فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قوله: {وبالحق نَزَلَ} فيه الوجهان الأوَّلان دونَ الثالث لعدمِ ضميرٍ آخرَ غيرِ ضمير القرآن. وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها للتأكيد، وذلك أنه يُقال: أنزلْتُه فَنَزَل، وأنزلْتُه فلا يَنْزِلْ، فجيْءَ بقوله: {وبالحق نَزَلَ} دَفْعًا لهذا الوهم. وقيل: ليست للتأكيد، والمغايرةُ تَحْصُل بالتغاير بين الحقِّيْنِ، فالحقُّ الأول التوحيد، والثاني الوعدُ والوعيدُ والأمر والنهي. وقال الزمخشري: وما أَنْزَلْنَا القرآنَ إلا بالحكمةِ المقتضية لإنزاله، وما نَزَلَ إلا ملتبسًا بالحق والحكمةِ لاشتماله على الهداية إلى كلِّ خير، أو ما أَنْزَلْنَاه من السماء إلا بالحقِّ محفوظًا بالرَّصْدِ من الملائكةِ، وما نَزَلَ على الرسول إلا محفوظًا بهم مِنْ تخليط الشياطين. و{مبشِّرًا ونذيرًا} حالان من مفعول {أَرْسَلْنَاك}.
قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ}:
في نصبه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: وآتَيْناك قرآنًا يدلُّ عليه قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى} [الإسراء: 101]. الثاني: أنه منصوبٌ عطفًا على الكافِ في {أَرْسَلْناك}. قال ابنُ عطية: من حيث كان إرسالُ هذا وإنزال هذا معنى واحدًا.
الثالث: أنه منصوبٌ عطفًا على {مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} قال الفراء: هو منصوبٌ بـ {أَرْسَلْناك}، أي: ما أرسلناك إلا مبشِّرًا ونذيرًا وقرآنًا، كما تقول: ورحمة لأنَّ القرآنَ رحمةً. قلت: يعني أنه جُعِل نفسُ القرآن مُرادًا به الرحمةُ مبالغةً، ولو ادَّعى ذلك على حَذْفِ مضافٍ كان أقربَ، أي: وذا قرآنٍ. وهذان الوجهان متكلِّفان.
الرابع: أن ينتصِبَ على الاشتغال، أي: وفَرَقْنا قرآنًا فرقناه. واعتذر الشيخُ عن ذلك، أي: عن كونِه لا يَصِحُّ الابتداءُ به لو جَعَلْناه مبتدأً لعدم مُسَوِّغٍ؛ لأنه لا يجوزُ الاشتغال إلا حيث يجوز في ذلك الاسمِ الابتداءُ، بأنَّ ثمَّ محذوفةً، تقديرُه: وقرآنًا أيَّ قرآنٍ، بمعنى عظيم. و{فَرَقْناه} على هذا لا محلَّ له بخلاف الأوجهِ المتقدمةِ؛ فإن محلِّه النصبُ لأنَّه نعتٌ ل {قرآنًا}.
والعامَّةُ {فَرَقْناه} بالتخفيف، أي: بَيَّنَا حلالَه وحرامَه، أو فَرَقْنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ علي بن أبي طالب- كرَّم اللهُ وجهَه- واُبَيّ وعبدُ الله وابنُ عباس والشعبي وقتادة وحميد في آخرين بالتشديد. وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّ التضعيفَ فيه للتكثير، أي: فَرَّقْنا آياتِه بين أمرٍ ونهي وحِكَمٍ وأحكامٍ ومواعظ وأمثال وقصص وأخبار ماضيةٍ ومستقبلةٍ. والثاني: أنه دالٌّ على التفريق والتنجيم.
قال الزمخشري: وعن ابن عباس أنه قرأ مشدَّدًا، وقال: لم يَنْزِلْ في يومين ولا في ثلاثةٍ، بل كان بين أولِه وآخره عشرون سنةً، يعني أنَّ فَرَقَ بالتخفيف يدلُّ على فصلٍ متقاربٍ.
قال الشيخ: وقال بعضُ من اختار ذلك- يعني التنجيمَ- لم يَنْزِلْ في يومٍ ولا يومين ولا شهرٍ ولا شَهْرَيْن، ولا سنةٍ ولا سنتين. قال ابنُ عباس: كان بين أوله وآخره عشرون سنة، كذا قال الزمخشريُّ عن ابن عباس. قلت: وظاهرُ هذا أنَّ القولَ بالتنجيم ليس مرويًَّا عن ابن عباس ولا سيما وقد فَصَل قوله: قال ابن عباس مِنْ قوله: وقال بعضُ مَنْ اختار ذلك، ومقصودُه أنه لم يُسْنِده لابن عباس لِيَتِمَّ له الردُّ على الزمخشري في أنَّ فَعَّل بالتشديد لا يَدُلُّ على التفريق، وقد تقدَّم له معه هذا المبحثُ أولَ هذا الموضوع.
قوله: {لتقرأَه} متعلقٌ بـ {فَرَقْناه}. و{على مُكْثٍ} فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلِّق بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الفاعل أو المفعول في {لتقرأه}، أي: متمهِّلًا مترسِّلًا.
والثاني: أنه بدلٌ مِنْ {على الناس} قاله الحوفيُّ، وهو وهمٌ، لأنَّ قوله: {على مُكْثٍ} من صفاتِ القارئ أو المقروء من جهةِ المعنى، لا من صفاتِ الناس حتى يكون بدلًا منهم. الثالث: أنه متعلِّقٌ ب {فَرَقْناه}.
وقال الشيخ: والظاهرُ تَعَلُّق {على مُكْث} بقوله: {لتقرأه} ولا يُبالَى بكونِ الفعلِ يتعلَّق به حرفا جرٍّ من جنسٍ واحدٍ لأنه اختلف معنى الحرفين؛ لأنَّ الأولَ في موضعِ المفعول به، والثاني في موضعِ الحالِ، أي: متمهِّلًا مترسِّلًا.
قلت: قولُه أولًا إنه متعلقٌ بقوله: {لتقرأَه} ينافي قولَه في موضع الحال؛ لأنه متى كان حالًا تعلَّق بمحذوف. لا يُقال: أراد التعلق المعنوي لا الصناعي لأنه قال: ولا يُبالَى بكون الفعل يتعلق به حرفا جرّ من جنسِ واحد، وهذا تفسيرُ إعرابٍ لا تفسيرُ معنى.
والمُكْثُ: التطاولُ في المدة وفيه ثلاثةُ لغاتٍ: الضمُّ والفتحُ- ونقل القراءةَ بهما الحوفي وأبو البقاء- والكسرُ، ولم يُقرأ به فيما علمتُ. وفي فعله الفتحُ والضم وسيأتيان إن شاء الله تعالى في النمل.
{قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)}.
قوله تعالى: {لِلأَذْقَانِ} في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها بمعنى على، أي: على الأذقان كقولِهم: خرَّ على وجهِه. والثاني: أنها للاختصاص، قال الزمخشري: فإن قُلْتَ: حرفُ الاستعلاءِ ظاهرُ المعنى إذا قلت: خَرَّ على وجهه وعلى ذَقَنه فما معنى اللام في خِرَّ لذَقْنَه ولوجهه ؟ قال:
فخرَّ صريعًا لليدين وللفمِ

قلت: معناه: جَعَلَ ذقَنَه ووجهَه للخُرور، واختصَّ به؛ لأنَّ اللامَ للاختصاص. وقال أبو البقاء: والثاني هي متعلقةٌ بـ {يَخِرُّون} واللامُ على بابها، أي: مُذِلُّون للأذقان.
والأَذْقان: جمعُ ذَقَنٍ وهو مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْن. قال الشاعر:
فَخَرُّوا لأَذْقانِ الوجوه تنوشُهُمْ ** سِباعٌ من الطير العوادِي وتَنْتِفُ

و{سُجَّدًا} حال. وجوَّز أبو البقاء في {للأَذقان} أن يكونَ حالًا. قال: أي: ساجدين للأذقان وكأنه يعني به {للأذقان} الثانية؛ لأنه يصير المعنى: ساجدين للأذقان سُجَّدًا، ولذلك قال: والثالث: أنها- يعني اللامَ- بمعنى على، فعلى هذا تكون حالًا مِنْ {يَبْكُون} و{يَبْكُون} حال.
{وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)}.
قوله تعالى: {وَيَزِيدُهُمْ}: فاعلُ يزيد: إمَّا القرآنُ، أو البكاءُ أو السجودُ أو المتلوُّ، لدلالةِ قوله: {إذا يتْلى}. وتكرَّر الخُرور لاختلافِ حالتِه بالبكاء والسجود، وجاءتِ الحالُ الأولى اسمًا لدلالتِه على الاستقرار، والثانية فعلًا لدلالتِه على التجدُّدِ والحدوث. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105)}.
القرآن حقٌ، ونزوله بحق، ومُنَزِّلهُ حق، والمُنَزَّلُ عليه حق، فالقرآن بحقِّ أنزل ومِنْ حقِِّ نزل وعلى حقِّ نزل. وقد فَرَّق القرآنَ القرآنَ لِيُهَوِّنَ عيه- صلوات الله عليه- حِفَْظَه، وليكثر تردد الرسول من ربِّه عليه، وليكون نزوله في كل وقت وفي كل حادثة وواقعة دليلًا على أنه ليس مما أعان عليه غيره.
{قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)}.
إنْ آمنتم حَصَلَ النفعُ لكم، وإنْ جَحَدْتُم ففي إيمان مَنْ آمن مِنْ أوليائنا عنكم خَلَفٌ، وإنَّ الضَّرَرَ عائدٌ عليكم. وإنَّ مَنْ أَضأْنَا عليهم شموس إقبالنا لتُشْرِقُ أنوار معارفهم؛ فإذا تُليت عليهم آياتُنا سَجَدُوا بَدَل جحْدِهم، واستجابوا بدل تمردهم، وقابلوا بالتصديق ما يقال لهم.
{وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)}.
تأثيره في قلوب قوم يختلف؛ فتأثير السماع في قلوب العلماء بالتبصُّر، وتأثير السماع في أنوار الموحِّدين بالتحير؛ تبصُّر العلماء بصحة الاستدلال، وتحيُّر الموحدين في شهود الجمال والجلال.
وبكاء كل واحدٍ على حسب حاله: فالتائب يبكي لخوف عقوبته لما أَسْلَفَهُ من زَلَّته وحَوْبته، والمطيعُ يبكي لتقصيره في طاعته، ولكيلا يفوته ما يأمله من مِنَّتِه.
وقوم يبكون لاستبهام عاقبتهم وسابقتهم عليهم.
وآخرون بكاؤهم بلا سبب متعين. وآخرون يبكون تحسرًا على مايفوتهم من الحق.
والبكاء عند الأكابر معلول، وهو في الجملة يدل على ضعف حال الرجل، وفي معناه أنشدوا:
خُلِقْنا رجالًا للتجلدِ والأَسَى ** وتلك الغواني للبُكا والمآتِم

اهـ.

.تفسير الآيات (110- 111):

قوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)}.

.مناسبة الآيتين لما قبلهما:

قال البقاعي:
ولما كان إيمان أهل العلم الأول به وإذعانهم له وتركهم لأديانهم- التي أخذوها عن الأنبياء الآتين إليهم بالكتب لأجله بعد إقامة الدليل القاطع على أنه من عند الله- موجبًا لكل من له أدنى إنسانية أن يؤمن به ويقبل عليه ويدعو من أنزله دون غيره دائمًا، لا في أوقات الشدة فقط {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} وكانت أوقات الإجابة أولى بالدعاء من غيرها، وكانت حالة السجود لا سيما مع البكاء والخشوع أولاها «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» كان المعاندون من العرب كأنهم قالوا لأن ذلك من شأنهم ومن حقهم بعد ما قام من الأدلة: آمنًا فعلِّمنا كيف ندعو وبأيّ اسم نهتف؟ ولما كان الجلالة هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى، وكان قد ورد في النحل من التنويه به ما لم يرد في غيرها لما تقدم من الأسرار مع أنه عد فيها من النعم ما لم يعد في غيرها، ومنها تعليم الإنسان البيان، وذلك أليق باسم الرحمن {الرحمن علم القرآن} [الرحمن: 1] الآيات، وكانت الرحمة دنيوية وأخروية من الخالق ومن الخلائق قد كررت في هذه السورة ثماني مرات {عسى ربكم أن يرحمكم}، {جناح الذل من الرحمة}، {وقل رب ارحمهما} {ابتغاء رحمة من ربك}، {ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم}، {إنه كان بكم رحيمًا}، {إلا رحمة من ربك} خزائن رحمة ربي وكان ذلك ظاهرًا في إرادة عمومها، فكان اسم الرحمن به أليق، وقع الجواب بقوله تعالى: {قل ادعوا الله} أي الملك الأعظم ذا الجلال والإكرام في ذات إحاطته {أو ادعوا الرحمن} في معنى استغراقه بالرحمة، أي سموا- أي أوقعوا الدعاء مسمين في حال دعائكم- ربكم الذي سبحتموه في السجود بأي اسم أردتم مما أذن فيه، فاهتفوا بهذا الاسم الدال على الجلال، واستحقاق مسماه الدعاء لذاته، أو بهذا الاسم الدال على الجمال واستحقاقه الدعاء لإنعامه، مطلقًا وفي حالة السجود {أيًّا ما تدعوا} أي به من أسمائه فقد حصلتم به على القصد، فإن المسمى واحد وإن تعددت أسماؤه الدالة على الشرف.
ولما كان في الرحمن جمال ظاهر في باطنه جلال، لأن عموم الرحمة لبعض نعمة، ولبعض استدراج ونقمة، فكان لذلك جامعًا لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى، سبب عن ذكر كل من الاسمين: العلم الجامع، والوصف الواقع موقعه، قوله: {فله} أي المسمى بهذين الاسمين وحده، وهو الواحد الأحد {الأسماء الحسنى} هذان الاسمان وغيرهما مما ورد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو دال على التحميد والتمجيد والتقديس والتعظيم، فهذا الضمير استخدام، وقد تضمن هذا القول أن معنى اسم الرحمن أشمل من اسم الرحيم وإن كان بناء كل منهما للمبالغة؛ قال الإمام أبو الحسن الحرالي رحمه الله في شرحه للأسماء الحسنى: الرحمانية استغراق الخلق بالرحمة في إنشائهم، والرحيمية إجراء الخلق على ما يوافق حسهم ويلائم خَلقهم وخُلقهم ومقصد أفئدتهم، فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية، وإذا استغرق كان رحمانية ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لتمام معناه وجود الخلق، فلم يجر بحق على أحد منهم، وإنما يوجد فيهم حظ خاص من معناه يجري عليهم به اسم الرحيم لا اسم الرحمن، فلذلك لحق اسم الرحمن في معنى استغراقه باسم الله في ذات إحاطته فقال تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} فإذا تحقق القلب اختصاصه بالله علمًا كان أصلًا للفظ به قولًا فعلمت أنه لا رحمن إلا الله كما أنه لا إله إلا الله، ولحق باسم الإله فقد علم فقد التمام لمعناه في الخلق كما قد فقد أصل علم الاعتبار من معناه في اسم إله، والتوحيد في اسم الرحمن واجب لاحق بالفرض في توحيد الإله، ولذلك ولي اسم الله في موارده في الكتب وفي هذا التعديد أي الوارد في حديث الترمذي والبزار وغيرهما من أسماء الله الحسنى عن أبي هريرة رضى الله عنهم انتهى. وقد مر في آخر الحجر ما ينفع هنا.
ولما ذكر السجود وعقبه بالدعاء، أشار إلى أنه في كل حالة حسن، وفي الصلاة أولى وأحسن، بعد أن ذكر قريبًا الصلوات الخمس، وكان ربما فهم من قوله: {إن قرءان الفجر كان مشهودًا}، ومن قوله: {إذا يتلى عليهم} قوة الجهر به قال تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك فيها، أو سمى القراءة صلاة لأنها شرط فيها جهرًا قويًا حتى تسمعه المشركون، فإن المخالفين قد عرف عنادهم فلا يؤمن سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به، بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون، وربما صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا عليه قراءته {ولا تخافت} أي تسر {بها} إسرارًا بليغًا كأنك تناظر فيه آخر بحيث لا تسمع من وراءك ليأخذوه عنك {وابتغ} أي اطلب بغاية جهدك {بين ذلك} أي الجهر والمخافتة التي أفهمت أداة البعد عظمة شأنهما {سبيلًا} أي طريقًا وسطًا؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس- رضى الله عنهما- في هذه الآية قال: نزلت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختفٍ بمكة، كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم {ولا تجهر بصلاتك} أي بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن {ولا تخافت بها} عن أصحابك فلا تسمعهم- انتهى.
أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم اسم الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم هناك القراءة في الفجر، وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية نزلت في الدعاء، وقد تقدم غير مرة أنه ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة.
ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين، أما الله فبجميع معاني الأسماء الحسنى، وأما الرحمن فبالرحمانية، المأمور بالدعاء بهما كل مخاطب، خصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة واسمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامدًا ومحمودًا، وبالتكبير عن كل ما يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى: {وقل الحمد} أي الإحاطة بالأوصاف الحسنى {لله} أي الملك الأعظم {الذي لم يتخذ} لكونه محيطًا بالصفات الحسنى {ولدًا} فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة وهي من أسوأ الأوصاف {ولم يكن} أي يوجد بوجه من الوجوه {له شريك في الملك} ولا ولد ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا بالعجز {ولم يكن له ولي} ناصر أعم من أن يكون ذلك الناصر ولدًا أو شريكًا أو غيره: ثم قيده واصفًا بقوله تعالى: {من الذل} إفهامًا بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب وجعلهم أنصارًا لدينه رحمة منه لهم لا احتياجًا منه إليهم {وكبره} عن أن يشاركه أحد في شيء من الأشياء وعن كل ما يفهمه فاهم، ويصفه به واصف، والتكبير أبلغ لفظ للعرب في معنى التعظيم والإجلال- قاله أبو حيان.
وأكد بالمصدر تحقيقًا له وإبلاغًا في معناه، أي فقال: {تكبيرًا} عن أن يدرك أحد كنه معرفته أو يجهله أحد من كل وجه، بل احتجب سبحانه بكبريائه وجلاله فلا يعرف، وتجلى بإكرامه وكماله فلا ينكر، فكان صريح اتصافه بالحمد أنه تعالى متصف بجميع صفات الكمال، وصريح وصفه بنفي ما ذكر أنه منزه عن شوائب النقص وأنه أكبر من كل ما يخطر للعباد المطبوعين على النقص المجبولين على غزائز العجز، ولذلك وغيره من المعاني العظمى سمى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الآية آية العز كما رواه الإمام أحمد عن سهل عن أبيه- رضى الله عنهما ـ، وذلك عين ما افتتحت به السورة من التنزيه وزيادة- والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. اهـ.