فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فائدة:
لفظة كبر إذا أريد بها غير الكبر في السن فهي مضمومة الباء في الماضي والمضارع، كقوله هنا {كبرت كلمة} الآية. وقوله: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 3]، وقوله: {أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ} [الإسراء: 51] ونحو ذلك.
وإن كان المراد بها البر في السن فهي مكسورة الباء في الماضي، مفتوحها في المضارع على القياس، ومن ذلك قوله تعال: {وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ} [النساء: 6]، وقول المجنون:
تعشقت ليلى وهي ذات ذاوئب ** ولم يبد للعينين من ثديها حجم

صغيرين نرعى إليهم يا ليت أننا ** إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر اليهم

وقوله في هذا البيت صغيرين شاهد عند أهل العربية في إتيان الحال من الفاعل والمفعول معًا.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {كبرت كلمة} يعني بالكلمة: الكلام الذي هو قولهم {اتخذ الله وَلَدًا} [الكهف: 4].
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله يطلق اسم الكلمة على الكلام أوضحته آيات أخر. كقوله: {كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} [المؤمنون: 100] الآية، والمراد بها قوله: {قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} [المؤمنون: 99-100]. وقوله: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ} [هود: 119] وما جاء لفظ الكلمة في القرآن إلا مرادًا به الكلام المفيد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {عِوَجَا} [الكهف: 1] هو بكسر العين في المعاني كما في هذه الآية الكريمة. وبفتحها فيما كان منتصبًا كالحائط.
قال الجوهري في صحاحه: قال ابن السكيت: وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه عوج بالفتح. والهوج- بالكسر- ما كان في أرض أو دين أو معاش، يقال في دينه عوج اهـ.
وقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل {عوجا} بالسكت على الألف المبدلة من التنوين سكتة يسيرة من غير تنفس، إشعارًا بأن {قَيِّمًا} [الكهف: 2] ليس متصلًا ب {عوجا} في المعنى بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي جعله قيمًا كما قدمنا.
وقرأ أبو بكر عن عاصم {مِّن لَّدُنْهُ} [الكهف: 2] بإسكان ادال مع إشمامها الضم وكسر النونو الهاء ووصلها بياء في اللفظ.
وقوله: {وَيُبَشِّرَ المؤمنين الذين} [الكهف: 2] قرأه الجمهور بضم الياء وفتح الباء الموحدة وكسر الشين مشددة. وقرأه حمزة والكسائي: {يبشر} بفتح الياء وإسكان الباء الموحدة وضم الشين.
{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)}.
اعلم أولًا- أن لفظة لعل تكون للترجي في المحبوب، وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان في الحر المحيط- أن لعل في قوله هنا {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ} للإشفاق عليه صلى الله عليه وسلم أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به.
وقال بعضهم: أن لعل في الآية للنهي. وممن قال به العسكري، وهو معنى كلام ابن عطية كما نقله عنهما صاحب البحر المحيط.
وعلى هذا فالمعنى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم. وقيل: هي في الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار. إتيان لعل للاستفهام مذهب كوفي معروف.
وأظهر هذه الأقوال عندي في معنى لعل أن المارد بها في الاية النهي عن الحزن عليهم.
ةإطلاق لعل مضمة معنى النهي في مثل هذه الآية أسلوب عربي يدل عليه سياق الكلام.
ومن الأدلة على أن المراد بها النهي عن ذلك كثرة ورود النهي صريحًا عن ذلك. كقوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8]، وكقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} [الحجر: 88]، وقوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين} [المائدة: 68] إلى غير ذلك من الآيات وخيرما يفسر به القرآن القرآن.
والباخع: المهلك: أي مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم ومنه قول ذي الرمة:
إلا أيهذا الباخع الوجد نفسه ** لشيء نخته عن يديه المقادر

كما تقدم.
وقوله: {على آثارهم}- قال القرطبي: آثارهم جمع أثر. ويقال إثر. والمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك.
وقال أبو حيان في البحر: ومعنى {على آثارهم} من بعدهم، أب بعد يأسك من إيمانهم. أو بعد موتهم على الكفر. يقال: مات فلان على أثر فلان. أي بعده.
وقال الزمخشري: شبهه وإباهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدًا عليهم، وتلهفًا على فراقهم! والأسف هنا: شدة الحزن. وقد يطلق الأسف على الغضب! كقوله: {فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55].
فإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة- فاعلم أن ما ذكره فيه جل وعلا من شدة حزن نبيه صلى الله عليه وسلم عليهم، وعن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة، كقوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8]، وكقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، وكقوله: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88]، وكقوله: {فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين} [المائدة: 68]، وكقوله: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ} [الأنعام: 33]، وكقوله: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} [الحجر: 97] كما قدمناه موضحًا.
وقوله في هذه الآية الكريمة {أسفًا} مفعول من أجله، أي مهلك نفسك من أجل الأسفز ويجوز إعرابه حالًا. أي في حال كونك آسفًا عليهم. على حد قوله في الخلاصة:
ومصدر منكر حالًا يقع ** بكثرة كبغتة زيد طلع

{إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)}.
قال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: {ما عليها} يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها.
وقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غر تخصيص. وعلى هذا القول- فوجه كل اليحات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض. لأنه يدل على وجود خالقه، واتصافه بصفات الكمال والجللال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له.
وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان المذكورة فيه- أن يذكر لفظ عام ثم يصرحفي بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فه، كقوله تعالى: {ذلك وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله} [الحج: 32] الآية. مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله: {والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله} [الحج: 36] الآية.
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا} قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: {المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا} [الكهف: 46] الآية، وقوله: {والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً} [النحل: 8] الآية، غلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة: {صعيدًا جرزًا} أي أرضًا بيضاء لا نبات بها. وقد قدمنا معنى الصعيد بشواهده العربية في سورة: المائدة.
والجرز: الأرض التي لا نبات بها كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] ومنه قول ذي الرمة:
طوى النحز والأجراز ما في غروضها ** وما بقيت إلا الضلوع الجرشع

لأن مراده بالأجراز الفيافي التي لا نبات فيهان والأجراز: جمع حرزة، والجرزة: جمع جرز، فهم جمع الجمع للجرز، كما قاله الجوهري في صحاحه.
قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا} من هذه الزينة صعيدًا أو حرزًا، أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به- كان زينة من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار اهـ.
وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله: {إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24]، وكقوله تعالى: {واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله في هذه الآية الكريمة {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلًا} أي لنختبرهم على ألسنة رسلنا.
وهذه الحكمة التي ذكرها هنا لجعل ما على الأرض زينة لها وهي الابتلاء في إحسان العلم- بين في مواضع أخر أنها هي الحكمة في خلق الموت والحياة والسموات والأرض، قال تعالى: {تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الذي خَلَقَ الموت والحياة لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ العزيز الغفور} [الملك: 1-2]، وقال تعالى: {وَهُوَ الذي خَلَق السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].
وقد بين صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» كما تقدم. وهذا الذي أوضحنا من أنه جل وعلا جعل ما على الأرض زينة لها ليبتلى خلقه، ثم يهلك ما عليها ويجعله صعيدًا جرزًا- فيه أكبر واعظ للناس، وأعظم زاجر عن اتباع الهوى، وإيثار الفاني على الباقي، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا، اتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4)}.
والإنذار هنا غير الإنذار الأول، لقد كرّر الإنذار ليكون خاصًا بقمة المعاصي، إنذار للذين قالوا اتخذ الله ولدًا، أما الإنذار الأول فهو لمطلق الكفر والمعصية، وأما الثاني فهو لإعادة الخاص مع العام، كأن لهؤلاء الذين نسبوا لله الولد عذابًا يناسب ما وقعوا فيه من جرأة على الحق سبحانه وتعالى.
وقد أوضح القرآن فظاعة هذه المعصية في قوله: {وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَدًا لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدًّا أَن دَعَوْا للرحمن وَلَدًا وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا} [مريم: 88-92].
إنها قمة المعاصي أنْ نخوضَ في ذات الله تعالى بمقولة تتفطر لها السماء، وتنشق لها الأرض، وتنهدّ لهوْلِها الجبال.
ثم يقول الحق سبحانه: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ}.
فهذه القضية التي ادَّعَوْها، وهذه المقولة التي كذبوها على الله من أين أَتَوْا بها؟ الحقيقة أنهم ادعَوْها ولا علمَ لهم بها، والعلم إما ذاتي، وإما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم وهم لا يملكون شيئًا من هذا ويقولون بأمر لا واقع له؛ لذلك يقول تعالى: {مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ} [الكهف: 5].
وعدم العلم ينشأ من أمرين: إما أن الشيءَ موجود وأنت لا تعلم به؛ لأنه مستور عنك، وإما لأن الشيء لا وجودَ له أصلًا، وأنت لا تعلم أنه غير موجود؛ لأن غير الموجود لا يمكن أن يتعلق به علم.
وقوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5].
{كَبُرَتْ} أي: عَظُمَتْ وتناهتْ في الإثم؛ لأنهم تناولوا مسألة فظيعة، كَبُرَتْ أنْ تخرجَ هذه الكلمة من أفواههم.
{كَلِمَةً} الكلمة قول مُفْرد ليس له نسبة كأن تقول: محمد أو ذهب أو في، فالاسم والفعل والحرف كل منها كلمة مستقلة، والكلمة تُطلَق ويُراد بها الكلام، فالآية عَبَّرتْ عن قولهم: {اتخذ الله وَلَدًا} [الكهف: 4] بأنها كلمة، كما تقول: ألقى فلان كلمة. والواقع أنه ألقى خُطْبة.
ومن ذلك قوله تعالى: {حتى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا} [المؤمنون: 99-100] فسمَّى قولهم هذا {كَلِمَةً}.