فصل: قال الشوكاني:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال الزجاج: إن يقولوا هو المقول وجزمه بلام الأمر محذوفة أي قل لهم ليقولوا التي.. إلخ.
وقال المازني: إنه المقول أيضًا إلا أنه مضارع مبني لحلوله محل المبني وهو فعل الأمر، والمعنى قل لعبادي قولوا التي هي أحسن وهو كما ترى، ومقول يقولوا {التى} وإذا أريد به الكلمة حملت على معناها الشامل للكلام.
{إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} أي يفسد ويهيج الشر بين المؤمنين والمشركين بالمخاشنة فلعل ذلك يؤدي إلى تأكد العناد وتمادي الفساد فالجملة تعليل للأمر السابق، وقرأ طلحة: {يَنزَغُ} بكسر الزاي، قال أبو حاتم: لعلها لغة والقراءة بالفتح، وقال صاحب اللوامح الفتح والكسر لغتان نحو يمنح ويمنح {إِنَّ الشيطان كَانَ} قدمًا {للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا} ظاهر العداوة فهو من أبان اللازم والجملة تعليل لما سبق من أن الشيطانت ينزغ بينهم.
{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} بالتوفيق للايمان {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ} بالإماتة على الكفر، وهذا تفسير التي هي أحسن والجملتان اعتراض بينهما والخطاب فيه للمشركين فكأنه قيل: قولوا لهم هذه الكلمة وما يشاكلها وعلقوا أمرهم على مشيئة الله تعالى ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه مما يهيجهم على الشر مع أن الخاتمة مجهولة لا يعلمها غيره تعالى فلعله سبحانه يهديهم إلى الايمان، والظاهر أن أو للانفصال الحقيقي.
وقال الكرماني: هي للاضراب ولذا كررت معها إن، وقال ابن الأنباري: دخلت أو هنا لسعة الأمرين عند الله تعالى ويقال لها المبيحة كالتي في قولهم جالس الحسن أو ابن سيرين فإنهم يعنون قد وسعنا لك الأمر وهو كما ترى {وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} أي موكولًا ومفوضًا إليك أمرهم تقسرهم على الإسلام وتجبرهم عليه وَإِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فدارهم ومر أصحابك بمداراتهم وتحمل أذيتهم وترك المشاقة معهم، وهذا قبل نزول آية السيف.
{وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وبأحوالهم الظاهرة والباطنة فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ممن تراه حكمته أهلًا لذلك وهو رد عليه إذ قالوا: بعيد أن يكون يتيم ابن أبي طالب نبيًا وأن يكون العراة الجوع كصهيب وبلال وخباب وغيرهم أصحابه دون أن يكون ذلك من الأكابر والصناديد.
وذكر من في السموات لإبطال قولهم {لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة} [الفرقان: 21] وذكر من في الأرض لرد قولهم: {لَوْلاَ نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] فلا يدل تخصيصهما بالذكر وتعلقهما بأعلم على اختصاص أعلميته تعالى بما ذكر فما قاله أوب علي من أن الجار متعلق بعلم محذوفًا ولا يجوز تعلقه بأعلم لاقتضائه أنه سبحانه ليس بأعلم بغير ذلك ناشيء عن عدم العلم بما ذكرنا على أن أبا حيان أنكر تعدي علم بالباء وإنما يتعدى لواحد بنفسه في مثل هذا الموضع {وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ} بالفضائل النفسانية والمزايا القدسية وإنزال الكتب السماوية لا بكثرة الأموال والأتباع {وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُورًا} بيان لحيثية تفضيله عليه الصلاة والسلام وأنه بإيتائه الزبور لا بإيتائه الملك والسلطنة وفيه إيذان بتفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم فإن كونه عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.
وأمته خير الأمم مما تضمنه الزبور وقد أخبر سبحانه عن ذلك بقوله عز قائلًا: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون} [الأنبياء: 105] يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمته ونص بعضهم أن هذا من باب التلميح نحو قصة المنصور وقد وعد الهذلي بعدة فنسيها فلما حجا وأتيا المدينة قال له يومًا وهو يسايره يا أمير المؤمنين هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:
يا بيت عاتكة الذي أتغزل

ففطن لمراده حيث قال ذلك ولم يسأله وعلم أنه يشير إلى قوله في هذه القصيدة:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ** مذق اللسان يقول ما لا يفعل

فأنجز عدته، والزبور في الأصل وصف للمفعول كالحلوب أو مصدر كالقبول، نعم هذا الوزن في المصادر قليل والأكثر ضم الفاء وبه قرأ حمزة وجعله بعضهم على هذه القراءة جمع زبر بكسر الزاي بمعنى مزبور ثم جعل علمًا للكتاب المخصوص وليس فيه من الأحكام شيء.
أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: الزبور ثناء على الله عز وجل ودعاء وتسبيح، وأخرج هو وابن جرير عن قتادة قال: كنا نحدث أن الزبور دعاء علمه داود عليه السلام وتحميد وتمجيد لله عز وجل ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود.
والذي تدل عليه بعض الآثار اشتمال على بعض النواهي والأوامر، فقد روى ابن أبي شيبة أنه مكتوب فيه أنى أنا الله لا إله إلا أنا ملك الملوك قلوب الملوك بيدي فأيما قوم كانوا على طاعة جعلت الملوك عليهم رحمة وأيما قوم كانوا على معصية جعلت الملوك عليهم نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ولا تتوبوا إليهم وتوبوا إلى أعطف قلوبهم عليكم، والمزامير التي يفهم منها الأمر والنهي كثيرة فيه كما لا يخفى على من رآه، ومع هذا الفرق بينه وبين التوراة ظاهر، ودخول أل عليه في بعض الآيات للمح الأصل وذلك لا ينافي العلمية كما في العباس والفضل.
وجوز أن يكون نكرة غير علم ونكر ليفيد أنه بعض من الكتب الإلهية أو من مطلق الكتب ولا إشكال أيضًا في دخول أل عليه أي آتيناه زبورًا من الزبر وجوز أن يكون مختصًا بكتاب داود عليه السلام وليس بعلم بل من غلبة اسم الجنس وهو كالقرآن يطلق على المجموع وعلى الأجزاء، وتقدم إفادة التنكير للبعضية في قوله تعالى: {لَيْلًا} [الإسراء: 1] فيجوز أن يكون المراد هنا آتيناه بعضًا من الزبور فيه ذكره صلى الله عليه وسلم، هذا ووجه ربط الآيات بما تقدم على هذا التفسير على مافي الكشف أنه تعالى لما أرشد نبيه صلى الله عليه وسلم إلى جواب الكفار بجده في استهزائهم وتوقره في استخفافهم ليكون أغيظ لهم وأشجى لحلوقهم أرشده إلى أن يحمل أصحابه أيضًا على ذلك وأن يستنوا بسنته وعلل ذلك بما اعترض به من أن الشيطان ينزغه يحمل على المخاشنة فعلى العاقل الحازم أن لا يغتر بوساوسه كيف وقد تبين له أنه عدو مبين، وقوله تعالى: {وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 54] متعلق بجميع السابق من قوله تعالى: {قُلْ كُونُواْ} [الإسراء: 50] المشتمل على مجادلته بالتي هي أحسن {وَقُل لّعِبَادِى} [الإسراء: 53] المشتمل على حملهم عليها إلى قوله سبحانه: {أَوْ أَن يَشَاء يُعَذّبُكُم} [الإسراء: 54] وقوله عز وجل: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ في السموات والأرض} [الإسراء: 55] من تتمة {إن تتبعون إِلاَّ رَجُلًا مَّسْحُورًا} [الإسراء: 47] فإنهم طعنوا فيه وحاشاه تارة بأنه شاعر ساحر مجنون وأخرى بنحو {لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] و{لو كان خيرًا ما سبقونا إليه} [الأحقاف: 11] فأجيب عن الأول بما أجيب وعن الثاني بقوله سبحانه: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ} {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ} وجوز أن يكون الخطاب في قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ} [الإسراء: 54] إلخ، للمؤمنين وروى ذلك عن الكلبي وأخرج الأول ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج والمعنى أنه تعالى إن يشأ يرحمكم أيها المؤمنون في الدنيا بإنجائكم من الكفرة ونصركم عليهم أو إن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم والمراد بالتي هي أحسن المجادلة الحسنة فكأنه تعالى لما ذكر الحجة اليقينية في صحة المعاد أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقول للمؤمنين إذا أردتم إيراد الحجة على المخالفين فاذكروا الدلائل بالطريق الأحسن وهو أن لا يكون ذلك ممزوجًا بالشتم والسب لأنه لو اختلط به لا يبعد أن يقابل بمثله فيزداد الغضب ويهيج الشر فلا يحصل المقصود وأشار سبحانه إلى ذلك بقوله عز قائلًا: {إِنَّ الشيطان} [الإسراء: 53] إلخ وضمير {بينهم} [الإسراء: 53] إما للكفار أو للفريقين وروى أن المشركين أفرطوا في إيذاء المؤمنين فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت وقيل شتم عمر رجل فهم رضي الله تعالى عنه به فأمره الله تعالى بالعفو.
قال في الكشف أنه على هذين القولين الكلمة التي هي أحسن نحو يهديكم الله تعالى وليست مفسرة بـ {ربكم أعلم بكم} [الإسراء: 54] وقوله سبحانه: {إِنَّ الشيطان يَنزَغُ} [الإسراء: 53] تعليل للأمر بالاحتمال بأن المخاشنة من فعل الشيطان والخطاب في قوله تعالى: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} [الإسراء: 54] للمؤمنين وفيه حث على المداراة أي فداروهم لأن ربكم أعلم بكم وبما يصلح لكم من أوامر إن يشأ يرحمكم بالملاينة والتراحم لأنه سبب السلامة عن أذى الكفار أو أن يشأ يعذبكم بمخاشنتكم في غير إبانها وما أرسلناك عليهم وكيلًا فهؤلاء المؤمنون وهم أتباعك أولى وأولى بأن لا يكونوا وكيلًا عليهم ثم قال والأول أوفق لتأليف النظم وفي إفادة {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ} [الإسراء: 54] الحث على ما قرر تكلف ما اه، وقيل: المراد من عبادي الكفار وحيث كان المقصود من الآيات الدعوة لا يبعد أن يعبر عنهم بذلك ليصير سببًا لجذب قلوبهم وميل طباعهم إلى قبول الدين الحق فكأنه قيل قل يا محمد لعبادي الذين أقروا بكونهم عبادًا لي يقولوا التي هي أحسن وهي الكلمة الحقة الدالة على التوحيد وإثبات القدرة على البعث وعرفهم أنه لا ينبغي لهم أن يصروا على المذهب الباطل تعصبًا للأسلاف فإن ذلك من الشيطان وهو للإنسان عدو مبين فلا ينبغي أن يلتفت إلى قوله، والمراد من الأمر بالقول الأمر باعتقاد ذلك وذكر القول لما أنه دليل الاعتقاد ظاهرًا ثم قال لهم سبحانه: {رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ} بالهداية {أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ} بالإماتة على الكفر إلا أن تلك المشيئة غائبة عنكم فاجتهدوا أنتم في طلب الدين الحق ولا تصروا على الباطل لئلا تصيروا محرومين عن السعادات الأبدية والخيرات السرمدية، ثم قال سبحانه: {وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 54] أي لا تشدد الأمر عليهم ولا تغلظ لهم بالقول، والمقصود من كل ذلك إظهار اللين والرفق لهم عند الدعوة لأنه أقرب لحصول المقصود، ثم إنه تعالى عمم علمه بقوله: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ} إلخ ويحسن على هذا ما روي عن ابن عباس وأخرجه ابن أبي حاتم عن ابن سيرين من تفسير {التى هي أَحْسَنُ} [الإسراء: 53] بلا إله إلا الله ونقل ذلك ابن عطية عن فرقة من العلماء ثم قال: ويلزم عليه أن يراد بعبادي جميع الخلق لأن جميعهم مدعو إلى قول لا إله إلا الله ويجىء قوله سبحانه: {إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53] غير مناسب إلا على معنى ينزغ خلالهم وأثناءهم ويفسر النزغ بالوسوسة والإملا ولا يخفى أنه في حيز المنع، وما ذكر من الدليل لا يتم إلا إذا لم يكن للتخصيص نكتة، وهي ههنا ظاهرة ويكون قوله تعالى: {قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مّن دُونِهِ} إلخ كالاستدلال على حقية ما دعاهم إليه من التوحيد وربطه بما تقدم على ما ذكرناه أولًا لا أظنه يخفي. اهـ.

.قال الشوكاني:

{وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49)}.
لما فرغ سبحانه من حكاية شبه القوم في النبوّات حكى شبهتهم في أمر المعاد فقال: {وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا} والاستفهام، للاستنكار والاستبعاد.
وتقرير الشبهة: أن الإنسان إذا مات جفت عظامه وتناثرت وتفرقت في جوانب العالم، واختلطت بسائطها بأمثالها من العناصر، فكيف يعقل بعد ذلك اجتماعها بأعيانها، ثم عود الحياة إلى ذلك المجموع، فأجاب سبحانه عنهم بأن إعادة بدن الميت إلى حال الحياة أمر ممكن، ولو فرضتم أن بدنه قد صار أبعد شيء من الحياة ومن رطوبة الحي كالحجارة والحديد، فهو كقول القائل: أتطمع فيّ وأنا ابن فلان؟ فيقول: كن ابن السلطان أو ابن من شئت فسأطلب منك حقي.
والرفات: ما تكسر وبلى من كلّ شيء كالفتات والحطام والرضاض، قاله أبو عبيدة، والكسائي، والفراء، والأخفش.
تقول منه: رفت الشيء رفتًا، أي: حطم فهو مرفوت.
وقيل: الرفات: الغبار، وقيل: التراب {أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} كرّر الاستفهام الدالّ على الاستنكار والاستبعاد؛ تأكيدًا وتقريرًا، والعامل في إذا هو ما دلّ عليه {لمبعوثون}، لا هو نفسه، لأن ما بعد إنّ والهمزة واللام لا يعمل فيما قبلها، والتقدير: {ءإذا كنا عظامًا ورفاتًا} نبعث {ءإنا لمبعوثون}، وانتصاب {خلقًا} على المصدرية من غير لفظه، أو على الحال، أي: مخلوقين، و{جديدًا} صفة له.
{قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا.
أَوْ خَلْقًا} آخر {مّمَّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ} قال ابن جرير: معناه: إن عجبتم من إنشاء الله لكم عظامًا ولحمًا فكونوا أنتم حجارة أو حديدًا إن قدرتم على ذلك، وقال علي بن عيسى: معناه: إنكم لو كنتم حجارة أو حديدًا لم تفوتوا الله عزّ وجلّ إذا أرادكم.
إلاّ أنه خرج مخرج الأمر لأنه أبلغ في الإلزام؛ وقيل: معناه: لو كنتم حجارة أو حديدًا لأعادكم كما بدأكم ولأماتكم ثم أحياكم، قال النحاس: وهذا قول حسن، لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارة أو حديدًا، وإنما المعنى: أنهم قد أقرّوا بخالقهم وأنكروا البعث، فقيل لهم: استشعروا أن تكونوا ما شئتم، فلو كنتم حجارة أو حديدًا لبعثتم كما خلقتم أوّل مرة.
قلت: وعلى هذا الوجه قررنا جواب الشبهة قبل هذا.
{أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ} أي: يعظم عندكم مما هو أكبر من الحجارة والحديد مباينة للحياة فإنكم مبعوثون لا محالة، وقيل: المراد به السموات والأرض والجبال لعظمها في النفوس.
وقال جماعة من الصحابة والتابعين: المراد به الموت، لأنه ليس شيء أكبر في نفس ابن آدم منه.
والمعنى: لو كنتم الموت لأماتكم الله ثم بعثكم.
ولا يخفى ما في هذا من البعد، فإن معنى الآية: الترقي من الحجارة إلى الحديد، ثم من الحديد إلى ما هو أكبر في صدور القوم منه، والموت نفسه ليس بشيء يعقل ويحسّ حتى يقع الترقي من الحديد إليه {فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا} إذا كنا عظامًا ورفاتًا، أو حجارة أو حديدًا مع ما بين الحالتين من التفاوت.
{قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} أي: يعيدكم الذي خلقكم واخترعكم عند ابتداء خلقكم من غير مثال سابق ولا صورة متقدّمة {فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءوسِهِمُ} أي: يحركونها استهزاءً، يقال: نغض رأسه ينغض وينغض وينغض نغضًا ونغوضًا أي: تحرك، وأنغض رأسه حركه كالمتعجب، ومنه قول الراجز:
أنغض نحوي رأسه وأقنعا