يستحقونه بكفرهم بسبب استمرارهم على الإفساد وهو الصد عن السبيل، وجوز أن يفسر ذلك بما هو أعم من الكفر والصد، والمعنى زدناهم عذابًا فوق عذابهم الذي يستحقونه بمجرد الكفر والصد بسبب استمرارهم على هذين الأمرين القبيحين، ووجه ذلك أن البقاء على المعصية يومين مثلًا أقبح من البقاء عليها يومًا والبقاء ثلاثة أيام أقبح من البقاء يومين وهكذا، ومن هنا قالوا: الإصرار على الصغيرة كبيرة، وقيل: إن أهل جهنم يستحقون من العذاب مرتبة مخصوصة هي ما يكون لهم أول دخولها والزيادة عليها إنما هي لحفظها إذ لو لم تزد لألفوها وطابت أنفسهم بها كمن وضع يده في ماء حار مثلًا فإنه يجد أول زمان وضعها ما لا يجده بعد مضي ساعة وهو كما ترى. اهـ.

.قال الشنقيطي:

{وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84)}.
قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ}.
لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله: {لاَ يُؤْذَنُ} ولكنه بين في {المرسلات} أن متعلق الإذن الاعتذار. اي لا يؤذن لهم في الاعتذار، لأنهم ليس لهم عذر يصح قبوله، وذلك في قوله: {هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} [المرسلات: 35-36].
فإن قيل: ما وجه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا، وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم. كقوله تعالى عنهم: {والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، وقوله: {مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء} [النحل: 28]، وقوله: {بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئًا} [غافر: 74]، ونحو ذلك من الآيات.
فالجواب- من أوجه:
منها- أنهم يعتذرون حتى إذا قيل لهم: اخسؤوا فيها ولا تكلمون، انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق. كما قال تعالى: {وَوَقَعَ القول بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ} [النمل: 85].
ومنها- أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة. أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم، يصدق عليه في لغة العرب: أنه ليس بشيء، ولذا صرح تعالى بأن المنافققين بكم في قوله: {صُمٌّ بُكْمٌ} [البقرة: 18]. مع قوله عنهم: {وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} [المنافقون: 4]. أب لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، وقال عنهم أيضًا: {فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19]. فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم، مع تصريحه بأنهم بكم- يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء، كما هو واضح، وقال هيبرة بن أبي وهب المخزومي:
وإن كلام المرء فيغير كنهه ** لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها

وقد بينا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في مواضع منه، والترتيب ب {ثمَّ} فيقوله في هذه الآية الكريمة: {لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ} على قوله: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا} لأجل الدلالة على ان ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم.
قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ}.
اعلم أولًا- أن استعتب تستعمل في اللة بمعنى طلب العتبى. اي الرجوع إلى ما يرضي العاتب ويسره. تستعمل أيضًا في اللغة بمعنى أعتب: إذا أعطى العتبى. أي رجع إلى ما يجب العاتب ويرضى، فإذا علمت ذلك- فاعلم أن في قوله: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} وجهين من التفسير متقاربي المعنى.
قال بعض أهل العلم: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا تطلب منهم العتبى، بمعنى لا يكلفون ان يرضوا ربهم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا.
وقال بعض العلماء: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي يعتبون، بمعنى يزال عنهمالعتب، وعطون العتبى وهي الرضا.
لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين، وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ المعتبين} [فصلت: 24]. أيى وإن يطلبوا العتبيى- وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم- فما هم من المعتبين. بصيغة اس المفعول: أي المعطين العتبى وهي الرضا عنهم. لأن العرب تقول: أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:
أمن المنون وريبه تتوجع ** والدهر ليس بمعتب من يجزع

أي لا يرجع الدهل إلى مسرة من جزع ورضاه، وقول النابغة:
فإن كنت مظلومًا فعبد ظلمته ** وإن كن ذا عتبى فمثلك يعتب

وأما قول بشر بن أبي خازم:
غضبت تميم ان تقتل عامر ** يوم النسار فأعتبوا بالصيلم

يعني أعتبناهم بالسيف، أي أرضيناهم بالقتل. فهو من قبيل التهكم، كقول عمرو بن معدي كرب:
وخيل قد دلفت لها بخيل ** تحية بينهم ضرب وجيع

لأن القتل ليس بإرضاء، والضرب الوجيع ليس بتحية.
وأما على قراءة من قرأ: {وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ} [فصلت: 24]. بالبناء للمعفول {فَمَا هُم مِّنَ المعتبين} [فصلت: 24]. بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنهم لو طلبت منهم العتبى ورزا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله وطاعة رسله، فما هم من المعتبين: اي الراجعين إلى ما يرضي ربهم، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه أولًا، وهذه القراءة كقوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 28].
{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85)}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف عنهم، ولا ينظرون اي لا يمهلون، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، وبين أنهم يرون النار وأنها تراهم، وأنها تكاذ تتقطع من شدة الغيظ عليهم. كقوله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ} [الأنبياء: 39-40]، وقوله: {وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا} [الكهف: 53]، وقوله: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرا} [الفرقان: 12]، وقوله: {إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ} [الملك: 7-8]، وقوله: {وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب أَنَّ القوة للَّهِ جَمِيعًا} [البقرة: 165]. إلى غير ذلك من الآيات.
{وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاء شُرَكَاؤنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ}.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا معبوداتهم التي كانوا يشركونها بالله في عبادته قالوا لربهم: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك! وأن معبوداتهم تكذبهم في ذلك فيقولون لهم: كذبتم! ما كنتم أيانا تعبدون!
وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة. كقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القيامة وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5-6]، وقوله: {واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزًّا كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81-82]، وقوله: {ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ} [العنكبوت: 25]، وقوله: {وَقِيلَ ادعوا شُرَكَاءكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ} [القصص: 64]، وقوله: {فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ} [يونس: 28]، إلى غير ذلك من الآيات.