فصل: فصل في توجيه قراءة فتح اللام:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فصل في توجيه قراءة فتح اللام:

أما القرءاة بفتح لام {الملكين}، فقيل: هما ملكان من السماء اسمهما هاروت وماروت.
وقيل: هما جبريل وميكائيل عليهما الصلاة والسلام.
وقيل غيرهما.
وأما من كسر اللام فقيل: إنهما اسم لقبيلتين من الجن.
وقيل: هما داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام.
وقيل: هما رجلان صالحان.
وقيل: كانا رجلين ساحرين.
وقيل: كانا علجين أقنعين ببابل يعلمان الناس السحر.
قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ} هذه الجملة عطلف على ما قبلها، والجمهور على {يُعَلِّمَان} مضعفًا.
واختلف فيه على قولين:
أحدهما: أنه على بابه من التعليم.
والثاني: أنه بمعنى يعلمان من أعلم، فالتضعيف والهمزة متعاقبان.
قالوا: لأن المَلَكين لا يعلمان الناس السحر، إنما يُعْلِمانِهِمْ به، ويَنْهَيَانِهِم عنه، وإليه ذهب طحلة بن مصرف، وكان يقرأ {يُعْلِمَان} من الأعلام.
ومن حكى أن تَعَلَّمْ بمعنى اعْلَم ابنُ الأعرابي، وابن الأنباريِّ؛ وأنشدوا قول زُهَيْر: البسيط:
تَعَلَّمَنْ هما لَعَمْرُ اللهِ ذا قَسَمًا ** فَاقْدِرْ بِذَرْعِكَ وَانْظُرْ أَيْنَ تَنْسَلِكُ؟

وقول القُطَامِيُّ: الوافر:
تَعَلَّمْ أَنَّ بَعْدَ الْغَيِّ رُشْدًا ** وَأَنَّ لِذَلِكَ الغَيِّ انْقِشَاعَا

وقول كعب بن مالك: الطويل:
تَعَلَّمْ رَسُولَ اللهِ أَنَّكَ مُدْرِكِي ** وَأَنَّ وَعِيدًا مِنْكَ كَالأَخْذِ بِالْيَدِ

وقول الآخر: الوافر:
تَعَلَّمْ أَنَّهُ لاَ طَيْرَ إِلاَّ ** عَلَى مُتَطَيِّرٍ وَهُوَ الثُّبُورُ

والضمير في {يعلمان} فيه قولان:
أحدهما: أنه يعود على هاروت وماروت.
والثاني: أنه عائد على الملكين، ويؤيده قراءة أُبَيّ بإظهار الفاعل: وَمَا يُعَلِّم الملكان.
والأول هو الأصح؛ لأن الاعتماد إنما هو على البدل دون المبدل منه، فإنه في حكم المطَّرح، فمراعاته أولى؛ تقول: هِنْدٌ حُسْنُهَا فَاتِنٌ ولا تقول: فَاتِنَةٌ مراعاة لِهِنْد، إلاّ في قليل من الكلام؛ كقوله: الكامل:
إنَّ السُّيُوفَ غُدُوَّهَا ورَواحَهَا ** تَرَكَتْ هَوَازِنَ مِثْلَ قَرْنِ الأَعْضَبِ

وقال الآخر: الكامل:
فَكَأَنَّهُ لَهِقُ السَّراة كَأَنَّهُ ** مَا حَاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادِ

فراعى المُبْدَلَ منه في قوله: تَرَكَتْ، وفي قوله: مُعَيَّن، ولو راعى البَدَل، وهو الكثير، لقال تَرَكَا ومُعَيَّنَان؛ كقول الآخر: الطويل:
فَمَا كَانَ قَيْسُ هُلْكُهُ هُلْكَ وَاحِدٍ ** وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

ولو لم يراع البدل للزم الإخبار بالمعنى عن الجُثَّة.
وأجاب أبو حيان عن البيتين بأن رَوَاحها وغدوها منصوب على الظرف، وأن قوله: مُعَيَّن خبر عن حَاجِبَيْهِ، وجاز ذلك؛ لأن كل اثنين لا يغني أحدهما عن الآخر، يجوز فيهما ذلك؛ قال: الهزج:
........ ** بِهَا الَيْنَان تَنْهَلُّ

وقال: الكامل:
لَكَأَنَّ فِي الْعَيْنَيْنِ حَبَّ قَرَنْفُلٍ ** أَوْ سُنْبُلٍ كُحِلَتْ بِهِ فَانْهَلَّتِ

ويجوز عكسه؛ قال: الطويل:
إِذَا ذَكَرَتْ عَيْنِي الزَّمَانَ الّذِي مَضَى ** بِصَحْرَاءَ فَلْجٍ ظَلَّتَا تِكِفَانِ

ومن زائدة لتأكيد الاستغراق لا للاستغراق؛ لأن أحدًا يفيده بخلاف: ما جاء من رجل فإنها زائدة للاستغراق.
وأحد هنا الظاهر أنه الملازم للنفي، وأنه الذي همزته أصل بنفسها.
وأجاز أبو القاء أن يكو بمعنى واحد، فتكون همزته بدلًا من الواو.
قوله: {حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ}.
{حتى}: حرف غاية ونصب، وهي هنا بمعنى إلى، والفعل بعدها منصوب بإضمار أن ولا يجوز إظهارها، وعلامة النصب حذف النوت، والتقدير: إلى أن يقولا وهي متعلقة بقوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ}، والمعنى أنه ينتفي تعليمهما أو إعلامهما على ما مضى من الخلاف إلى هذه الغاية، وهي قولهم: {إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ}.
وأجاز أبو البقاء رحمه الله أن تكون {حتى} بمعنى إلا قال: والمعنى: وما يعلمان من أحد إلاّ أن يقولا وهذا الذي أجاز لا يعرف عن أكثر المتقدمين، وإنما قاله ابن مالك؛ وأنشد: الكامل:
لَيْسَ الْعَطَاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَمَاحَةً ** حَتَّى تَجُودَ وَمَا لَدَيْكَ قَلِيلُ

قال: تقديره: إلا أن تجُودَ.
و{حتى} تكون حرف جر بمعنى إلى كهذه الآية، وكقوله: {حتى مَطْلَعِ الفجر} [القدر: 5]، وتكون حرف عطف، وتكون حرف ابتداء فتقع بعدها الجمل؛ كقوله: الطويل:
فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا ** بِدَجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أَشْكَلُ

والغاية معنى لا يفارقها في هذه الأحوال الثلاثة، فلذلك لا يكون ما بعدها إلا غاية لما قبلها: إما في القوة، أو الضعف، أو غيرهما، ولها أحكام أُخر ستأتي إن شاء الله تعالى.
و{إنما} مكفوفة بما الزائدة، فلذلك وقع بعدها الجملة، وقد تقدم أن بعضهم يجيز إعمالها، والجملة في محلّ نصب بالقول، وكذلك: {فَلاَ تَكْفُر}.
قوله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ} في هذه الجملة سبعة أقوال:
أظهرها: أنها معطوفة على قوله تعالى: {وما يعلمان} والضمير في {فيتعلّمون} عائد على {أحد}، وجمع حملًا على المعنى، كقوله تعالى: {فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47].
فإن قيل: المعطوف عليه منفي، فيلزم أن يكون {فيتعلّمون} منفيًا أيضًا لعطفه علبيه، وحينئذ ينعكس المعنى.
فالجواب ما قالوه، وهو أن قوله: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ}، وإن كان منفيًا لفظًا فهو موجب معنى؛ لأن المعنى: يعلمان الناس السحر بعد قولهما: إنما نحن فتنة، وهذا الوجه ذكره الزجاج وغيره.
الثَّاني: أنه معطوف على {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السَّحْر} قاله الفراء.
وقد اعترض الزجاج هذا القول بسبب لفظ الجمع في {يعلمون} مع إتيانه بضمير التثنية في {منهما} يعنى: فكان حقه أن يقال: {منهم} لأجل {يعلمون} وأجازه أبو علي وغيره، وقالوا: لا يمتنع عطف {فيتعلمون} على {يعلِّمون}، وإن كان التعليم من الملكين خاصّة، والضمير في {منهما} راجع إليهما، فإن قوله: {منهما} إنما جاء بعدم تقدّم ذكر المَلَكَيْنِ.
وقد اعترض على قول الفراء من وجه آخر: وهو أنه يلزم منه الإضمار قبل الذكر، وذلك أن الضمير في {منهما} عائد على الملكين، وقد فرضتم أن {فيتعلمون منهما} عطف على {يعلمون}، فيكن التقدير: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فَيَتَعَلَّمُونَ منهما فيلزم الإضمار في {منهما} قبل ذكر المَلَكيْن، وهو اعتراض وَاهٍ فإنهما متقدمان لفظًا، وتقدير تأخرهما لا يضرّ؛ إذ المحذور عَوْدُ الضمير على غير مذكور في اللفظ.
الثالث: وهو أحد قولي سيبويه. اهـ. عطف على {كفروا}، فعل في موضع رفع، فلذلك عطف عليه فعل مرفوع.
قال سيبويه: وارتفع {فيتعلمون}؛ لأنه لم يُخْبِرْ عن الملكين أنهما قالا: لا تكفر فيتعلموا ليَجْعَلا كفره سببًا لتعلم غيره، ولكنه على: كفروا فيتعلمون، وشَرْحُ ما قاله هو أنه يريد أن ليس {فيتعلمون} جوابًا لقوله: فلا تكفر فيتنصب في جواب النهي، كما النصب: {فَيُسْحِتَكُم} [طه: 61]، بعد قوله لاَ تَفْتَرُوا لأن كُفْرَ من نهياه أن يكفر ليس سببًا لتعلّم من يتعلم.
واعترض على هذا بما تقدّم من لزوم الإضمار قبل الذكر، وتقدم جوابه.
الرابع: وهو القول الثاني لسيبويه أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير فهم يتعلمون، فعطف جملة اسمية على فعلية.
الخامس: قال الزَّجَّاج أيضًا: والأجود أن يكون معطوفًا على يعلّمان فيتعلّمون فاستغني عن ذكر {يعلمون} على ما في الكلام من الدليل عليه واعتراض أبو علي قول الزجاج؛ فقال: لا وجه لقوله: اسغني عن ذلكر {يعلمان}؛ لأنه موجود في النص.
وهذا الاعتراض من أبي علي تحامل عليه لسبب وقع بينهما؛ فإن الزجاج لم يرد أن {فيتعلمون} عطف على {يعلمان} المنفي ب {ما} في قوله: {وما يعلمان} حتى يكون مذكورًا في النص، وإنما أراد أن ثم فعلًا مضمرًا يدل عليه قوة الكلام وهو: يعلمان فيتعلمون.
السَّادس: أنه عطف على معنى ما دلّ عليه أول الكلام، والتقدير: فيأتون فيتعلّمون، ذكره الفراء والزجاج أيضًا.
السَّابع: قال أبو البقاء: وقيل: هو مستأنف، وهذا يحتمل أن يريد أنه خبر مبتدأ مضمر كقول سيبويه رحمه الله وأن يكون مستقلًا بنفسه غير محمل على شيء قبله، وهو ظاهر كلامه.
قوله: {مِنْهُمَا} متعلّق ب {يعلمون}.
ومن لابتداء الغاية، وفي الضمير ثلاثة أقوال: أظهرها: عوده إلى المَلَكين، سواء قرئ بكسر اللام أو فتحها.
والثاني: يعود على السّحر وعلى المنزل على الملكين.
والثالث: أنه يعود على الفتنة، وعلى الكفر المفهوم من قوله: {فلا تكفر}، وهو قول أبى مسلم.
قوله: {مَا يُفَرِّقُونَ به} الظَّاهر في {ما} أنها موصولة اسمية.
وأجاز أبو البقاء أن تكن نكرة موصوفة، وليس بواضح، ولا يجوز أن تكن مصدرية لعود الضمير في {به} عليها، والمصدرية حرف عند جمهور النحويين كما تقدم غير مَرّة.
و{بَيْنَ الْمَرْءِ} ظرف ل {يُقَرّقُونَ}.
والجمهور على فتح ميم {المَرْءِ} مهموزًا، وهي اللغة العالية.
وقرأ ابن أبي أسحاق: {المُرْء} بضم الميم مهموزًا.
وقرأ الأشهب العقيلي والحسن: {المِرْءُ} بكسر الميم مهموزًا.
فأما الضم فلغة محكية.
وأما الكسر فيحتمل أن يكون لغة مطلقًا، ويحتمل أن يكون للإتباع، وذلك أن في {المرء} لغة وهي أن فاءه تَتْبَعُ لامه، فإن ضم ضمت، وإن فتح فتحت، وإن كسر كسرت، تقول: ما قام المُرْءُ بضم الميم ورأيت المَرْءَ بفتحها، ومررت بالمِرْءِ بكسرها، وقد يجمع بالواو والنون، وهو شاذ.
قال الحسن في بعض مواعظه: أحْسِنُوا مَلأَكُمْ أَيُّهَا المَرْؤون أي: أخلاقكم.
وقرأ الحسن، والزهري {المَرِ} بفتح الميم وكسر الراء خفيفة، ووجهها أنه نقل حركة الهمزة على الواو وحذف الهمزة تخفيفًا وهو قياس مطّرد.
وقرأ الزهري أيضًا: {المَرِّ} بتشديد الرَّاء من غير همز، ووجهها أنه نقل حرة الهمزة إلى الرَّاء، ثم رأى الوقف عليها مشدّدًا، كما روي عن عصام {مُّسْتَطَرٌ} [القمر: 53] بتشديد الراء ثم أجرى الوَصْل مجرى الوقف.
قوله تعالى: {وَما هُمْ بِضَارِّينَ بهِ مِنْ أَحَدِ} يجوز في {ما} وجهان.
أحدهما: أن تكون الحجازية، فيكون {هم} اسمها، و{بِضَارين} خبرها، والباء زائدة، فهو في محل نصب.
والثاني: أن تكون التميمية، فيكون {هم} مبتدأ، و{بِضَارِّينَ} خبره، والباء زائدة أيضًا فهو في محل رفع.
والضمير فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه عائد على السَّحرة العائد عليهم ضمير {فَيَتَعَلَّمُونَ}.
الثاني: يعود على اليهود العائد عليهم ضمير {واتبعوا}.
الثالث: يعود على الشياطين والضمير في {به} يعود على {ما} في قوله: {وَمَا يُفَرِّقُونَ بِهِ}.
والجمهور على {بَضَارِّينَ} بإثبات النون و{مِنْ أَحَدٍ} مفعول به، وقرأ الأعمش: {بِضَرِّي} من غير نون، وفي توجيه ذلك قولان:
أظهرهما: أنه أسقط النون تخفيفًا، وإن لم يقع اسم الفاعل صلةً ل (أل)؛ مثل قوله: الطويل:
وَلَسْنَا إِذَا تَأْبَوْنَ سِلْمًا بِمُذْعِنِي ** لَكُمْ غَيْرَ أَنَّا إِنْ نُسَالَمْ نُسَالمِ

أي: بمذعنين ونظيره في التَّثْنية: قَطَا قَطَا بَيْضُك ثِنْتَا، وَبِيْضِي مِائَتَا يريدون ثِنْتَانِ وَمِائَتَانِ.
والثاني وبه قال الزَّمخشري، وأبن عطية أن النُّونَ حذفت للإضافة إلى {أحدٍ}، وفصل بين المضاف والضاف إليه بالجار والمجرور، وهو {به}؛ كما فصل به في قوله الآخر: الطويل:
هُمَا أَخَوَا فِي الْحَرْبِ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ ** إِذَا خَافَ يَوْمًا نَبْوةً فَدَعَاهُمَا

وفي قوله: الوافر:
كَمَا خُطَّ الْكِتَابُ بِكَفِّ يَوْمًا ** يَهُودِيِّ يُقارِبُ أَوْ يُزِيلُ

ثم استشكل الزمخشري ذلك فقال: فإن قلت كيف يضاف إلى {أحد} هو مجرور؟ قلت: جعل الجار جزءًا من المجرور.
قال أبو حيان: وهذا التخريج ليس يجوز؛ لأن الفصل بين المتضايفين بالظَّرف والمجرور من ضَرَائر الشعر، وأقبح من ذلك ألا يكون ثم مضاف إليه؛ لأنه مشغول يعامل جَرّ، فهو المؤثر فيه لا الإضافة.
وأما جعله حرف الجر جزءًا من المجرور فليس بشيء؛ لأن هذا مؤثر فيه، وجزء الشيء لا يؤثر فيه.
وأجيب بأن الفصل من ضرائر الشعر فليس كما قال، لأنه قد فصل بالمفعول به في قراءة ابن عامر، فالباظرف وشبهه أولى، وسيأتي تحقيق ذلك في الأنعام.
وأما قوله: لأن جزء الشيء لا يؤثر فيه.
فإنما ذلك في الجزء الحقيقي، وهذا إنما قال: ننزله منزلة الجزء، ويدلّ على ذلك قول النجاة الفعل كالجزء من الفاعل، ولذلك آنّث لتأنيثه، ومع ذلك فهو مؤثِّر فيه.
و{من} في {من أحد} زائدة لتأكيد الاستغراق كما تقدم في: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ}.
وينبغي أن يجيء قول أبي البقاء: إن {أحدٍ} يجوز أن يكون بمعنى واحد، والمعهود زيادة {من} في المفعول به المعمول لفعل منفي نحو: ما ضربت من أحد، إلا أنه حملت الجملة الاسمية الدَّاخل عليها حرف النفي على الفعليّة المنفية في ذلك؛ لأن المعنى: وما يضرون من أحد، إلا أنه عدل إلى هذه الجملة المصدرة بالمبتدأ المخبر عه باسم الفاعل الدّال على الثبوت، والاستقرار المزيد فيه باء الجر للتوكيد المراد الذي لم تفده الجملة الفعلية.
قوله: {إِلاَّ بإِذْنِ اللهِ} هذا استثناء مفرّغ من الأحوال، فهو في محل نَصْب على الحال، فيتعلّق بمحذوف، وفي صاحب هذه الحال أربعة أوجه:
أحدها: أنه الفاعل المستكن في {بضارين}.
الثاني: أنه المفعول هو {أحد} وجاءت الحال من النكرة؛ لاعتمادها على النفي.
والثالث: أن الهاء في {به} أي بالسحر، والتقدير: وما يضرون أحدًا بالسحر إلا ومعه علم الله، أو مقرونًا بإذن الله ونحو ذلك.
والرابع: أنه المصدر المعروف وهو الضرر، إلا أنه حذف للدلالة عليه.
قوله: {وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} في هذه الجملة وجهان.
أحدهما: وهو الظاهر أنها عطف على {يضرهم} فتكون صلة ل {ما} أيضًا، فلا محلّ لها من الإعراب.
والثاني، وأجازه أبو البقاء: أن تكون خبرًا لمبتدأ مضمر تقديره: وهو لا ينفعهم، وعلى هذا فتكون الواو للحال، والحملة من المبتدأ والخبر في محلّ نصب على الحال، وهذه الحال تكون مؤكّدة؛ لأن قوله: {ما يضرهم} يفهم منه عدم النفع.
قال أبو البقاء: ولا يصح عطفه على ما؛ لأن الفعل لا يعطف على الاسم.
وهذا من المواضع المستغنى عن النصّ على منعها لوضوحها، وإنما ينص على منع شيء يتوهم جوازه.
وأتى هنا بلا لأنها ينفى بها الحال والاستقبال، وإن كان بعضهم خصّها بالاستقبال، والضُّرُّ والنفع معروفان، يقال ضَرَّهُ يَضُرُّهُ بضم الضاد، وهو قياس المضاعف المتعدِّي، والمصدر: الضَّر والضَّر بالضم والفتح، والضَّرَر بالفك أيضًا، ويقال: ضَارَةُ يَضِيرُهُ بمعناه ضَيرًا؛ قال الشاعر: الطويل:
تَثُولُ أُنَاسٌ لاَ يَضِيرُكَ نَأْيُهَا ** بَلَى كُلُّ ما شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيْرُهَا

وليس حرف العلة مبدلًا من التضعيف.
ونقل بعضهم: أنه لا يبنى من نفع اسم مفعول فيقال: منفوع، والقياس لا يأباه.
قوله: {وقد علموا} تقدم أن هذه اللاَّم جواب قسم محذوف.
وعلم يجوز أن تكون متعدية إلى اثنين أو إلى واحد، وعلى كلا التقديرين فهي مُعَلَّقة عن العمل فيما بعدها لأجل اللام، فالجملة بعدها في محل نصب؛ إما سادّة مسدَّ مفعولين، أو مفعول واحد على حسب ما تقدم، ويظهر أثر ذلك في العطف عليها، فإن اعتقدنا تعديها لاثنين عطفنا على الجملة بعدها مفعولين، وإلا عطفنا واحدًا، ونظيره في الكلام: علمت لزيد قائم وعمرًا ذاهبًا، أو علمت لزيد قائم وذهاب عمرو.
والذي يدل على أن الجملة المعلقة بعد علم في محل نصب وعَطْفَ المنصوب على محلها قولُ الشاعر: الطويل:
وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ مَا الْهَوَى ** وَلاَ مُوجِعَاتِ القَلْبِ حَتَّى تَوَلَّتِ

روي بنصب موجعاتِ على أنه عطف على محل ما الهَوَى، وفي البيت كلام إذ يحتمل أن تكون ما زائدة، والهوى مفعول به، فعطف موجعاتِ عليه، ويحتمل أن تكون لا نافية للجنس وموجعاتِ اسمها، والخبر محذوفٌ كأنه قال: ولا موجعاتِ القلبِ عنْدِي حتى تولَّتِ.
والضمير في {علموا} فيه خمسة أقوال:
أحدها: ضمير الهيود الذين بحضرة محمد صلى الله عليه وسلم، أو ضمير من بحضرة سليمان، أو ضمير جميع اليهود، أو ضمير الشياطين أو ضمير الملكين عند من يرى أن الاثنين جمع.
قوله: {لَمَنِ اشْتَرَاهُ} في هذه اللام قولان:
أحدهما: وهو ظاهر قول النحاة أنها لام الابتداء المُعَلَّقة لعَلِمَ عن العمل كما تقدم، ومَنْ موصولة في محلّ رفع بالابتداء، و{اشتراه} صلتها وعائدها.
و{مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ} جملة من مبتدأ وخبر، و{من} زائدة في المبتدأ، والتقدير: ماله خلاق في الآخرة.
وهذه الجملة في محل رفع خبر ل {من} الموصولة، فالجملة من قوله: {ولقد علموا} مقسم عليها كما تقدم، و{لَمَن اشْتَرَاهُ} غير مقسم عليها، هذا مذهب سيبويه رحمه الله تعالى والجمهور.
الثاني: وهو قول الفراء، وبتبعه أبو البقاء: أن تكونه هذه اللام هي الموطّئة للقسم، و{مَن} شرطية في محل رفع بالابتداء، و{مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ} جواب القسم، ف {اشتراه} على القول الأول صلة، وعلى الثاني خبر لاسم الشرط، ويكون جواب الشرط محذوفًا؛ لأنه إذا اجتمع شرط وقسم، ولم يتقدمهما ذو خبر أجيب سابقهما غالبًا، وقد يجاب الشرط مطلقًا كقوله: الطويل:
لَئِنْ كَانَ مَا حُدِّثْتُهُ الْيَوْمَ صَادِقًا ** أَصُمْ فِي نَهَارِ الْقَيْظِ لِلشَّمْسِ بَادِيَا

ولا يحذف جواب الشرط إلا وفعله ماض، وقد يكون مضارعًا كقوله: الطويل:
لَئِنْ تَكُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بُيُوتُكُمْ ** لَيَعْلَمُ رَبِّي أَنَّ بَيْتِيَ وَاسِعُ

فعلى قول الفَرَّاء تكون الجملتان من قوله: {وَلَقَدْ عَلِمُوا}، و{لَمَنِ اشْتَرَاهُ} مُقْسَمًا عليهما ونقل عن الزجاج منع قول الفراء فإنه قال: هذا ليس موضع شرط ولم يوجه منع ذلك، والذي يظهر في منعه، أن الفعل بعد {مَنْ} وهو {اشْتَرَاهُ} ماض لفظًا ومعنى، فإن الاشتراء قد وقع وانفصل، فجعله شرطًا لا يصح؛ لأن فعل الشرط وإن كان ماضيًا لفظًا، فلابد أن يكون مستقبلًا معنى.
وتقدم الكلام على قوله: {وَلَبْئْسَ مَا} وما ذكر الناس فيها، واللام في {لبئسما} جواب قسم محذوف تقديره: والله لبئسما، والمخصوص بالذّم محذوف أي: السحر أو الكفر.
قوله: {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} جواب {لو} محذوف تقديره: لو كانوا يعلمون ذم ذلك لما باعوا به أنفسهم، وهذا أحسن من تقدير أبي البقاء: لو كانوا ينتفعون بعلمهم لامتنعوا من شراء السحر؛ لأن المقدر كلما كان مُتصَيَّدًا من اللفظ كان أَوْلَى.
والضمير في {به} يعود على السحر، أو الكفر، وفي {يعلمون} يعود على اليَهُودِ باتفاق.
قال الزمخشري: فإن قلت كيف أثبت لهم العلم أولًا في: {وَلَقَدْ عَلِمُوا} على سبيل التوكيد القسمي، ثم نفاه عنهم في قوله: {لوْ كانُوا يَعْلَمُونَ}.
قلت: معناه: لو كانوا يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه، وهذا بناء منه على أن الضميرين في {عَلِمُوا} و{يَعْلَمُونَ} لشيء واحد.
وأجاب غيره على هذا التقدير بأن المراد بالعلم الثاني العَقْل؛ لأن العلم من ثمرته، فلما انتفى الأصل انتفى ثمرته، فصار وجود العلم كعدمه حيث لم ينتفعوا به كما سمى الله تعالى، الكفار صُمًّا وبُكْمًا وعُمْيًا إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس أو يغاير بين متعلّق العلمين أي: علموا ضرره في الآخرة، ولم يعلما نفعه في الدنيا.
وأما إذا أعدت الضمير في {علموا} على الشياطين، أو على مَنْ بحضرة سليمان، أو على الملكين، فلا إشكال لاختلاف المسند إليه العلم حينئذ. اهـ. باختصار.