فصل: قال الخازن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الخازن:

قوله سبحانه وتعالى: {وقضى ربك} أي وأمر ربك.
قاله ابن عباس: وقيل معناه وأوجب ربك.
وقيل: معناه الحكم والجزم.
وقيل: ووصى ربك.
وحكي عن الضحاك أنه أنه قرأها ووصى ربك وقال: إنهم ألصقوا الواو بالصاد فصار قافًا وهي قراءة علي وابن مسعود.
قال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير هذا القول بعيد جدًا لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان على القرآن، وذلك يخرجه عن كونه حجة، ولا شك أنه طعن عظيم في الدين {ألاَّ تعبدوا إلا إياه} فيه وجوب عبادة الله، والمنع من عبادة غيره وهذا هو الحق لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم، ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن له الإنعام والإفضال على عباده ولا منعم إلا الله، فكان هو المستحق للعبادة لا غيره {وبالوالدين إحسانًا} أي وأمر بالوالدين إحسانًا أي برًا بهما وعطفًا عليهما وإحسانًا إليهما {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} معناه أنهما يبلغان إلى حالة الضعف، والعجز فيصيران عندك في آخر العمر كما كنت عندهما في أول العمر واعلم أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الجملة، كلف الإنسان في حق الوالدين خمسة أشياء: الأول قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} وهي كلمة تضجَّر وكراهية، وقيل: إن أصل هذه الكلمة أنه إذا سقط عليك تراب أو رماد، ونفخت فيه تزيله تقول: أف ثم إنهم توسعوا بذكر هذه الكلمة إلى كل مكروه يصل إليهم.
والثاني: قوله: {ولا تنهرهما} أي تزجرهما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك يقال: نهره وانتهره بمعنى.
فإن قلت: المنع من التأفيف أبلغ من المنع من الانتهار فما وجه الجمع قلت: المراد من قوله ولا تقل لهما أف المنع من إظهار الضجر بالقليل والكثير، والمراد من قوله ولا تنهرهما، المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليها.
الثالث: قوله: {وقل لهما قولًا كريمًا} أي حسنًا جميلًا لينًا كما يقتضيه حسن الأدب معهما، وقيل: هو يا أماه يا أبتاه وقيل: لا يكنيهما وقيل: هو أن يقول لهم كقول العبد الذليل المذنب للسيد الفظ الغليظ.
الرابع: قوله: {واخفض لهما جناح الذل} أي ألن لهما جناحك واخفضه لهما حتى لا تمتنع عن شيء أحباه {من الرحمة} أي من الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إليك، كما كنت في حال الصغر مفتقرًا إليهما.
الخامس: قوله سبحانه وتعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} أي وادع الله لهما أن يرحمهما برحمته الباقية، وأراد به إذا كانا مسلمين فأما إذا كانا كافرين فإن الدعاء منسوخ في حقهما بقوله سبحانه وتعالى: {ما كان للنبي والذين أمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى} وقيل: يجوز الدعاء لهما بأن يهديهما الله إلى الإسلام فإذا هداهما فقد رحمهما.
وقيل في معنى هذه الآية: إن الله سبحانه وتعالى بالغ في الوصية بهما حيث افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثم شفعه بالإحسان إليهما ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تسوؤهما وأن يذل، ويخضع لهما ثم ختمها بالأمر بالدعاء لهما والترحم عليهما.

.فصل في ذكر الأحاديث التي وردت في بر الوالدين:

(ق) عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحبتي؟ قال: أمك ثم أمك ثم أباك ثم أدناك فأدناك».
(م) عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رغم أنفه، رغم أنفه قيل من يا رسول الله؟ قال من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة».
(م) عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه».
(ق) عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد: فقال: أحيّ والداك قال: نعم قال ففيهما فجاهد» وعنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رضا الرب من رضا الوالدين وسخط الرب في سخط الوالدين» أخرجه الترمذي مرفوعًا وموقوفًا قال: هو أصح عن أبي الدرداء قال: «فإن شئت فضيع ذلك الباب أو احفظه» أخرجه الترمذي. وقال: حديث صحيح.
(م) عن عبد الله بن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الأعمال أحب إلى الله تعالى قال الصلاة لوقتها قلت، ثم أي قال بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله تعالى» قوله سبحانه وتعالى: {ربكم أعلم بما في أنفسكم} أي من بر الوالدين، واعتقاد ما يجب لهما من التوقير، عدم عقوقهما {إن تكونوا صالحين} أي أبرارًا مطيعين قاصدين الصلاح والبر بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين، أو غيرهما أو قبل فرط منكم في حال الغضب، وعن حرج الصدر وما لا يخلو منه البشر مما يؤدي إلى أذاهما ثم أنبتم إلى الله، واستغفرتم مما فرط منكم {فإنه كان للأوابين} للتوابين {غفورًا} قال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل تكون منه البادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلا الخير فإنه لا يؤاخذ بهما.
وقال سعيد بن المسيب: الأواب الذي يذنب ثم يتوب وعنه أنه الرجاع إلى الخير.
وقال ابن عباس: الأواب الرجاع إلى الله فيما يحزنه، وينوبه وعنه أنهم المسبحون.
وقيل: هم المصلون وقيل هم الذين يصلون صلاة الضحى يدل عليه ما روي عن زيد بن أرقم.
قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل قباء وهم يصلون الضحى فقال: «صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال» أخرجه مسلم قوله: إذا رمضت الفصال يريد ارتفاع الضحى وأن تحمى الرمضاء وهو الرمل بحر الشمس فتبرك الفصال من الحر وشدة إحراقه أخفافها.
والفصال جمع فصيل وهي أولاد الإبل الغار وقيل: الأوّاب الذي يصلي بين المغرب والعشاء يدل عليه ما روي عن ابن عباس: إن الملائكة لتحف بالذين يصلون بين المغرب والعشاء وهي صلاة الأوّابين.
قوله سبحانه وتعالى: {وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} قيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أمره الله سبحانه وتعالى أن يؤتي أقاربه حقوقهم وقيل: إنه خطاب للكل وهو أنه سبحانه وتعالى، وصى بعد بر الوالدين بالقرابة أن يؤتوا حقهم من صلة الرحم والمودة، والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة ونحو ذلك وقيل إن كانوا محاويج، وهو موسر لزمه الإنفاق عليهم وهو مذهب أبي حنيفة.
وقال الشافعي: لا تلزم النفقة إلا لوالد على ولده أو ولد على والديه فحسب وقيل: أراد بالقرابة قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم الكلام على المسكين وابن السبيل {ولا تبذر تبذيرًا} أي لاتنفق مالك في المعصية.
وقيل: لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا ولو أنفق درهمًا أو مدًا في باطل كان مبذرًا.
وسئل ابن مسعود عن التبذير فقال: إنفاق المال في غير حقه.
وقيل: هو إنفاق المال في العمارة على وجه السرف وقيل: إن بعضهم أنفق نفقة في خير فأكثر فقال له صاحبه لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} يعني أولياءهم وأصدقاءهم لأنهم يطيعونهم فيما يأمرونهم به من الإسراف، وقيل: أمثالهم في الشر وهذا غاية المذمة لأنه أشر من الشياطين، والعرب تقول لكل من هو ملازم سنة قوم: هو أخوهم {وكان الشيطان لربه كفورًا} أي جحودًا للنعمة فما ينبغي أن يطاع لأنه يدعو إلى مثل عمله.
قوله: {وإما تعرضن عنهم} نزلت في مهجع وبلال وصهيب وسالم وخباب كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في الأحايين ما يحتاجون إليه، ولا يجد فيعرض عنهم حياء منهم ويمسك عن القول فنزلت هذه الآية.
والمعنى: وإن تعرض عن هؤلاء الذي أمرت أن تؤتيهم {ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} أي انتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك {فقل لهم قولًا ميسورًا} أي لينًا جميلًا أي عدهم وعدًا طيبًا، تطيب به قلوبهم.
وقيل: هو أن يقول رزقنا الله وإياكم من فضله.
قوله سبحانه وتعالى: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} قال جابر: أتى صبي فقال يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعًا ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قميصه فقال للصبي: من ساعة إلى ساعة يظهر كذا فعد إلينا وقتًا آخر فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانًا فأذن بلال بالصلاة، وانتظره فلم يخرج فشغل قلوب أصحابه فدخل عليه بعضهم فرآه عريانًا فأنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآية، ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك أي لا تمسك يدك عن النفقة في الحق والخير كالمغلولة يده لا يقدر على مدها {ولا تبسطها} أي بالعطاء {كل البسط} أي فتعطي جميع ما عندك.
وقيل: هذا تمثيل لمنع الشحيح، وإعطاء المسرف أمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير {فتقعد ملومًا} أي عند الله لأن المسرف غير مرضي عنده، وقيل ملومًا عند نفسك وأصحابك أيضًا يلومونك على تضييع المال بالكلية وقيل: يلومك سائلوك على الإمساك إذا لم تعطهم {محسورًا} أي منقطعًا لا شيء عندك تنفقه وقيل: محسورًا أي نادمًا على ما فرط منك.
ثم سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من الإضافة بأن ذلك ليس لهوان بك عليه ولا لبخل منه عليك فقال تعالى: {إن ربك يبسط} أي يوسع {الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يقتر ويضيق، وذلك لمصلحة العباد {إنه كان بعباده خبيرًا بصيرًا} يعني أنه سبحانه وتعالى عالم بأحوال جميع عباده، وما يصلحهم فالتفاوت في أرزاق العباد ليس لأجل البخل بل لأجل رعاية مصالح العباد.
قوله: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} أي فاقة وفقر {نحن نرزقهم وإياكم} وذلك أن أهل الجاهلية، كانوا يئدون بناتهم خشية الفاقة أو يخافون عليهم من النهب والغارات، أو أن ينكحوهن لغير أكفاء لشدة الحاجة وذلك عار شديد عندهم فنهاهم الله عن قتلهن وقال نحن نرزقهم وإياكم، يعني أن الأرزاق بيد الله فكما أنه فتح أبواب الرزق على الرجال فكذلك يفتحه على النساء {إن قتلهم كان خطئًا كبيرًا} أي إثمًا كبيرًا {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة} أي قبيحة زائدة على حد القبح {وساء سبيلًا} أي بئس طريقًا طريقه، وهو أن تغصب امرأة غيرك أو أخته أو بنته من غير سبب والسبب ممكن وهو الصهر الذي شرعه الله تعالى قيل: إن الزنا يشتمل على أنواع من المفاسد منه المعصية وإيجاب الحد على نفسه ومنها اختلاط الأنساب فلا يعرف الرجل ولد من هو ولا يقوم أحد بتربيته وذلك يوجب ضياع الأولاد، وانقطاع النسل وذلك يوجب خراب العالم.
قوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة، وحل القتل إنما ثبت بسبب عارض، فلما كان كذلك نهى الله عن القتل على حكم الأصل ثم استثنى الحالة التي يحصل فيها حل القتل، وهي الأسباب العرضية فقال إلا بالحق أي إلا بإحدى ثلاث كما روي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» أخرجاه في الصحيحين {ومن قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سطانًا} أي قوة وولاية على القاتل بالقتل وقيل: سطانه هو أنه يتخير فإن شاء استقاد منه وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا {فلا يسرف في القتل} أي الولي قال بان عباس: لا يقتل غير القاتل وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل لا يرضون بقتل قاتله حتى يقتل أشرف منه.
وقيل معناه إذا كان القتيل واحدًا فلا يقتل به جماعة بل بواحد وكان أهل الجاهلية إذا كان المقتول شريفًا فلا يرضون بقتل القاتل وحده حتى يقتلوا معه جماعة من أقربائه، وقيل معناه أن لا يمثل بالقاتل {إنه كان منصورًا} قيل الضمير راجع للمقتول ظلمًا يعني أنه منصور في الدنيا بايجاب القود على قاتله وفي الآخرة بتكفير خطاياه وايجاب النار لقاتله، وقيل: الضمير راجع إلى ولي المقتول معناه: إنه كان منصورًا على القاتل باستيفاء القصاص منه أو الدية وقيل في قوله: فلا يسرف في القتل أراد به القاتل المعتدي بالقتل بغير الحق فإنه إن فعل ذلك فولي القتيل منصور عليه باستيفاء القصاص منه.
قوله سبحانه وتعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} أي الطريقة التي هي أحسن، وهي تنميته وحفظه عليه {حتى يبلغ أشده} وهو بلوغ النكاح والمراد ببلوغ الأشد كمال عقله ورشده بحيث يمكنه القيام بمصالح ماله، وإلا لم ينفك عنه الحجر {وأوفوا بالعهد} أي الإتيان بما أمر الله والانتهاء عما نهي عنه وقيل: أراد بالعهد ما يلتزمه الإنسان على نفسه {إن العهد كان مسؤولًا} أي عنه وقيل مطلوبًا وقيل: العهد يسأل فيقال فيم نقضت كالموؤدة تسأل فيم قتلت.
قوله: {وأفوا الكيل إذا كلتم} المراد منه إتمام الكيل {وزنوا بالقسطاس المستقيم} قيل هو ميزان صغيرًا كان أو كبيرًا، من ميزان الدراهم إلى ما هو أكبر منه وقيل: هو القبان قيل هو رومي وقيل: سرياني والأصح أنه عربي مأخوذ من القسط وهو العدل أي وزنوا بالعدل المستقيم، واعلم أن التفاوت الحاصل بسبب نقصان الكيل والوزن قليل والوعيد الحاصل عليه شديد عظيم، فوجب على العاقل الاحتراز عنه وإنما الوعيد فيه لأن جميع الناس محتاجون إلى المعاوضات والبيع والشراء، فالشارع بالغ في المنع من التطفيف والنقصان، سعيًا في إبقاء الأموال على أربابها {ذلك خير وأحسن تأويلًا} أي أحسن عاقبة من آل إذا رجع، وهو ما يؤول إليه أمره.