فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)}
جاسَ يَجُوسُ جوسًا وَجَوَسانًا تردد في الغارة قاله الليث.
وقال أبو عبيدة: جاسوا فتشوا هل بقي ممن لم يقتل.
وقال الفراء: قيلوا.
قال حسان:
ومنا الذي لاقى لسيف محمد ** فجاس به الأعداء عرض العساكر

وقال قطرب: نزلوا، قال الشاعر:
فجسنا ديارهم عنوة ** وأبناء ساداتهم موثقينا

وقيل: داسوا، ومنه:
إليك جسنا الليل بالمطي

وقال أبو زيد: الجوس والحوس والعوس والهوس الطواف بالليل.
فالجوس والحوس طلب الشي باستقصاء.
حظرت الشيء منعته.
{وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدنّ في الأرض مرتين ولتعلنّ علوًا كبيرًا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا ثم رددنا لكم الكرّة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرًا إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرًا عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا}.
{قَضى} يتعدّى بنفسه إلى مفعول كقوله: {فلما قضى موسى الأجل} ولما ضمن هنا معنى الإيحاء أو الإنفاذ تعدّى بإلى أي وأوحينا أو أنفذنا إلى بني إسرائيل في القضاء المحتوم المبتوت.
وعن ابن عباس معناه أعلمناهم، وعنه أيضًا قضينا عليهم، وعنه أيضًا كتبنا.
واللام في {لتفسدن} جواب قسم، فإما أن يقدر محذوفًا ويكون متعلق القضاء محذوفًا تقديره وقضينا إلى بني إسرائيل بفسادهم في الأرض وعلوهم، ثم أقسم على وقوع ذلك وأنه كائن لا محالة، فحذف متعلق قضينا وأبقى منصوب القسم المحذوف.
ويجوز أن يكون قضينا أجري مجرى القسم ولتفسدنّ جوابه، كقولهم قضاء الله لأقومنّ.
وقرأ أبو العالية وابن جبير في الكتب على الجمع والجمهور على الإفراد فاحتمل أن يريد به الجنس، والظاهر أن يراد التوراة. وقرأ ابن عباس ونصر بن عليّ وجابر بن زيد لتفسدنّ بضم التاء وفتح السين مبنيًا للمفعول أي يفسدكم غيركم. فقيل من الإضلال. وقيل من الغلبة.
وقرأ عيسى لتفسدنّ بفتح التاء وضم السين أي فسدتم بأنفسكم بارتكاب المعاصي مرتين أولاهما قتل زكرياء عليه السلام قاله السدّي عن أشياخه، وقاله ابن مسعود وابن عباس، وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم تنافسوا على المُلك وقتل بعضهم بعضًا ولا يسمعون من زكريا.
فقال الله له: قم في قومك أوح على لسانك، فلما فرغ مما أوحى الله إليه عدوًا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها، وأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها حتى قطعوه في وسطها.
وقيل: سبب قتل زكريا أنهم اتهموه بمريم قيل قالوا حين حملت مريم: ضيع بنت سيدنا حتى زنت، فقطعوه بالمنشار في الشجرة.
وقيل شعياء قاله ابن إسحاق وإن كان زكرياء مات موتًا ولم يقتل وإن الذي دخل الشجرة وقطع نصفين بالمنشار في وسطها هو شعياء، وكان قبل زكرياء وحبس أرمياء حين أنذرهم سخط الله والآخرة قبل يحيى بن زكرياء وقصد قتل عيسى ابن مريم أعلم الله بني إسرائيل في التوراة أنه سيقع منهم عصيان وكفر لنعم الله تعالى في الرسل وفي الكتب وغير ذلك، وأنه سيرسل عليهم أمّة تغلبهم وتقتلهم وتذلهم ثم يرحمهم بعد ذلك ويجعل لهم الكرة ويردهم إلى حالهم الأولى من الظهور فتقع منهم المعاصي وكفر النعم والظلم والقتل والكفر بالله من بعضهم، فيبعث الله عليهم أمة أخرى تخرب ديارهم وتقتلهم وتجليهم جلاء مبرحًا ودل الوجود بعد ذلك على هذا الأمر كله، قيل وكان بين آخر الأولى والثانية مائتا سنة وعشر سنين ملكًا مؤيدًا ثابتًا.
وقيل سبعون سنة.
وقال الكلبي لتعصنّ في الأرض المقدسة ولتعلنّ أي تطغون وتعظمون.
وقرأ زيد بن علي عليًا كبيرًا في الموضعين بكسر اللام والياء المشدّدة.
وقراءة الجمهور: {علوًا} والصحيح في فعول المصدر أكثر كقوله: {وعتوا عتوًا كبيرًا} بخلاف الجمع، فإن الإعلال فيه هو المقيس وشذ التصحيح نحو نهو ونهوّ خلافًا للفراء إذ جعل ذلك قياسًا {فإذا جاء وعد أولاهما} أي موعد أولاهما لأن الوعد قد سبق ذلك والموعود هو العقاب.
وقال الزمخشري: معناه وعد عقاب أولاهما. وقيل: الوعد بمعنى الوعيد. وقيل: بمعنى الموعد الذي يراد به الوقت، والضمير في أولاهما عائد على المرتين.
وقرأ الجمهور: {عبادًا} وقرأ الحسن وزيد بن علي عبيدًا. قال ابن عباس: غزاهم وقتادة جالوت من أهل الجزيرة. وقال ابن جبير وابن إسحاق غزاهم سنجاريب وجنوده ملك بابل. وقيل بخت نصر، وروي أنه دخل قبل في جيش من الفرس وهو حامل يسير في مطبخ الملك، فاطلع من جور بني إسرائيل على ما لم يعلمه الفرس لأنه كان يداخلهم، فلما انصرف الجيش ذكر ذلك للملك الأعظم، فلما كان بعد مدة جعله الملك رئيس جيش وبعثه وخرب بيت المقدس وقتلهم وجلاهم ثم انصرف فوجد الملك قد مات فملك موضعه، واستمرت حاله حتى ملك الأرض بعد ذلك. وقيل هم العمالقة وكانوا كفارًا.
وقيل: كان المبعوثون قومًا مؤمنين بعثهم الله وأمرهم بغزو بني إسرائيل والبعث هنا الإرسال والتسليط.
وقال الزمخشري: معناه خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم على أن الله عز وعلا أسند بعث الكفرة إلى نفسه فهو كقوله: {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون} وكقول الداعي: وخالف بين كلمتهم وأسند الجوس وهو التردّد خلال الديار بالفساد إليهم، فتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس المسند إليهم انتهى. وفي قوله خلينا بينهم وبين ما فعلوا دسيسة الاعتزال.
وقال ابن عطية: {بعثنا} يحتمل أن يكون الله أرسل إلى ملك تلك الأمة رسولًا بأمره بغزو بني إسرائيل فتكون البعثة بأمر، ويحتمل أن يكون عبر بالبعث عما ألقى في نفس الملك أي غزاهم انتهى.
{أولي بأس شديد} أي قتال وحرب شديد لقوتهم ونجدتهم وكثرة عددهم وعُددهم.
وقرأ الجمهور: {فجاسوا} بالجيم.
وقرأ أبو السمال وطلحة فحاسوا بالحاء المهملة.
وقرئ فتجوسوا على وزن تكسروا بالجيم.
وقرأ الحسن {خلال الديار} واحدًا ويجمع على خلل كجبل وجبال، ويجوز أن يكون خلال مفردًا كالخلل وهو وسط الديار وما بينها، والجمهور على أنه في هذه البعثة الأولى خرّب بيت المقدس ووقع القتل فيهم والجلاء والأسر.
وعن ابن عباس ومجاهد: أنه حين غزوا جاس الغازون خلال الديار ولم يكن قتل ولا قتال في بني إسرائيل، وانصرفت عنهم الجيوش.
والضمير في {وكان} عائدًا على وعد أولاهما.
قال الزمخشري: وكان وعد العقاب وعدًا لابد أن يفعل انتهى.
وقيل يعود على الجيوش {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} هذا إخبار من الله لبني إسرائيل في التوراة، وجعل {رددنا} موضع نرد إذ وقت إخبارهم لم يقع الأمر بعد لكنه لما كان وعد الله في غاية الثقة أنه يقع عبر عن مستقبله بالماضي، والكرة الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليهم حتى تابوا ورجعوا عن الفساد ملكوا بيت المقدس قبل الكرة قبل بخت نصر واستبقاء بني إسرائيل أسراهم وأموالهم ورجوع الملك إليهم، وذكر في سبب ذلك أن ملكًا غزا أهل بابل وكان بخت نصر قد قتل من بني إسرائيل أربعين ألفًا ممن يقرأ التوراة وبقي بقيته عندهم ببابل في الدل، فلما غزاهم ذلك الملك وغلب على بابل تزوج امرأة من بني إسرائيل فطلبت منه أن يرد بني إسرائيل إلى بيت المقدس ففعل، وبعد مدة قامت فيهم الأنبياء فرجعوا إلى أحسن ما كانوا. وقيل: الكرة تقوية طالوت حتى حارب جالوت ونصر داود على قتل جالوت. وقال قتادة: كانوا أكثر شرًا في زمان داود عليه السلام.
وانتصب {نفيرًا} على التمييز.
فقيل: النفير والنافر واحد وأصله من ينفر مع الرجل من عشيرته وأهل بيته قاله أبو مسلم.
وقال الزجاج: يجوز أن يكون جمع نفر ككلب وكليب وعبد وعبيد، وهم المجتمعون للمصير إلى الأعداء.
وقيل: النفير مصدر أي أكثر خروجًا إلى الغزو كما في قول الشاعر:
فأكرم بقحطان من والد ** وحمير أكرم بقوم نفيرا

ويروى بالحميريين أكرم نفيرًا، والمفضل عليه محذوف قدره الزمخشري وأكثر نفيرًا مما كنتم وقدره غيره، وأكثر نفيرًا من الأعداء. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَقَضَيْنَا} أي أتممنا وأحكمنا مُنْزلين {إلى بَنِى إسراءيل} أو موحين إليهم {فِى الكتاب} أي في التوراة فإن الإنزالَ والوحيَ إلى موسى عليه السلام إنزالٌ ووحيٌ إليهم {لَتُفْسِدُنَّ في الأرض} جوابُ قسمٍ محذوفٍ، ويجوز إجراءُ القضاء المحتومِ مُجرى القسمِ كأنه قيل: وأقسمنا لتفسدن {مَّرَّتَيْنِ} مصدرٌ والعاملُ فيه من غير جنسه. أولاهما مخالفةُ حكم التوراة وقتلُ شعياءَ عليه الصلاة والسلام وحبسُ أرمياءَ حين أنذرهم سخطَ الله تعالى، والثانية قتلُ زكريا ويحيى وقصدُ قتلِ عيسى عليهم الصلاة والسلام {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} لتستكبِرُنّ عن طاعة الله سبحانه، أو لتغلِبُنّ الناسَ بالظلم والعدوان وتفرّطُنّ في ذلك إفراطًا مجاوزًا للحدود.
{فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما} أي أولى كرَّتَي الإفساد، أي حان وقتُ حلولِ العقاب الموعود {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ} لمؤاخذتكم بجناياتكم {عِبَادًا لَّنَا} وقرئ عبيدًا لنا {أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ} ذوي قوةٍ وبطش في الحروب، هم سنحاريبُ من أهل نينوى وجنودُه، وقيل: بُخْتَ نَصَّرُ عامل لهراسبَ، وقيل: جالوت {فَجَاسُواْ} أي تردّدوا لطلبكم بالفساد، وقرئ بالحال والمعنى واحد، وقرئ وجوسوا {خلال الديار} في أوساطها للقتل والغارة، وقرئ خِلَلَ الديار فقتلوا علماءَهم وكبارَهم وأخرقوا التوراةَ وخربوا المسجد وسبَوْا منهم سبعين ألفًا، وذلك من قبيل تولية بعضِ الظالمين بعضًا مما جرت به السنةُ الإلهية {وَكَانَ} ذلك {وَعْدًا مَّفْعُولًا} لا محالة بحيث لا صارفَ عنه ولا مبدِّلَ.
{ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة} أي الدولةَ والغلَبة {عَلَيْهِمْ} على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنةٍ حين تُبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد والعلو، قيل: هي قتلُ بُخْت نصّر واستنقاذُ بني إسرائيلَ أُساراهم وأموالَهم ورجوعُ المُلْك إليهم، وذلك أنه لما ورِث بهمنُ بنُ إسفنديارَ المُلكَ من جدّه كشتاسفَ بنِ لهراسب ألقى الله تعالى في قلبه الشفقةَ عليهم فردّ أُساراهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال عليه السلام فاستولَوا على من كان فيها من أتباع بُخْت نصّر، وقيل: هي قتلُ داودَ عليه السلام لجالوت.
{وأمددناكم بأموال} كثيرةٍ بعدما نُهبت أموالُكم {وَبَنِينَ} بعدما سُبيَتْ أولادُكم {وجعلناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا} مما كنتم من قبل أو من عدوكم، والنفيرُ مَن ينفِر مع الرجل من قومه، وقيل: جمعُ نفرٍ وهو القومُ المجتمعون للذهاب إلى العدو كالعبيد والمبين. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَقَضَيْنَا إلى بني إسرائيل}.
أخرج بن جرير، وغيره عن ابن عباس أي أعلمناهم، وزاد الراغب وأوحينا إليهم وحيًا جزمًا، وصرح غير واحد بتضمن القضاء معنى الإيحاء ولهذا عدى بإلى، والوحي إليهم إعلامهم ولو بالواسطة، وقيل إلى بمعنى على وروي ذلك أيضًا عن ابن عباس: قال أي قضينا عليهم {فِى الكتاب} أي التوراة أو الجنس بدليل قراءة أبي العالية. وابن جبير {الكتاب} بصيغة الجمع والظاهر الأول على الأول أو اللوح المحفوظ على الأخير، وأخرج ابن المنذر.
والحاكم عن طاوس قال: كنت عند ابن عباس ومعنا رجل من القدرية فقلت: إن أناسًا يقولون لا قدر قال: أو في القوم أحد منهم؟ قلت: لو كان ما كنت تصنع به؟ قال: لو كان فيهم أحد منهم لأخذت برأسه ثم قرأت عليه {وَقَضَيْنَا إلى بني إسرائيل في الكتاب} {لَتُفْسِدُنَّ في الأرض} جواب قسم محذوف، وحذف متعلق القضاء أيضًا للعلم به؛ والتقدير وقضينا إلى بني إسرائيل بفسادهم وعلوهم والله لتفسدن إلخ ويكون هذا تأكيدًا لتعلق القضاء، ويجوز جعله جواب {قَضَيْنَا} بإجراء القضاء مجرى القسم فيتلقى بما يتلقى به نحو قضاء الله تعالى لأفعلن كذا. والمراد بالأرض الجنس أو أرض الشام وبيت المقدس. وقرأ ابن عباس. ونصر بن علي. وجابر بن زيد {لَتُفْسِدُنَّ} بضم التاء وفتح السين مبنيًا للمفعول أي يفسدكم غيركم فقيل من الضلال، وقيل من الغلبة.
وقرأ عيسى {لَتُفْسِدُنَّ} بفتح التاء وضم السين على معنى لتفسدن بأنفسكم بارتكاب المعاصي {مَّرَّتَيْنِ} منصوب على أنه مصدر {لَتُفْسِدُنَّ} من غير لفظه، والمراد إفسادتين أولاهما على ما نقل السدي عن أشياخه قتل زكريا عليه السلام وروي ذلك عن ابن عباس.
وابن مسعود وذلك أنه لما مات صديقة ملكهم تنافسوا على الملك وقتل بعضهم بعضًا ولم يسمعوا من زكريا فقال الله تعالى له: قم في قومك أوح على لسانك فلما فرغ مما أوحى عليه عدوًا عليه ليقتلوه فهرب فانفلقت له شجرة فدخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ هدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسط الشجرة حتى قطعوه في وسطها.