فصل: قال الماوردي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين} يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: شفاء من الضلال، لما فيه من الهدى.
الثاني: شفاء من السقم، لما فيه من البركة.
الثالث: شفاء من الفرائض والأحكام، لما فيه من البيان.
وتأويله الرحمة ها هنا على الوجوه الأُوَلِ الثلاثة:
أحدها: أنها الهدى.
الثاني: أنها البركة.
الثالث: أنها البيان.
{ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا} يحتمل وجهين:
أحدهما: يزيدهم خسارًا لزيادة تكذيبهم.
الثاني: يزيدهم خسارًا لزيادة ما يرد فيه من عذابهم.
قوله عز وجل: {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه} يحتمل وجهين:
أحدهما: إذا أنعمنا عليه بالصحة والغنى أعرض ونأى وبعد من الخير.
الثاني: إذا أنعمنا عليه بالهداية أعرض عن السماع وبعُد من القبول وفي قوله: {ونأى بجانبه} وجهان:
أحدهما: أعجب بنفسه، لأن المعجب نافر من الناس متباعد عنهم.
الثاني: تباعد من ربه.
{وإذا مَسّهُ الشر كان يئوسًا} يحتمل إياسه من الفرج إذا مسه الشر وجهين:
أحدهما: بجحوده وتكذيبه.
الثاني: بعلمه بمعصيته أنه معاقب على ذنبه.
وفي {الشر} ها هنا ثلاثة تأويلات:
أحدها: أنه الفقر، قاله قتادة.
الثاني: أنه السقم، قاله الكلبي.
الثالث: السيف، وهو محتمل.
قوله عز وجل: {قُلْ كلٌّ يعمل على شاكلته} في ستة تأويلات:
أحدها: على حِدّته، قاله مجاهد.
الثاني: على طبيعته، قاله ابن عباس.
الثالث: على بيته، قاله قتادة.
الرابع: على دينه، قاله ابن زيد.
الخامس: على عادته.
السادس: على أخلاقه.
{فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلًا} فيه وجهان:
أحدهما: أحسن دينًا.
الثاني: أسرع قبولًا.
قوله عز وجل: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي} فيها خمسة أقاويل:
أحدها: أنه جبريل عليه السلام، قاله ابن عباس. كما قال تعالى: {نزل به الروح الأمين} [الشعراء: 193].
الثاني: ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان يسبح الله تعالى بجميع ذلك، قاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
الثالث: أنه القرآن، قاله الحسن، كما قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا} [الشورى: 52] فيكون معناه أن القرآن من أمر الله تعالى ووحيه الذي أنزل عليّ وليس هو مني.
الرابع: أنه عيسى ابن مريم هو من أمر الله تعالى وليس كما ادعته النصارى أنه ابن الله، ولا كما افترته اليهود أنه لغير رشدة.
الخامس: أنه روح الحيوان، وهي مشتقة من الريح.
قال قتادة سأله عنها قوم من اليهود وقيل في كتابهم أنه إن أجاب عن الروح فليس بنبيّ فقال الله تعالى: {قل الروح من أمر ربي} فلم يجبهم عنها فاحتمل ذلك ستة أوجه:
أحدها: تحقيقًا لشيء إن كان في كتابهم.
الثاني: أنهم قصدوا بذلك الإعنات كما قصدوا اقتراح الآيات.
الثالث: لأنه قد يتوصل إلى معرفته بالعقل دون السمع.
الرابع: لئلا يكون ذلك ذريعة إلى سؤال ما لا يعني.
الخامس: قاله بعض المتكلمين، أنه لو أجابهم عنها ووصفها؛ بأنها جسم رقيق تقوم معه الحياة، لخرج من شكل كلام النبوة، وحصل في شكل كلام الفلاسفة. فقال {من أمر ربي} أي هو القادر عليه.
السادس: أن المقصود من سؤالهم عن الروح أن يتبين لهم أنه محدث أو قديم، فأجابهم بأنه محدث لأنه قال: {من أمر ربي} أي من فعله وخلقه، كما قال تعالى: {إنما أمرنا لشيء}.
فعلى هذا الوجه يكون جوابًا لما سألوه، ولا يكون على الوجوه المتقدمة جوابًا.
{وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} فيه وجهان:
أحدهما: إلا قليلًا من معلومات الله.
الثاني: إلا قليلًا بحسب ما تدعو الحاجة إليه حالًا فحالًا.
وفيمن أريد بقوله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا} قولان:
أحدهما: أنهم اليهود خاصة، قاله قتادة.
الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الخلق.
قوله عز وجل: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك}.
فيه وجهان:
أحدهما: لأذهبناه من الصدور والكتب حتى لا يقدر عليه.
الثاني: لأذهبناه بقبضك إلينا حتى لا ينزل عليك.
{ثم لا تجدُ لك به علينا وكيلًا} فيه وجهان:
أحدهما: أي لا تجد من يتوكل في رده إليك، وهو تأويل من قال بالوجه الأول.
الثاني: لا تجد من يمنعنا منك، وهو تأويل من قال بالوجه الثاني.
{إلاّ رحمة من ربك} أي لكن رحمة من ربك أبقاك له وأبقاه عليك.
{إنّ فضله كان عليك كبيرًا} فيه وجهان:
أحدهما: جزيلًا لكثرته.
الثاني: جليلًا لعظيم خطره. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}.
وقرأ الجمهور: {وننزل} بالنون، وقرأ مجاهد: {وينزل} بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن حفص، وقوله: {من القرآن} يصح أن تكون {من} لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس كأنه قال وننزل ما فيه شفاء {من القرآن} وأنكر بعض المتأولين أن يكون {من} للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن بعضه لا شفاء فيه.
قال القاضي أبو محمد: وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو مبعض، فكأنه قال {وننزل من القرآن} شيئًا شيئًا ما فيه كله.، واستعارته الشفاء للقرآن هو بحسب إزالته للريب وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى المقررة لشرعه، ويحتمل أن يراد بالشفاء نفعه من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه، وكونه رحمته ظاهر، وقوله: {ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا} معنى أنه عليهم عمى، إذ هم معرضون بحالة من لا يفهم ولا يلقن. وقوله: {وإذا أنعمنا} الآية، {الإنسان} في هذه الآية لا يراد به العموم، وإنما يراد به بعضه وهم الكفرة، وهذا كما تقول عند غضب: لا خير في الأصدقاء ولا أمانة في الناس، فأنت تعم مبالغة، ومرادك البعض، وهذا بحسب ذكر الظالمين، والخسار في الآية قبل فاتصل ذكر الكفرة، ويحتمل أن يكون {الإنسان} في هذه الآية عامًا للجنس، على معنى أن هذا الخلق الذميم في سجيته، فالكافر يبالغ في الإعراض والعاصي يأخذ بحظه منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مؤمن: «فأعرض فأعرض الله عنه»، ومعنى {أعرض} ولانا عرضه، ونأى أي بعد، وهذه استعارة، وذلك أنه يفعل أفعال المعرض النائي في تركه الإيمان بالله وشكر نعمه عليه، وقرأ ابن عامر وحده {وناء}، ومعناه نهض أي متباعدًا، هذا قول طائفة، وقالت أخرى هو قلب الهمزة بعد الألف من {نأى} بعينه وهي لغة كرأى وراء، ومن هذه اللفظة، قول الشاعر في صفة رام: [الرجز]
حتى إذا ما التأمت مفاصله ** وناء في شق الشمال كاهله

أي نهض متوركًا على شماله، والذي عندي أن ناء ونأى فعلان متباينان، وناء بجانبه عبارة عن التحيز والاستبداد، ونأى عبارة عن البعد والفراق، ثم وصف الكفرة بأنهم إذا مسهم شر من مرض أو مصيبة في مال أو غير ذلك يئسوا من حيث لا يؤمنون بالله ولا يرجون تصرف أقداره، ثم قال عز وجل: {قل} يا محمد {كل يعمل على شاكلته} أي على طريقته وبحسب نيته ومذهبه الذي يشبهه وهو شكله ومثل له، وهذه الآية تدل دلالة ما على أن {الإنسان} أولًا لم يرد به العموم، أي إن الكفار بهذه الصفات، والمؤمنون بخلافها، وكل منهم يعمل على ما يليق به، والرب تعالى أعلم بالمهتدي، وقال مجاهد: {على شاكلته} معناه على طبيعته، وقال أيضًا معناه على حدته، وقال ابن عباس: معناه على ناحيته، وقال قتادة: معناه على ناحيته وعلى ما ينوي، وقال ابن زيد: معناه على دينه، وأرجح هذه العبارات قول ابن عباس وقتادة وفي قوله: {فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلًا} توعد بين {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)}.
الضمير في {يسألونك} قيل هو لليهود وإن الآية مدنية، وروى عبد الله بن مسعود، أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمر على حرث بالمدينة، ويروى على خرب، وإذا فيه جماعة من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فإن أجاب فيه عرفتم أنه ليس بنبي، وذلك أنه كان عندهم في التوراة أن الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يطلع عليه أحدًا من عباده، قال ابن مسعود: وقال بعضهم: لا تسألوه لئلا يأتي في بشيء تكرهونه يعني والله أعلم من أنه لا يفسره فتقوى الحجة عليهم في نبوته، قال فسألوه فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم متوكئًا على عسيب فظننت أنه يوحى إليه، ثم تلا عليهم الآية، وقيل الآية مكية والضمير لقريش، وذلك أنهم قالوا: نسأل عن محمد أهل الكتاب من اليهود، فأرسلوا إليهم إلى المدينة النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، فقال اليهود لهما: جرباه بثلاث مسائل، سلوه عن أهل الكهف، وعن ذي القرنين، وعن الروح، فإن فسر الثلاثة فهو كذاب، وإن سكت عن الروح فهو نبي، فسألته قريش عن الروح، فيروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم «غدًا أخبركم به»، ولم يقل إن شاء الله، فاستمسك الوحي عليه خمسة عشر يومًا، معاتبة على وعده لهم دون استثناء، ثم نزلت هذه الآية، واختلف الناس في {الروح} المسؤول عن أي روح هو؟ فقالت فرقة هي الجمهور: وقع السؤال عن الروح التي في الأشخاص الحيوانية ما هي؟ ف {الروح} اسم جنس على هذا، وهذا هو الصواب، وهو المشكل الذي لا تفسير له، وقال قتادة {الروح} المسؤول عنه جبريل، قال وكان ابن عباس يكتمه، وقالت فرقة عيسى ابن مريم، وقال علي بن أبي طالب: ملك له سبعون ألف وجه في كل وجه سبعون ألف لسان لكل لسان سبعون ألف لغة يسبح الله سبحانه بكل تلك اللغات يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة، ذكره الطبري، وما أظن هذا القول يصح عن علي، وقالت فرقة {الروح} القرآن، وهذه كلها أقوال مفسرة، والأول أظهرها وأصوبها، وقوله: {من أمر ربي} يحتمل تأويلين: أحدهما: أن يكون الأمر اسم جنس للأمور أي للروح من جملة أمور الله التي استأثر بعلمها، فهي إضافة خلق إلى خالق، والثاني أن يكون مصدرًا من أمر يأمر أي الروح مما أمره أمرًا بالكون فكان. وقرأ ابن مسعود والاعمش: {وما أوتوا}، ورواها ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وقرأ الجمهور: {وما أوتيتم} واختلف فيمن خوطب بذلك، فقالت فرقة: السائلون فقط، ترجم الطبري بذلك ثم أدخل تحت الترجمة عن قتادة أنهم اليهود، وقال قوم: المراد اليهود بجملتهم، وعلى هذا هي قراءة ابن مسعود، وقالت فرقة: العالم كله، وهذا هو الصحيح لأن قول الله له {قل الروح} إنما هو أمر بالقول لجميع العالم إذ كذلك هي أقواله كلها وعلى ذلك تمت الآية من مخاطبة الكل، ويحتمل أيضًا أن تكون مخاطبة من الله للنبي ولجميع الناس ويتصف ما عند جميع الناس من العلم بالقلة بإضافته إلى علم الله عز وجل الذي هو بهذه الأمور التي عندنا من علمها طرف يسير جدًا، كما قال الخضر عليه السلام لموسى عليه السلام: ما نقص علمي وعلمك وعلم الخلائق من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر، وأراد الخضر علم الله تعالى بهذه الموجودات التي عند البشر من علمها طرف يسير نسبة إلى ما يخفى عليهم نسبة النقطة إلى البحر، وأما علم الله على الإطلاق فغير متناه، ويحتمل أن يكون التجوز في قول الخضر كما نقص هذا العصفور، أي إما لا ينقص علمنا شيئًا من علم الله تعالى على الإطلاق ثم مثل بنقرة العصفور في عدم النقص، إذ نقصه غير محسوس، فكأنه معدوم، فهذا احتمال، ولكن فيه نظر، وقد قالت اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف لم نؤت من العلم إلا قليلًا؟ وقد أوتينا التوراة، وهي الحكمة ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فعارضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلم الله، فغلبوا، وقد نص رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في بعض الأحاديث «كلًا» يعني أن المراد ب {أوتيتم} جميع العالم، وذلك أن يهود قالت له: نحن عنيت أو قومك؟ فقال: «كلًا»، وفي هذا المعنى نزلت {وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ} [لقمان: 27]، حكى ذلك الطبري رحمه الله، وقوله تعالى: {ولئن شئنا} الآية فيها شدة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهي عتاب على قوله غدًا أعلمكم، فأمر بأن يقول إن الروح من أمر ربه فيذعن بالتسليم لله في أنه يعلم بما شاء، ويمسك عن عباده ما شاء، ثم قيل له {وما أوتيتم} أنت يا محمد وجميع الخلائق {من العلم إلا قليلًا}، فالله يعلم من علمه بما شاء ويدع ما شاء، ولئن شاء لذهب بالوحي الذي أتاك، ثم لا ناصر لك منه، أي فليس بعظيم أن لا تجيء بتفسير في الروح الذي أردت أن تفسره للناس ووعدتهم بذلك، وروى ابن مسعود أنه ستخرج ريح حمراء من قبل الشام فتزيل القرآن من المصاحف ومن الصدور وتذهب به، ثم يتلو هذه الآية. أراد ابن مسعود بتلاوة الآية أن يبدي أن الأمر جائز الوقوع ليظهر مصداق خبره من كتاب الله تعالى.
والوكيل القائم بالأمر في الانتصار أو المخاصمة ونحو ذلك من وجود النفع، وقوله: {إلا رحمة} استثناء منقطع، أي لكن رحمة من ربك تمسك ذلك عليك، وهذا الاستثناء المنقطع يخصص تخصيصًا ما، وليس كالمتصل لأن المتصل يخصص من الجنس أو الجملة، والمنقطع يخصص أجنبيًا من ذلك، ولا ينكر وقوع المنقطع في القرآن إلا أعجمي، وقد حكي ذلك عن ابن خويز منداد، ثم عدد عليه عز وجل كبر فضله في اختصاصه بالنبوة وحمايته من المشركين إلى غير ذلك مما لا يحصى. اهـ.