فصل: تفسير الآيات (13- 15):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.تفسير الآيات (13- 15):

قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)}.

.مناسبة الآيات لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان الكلام على اختلاف وقع في مدتهم، وكان الحزبان معًا هم ومن خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا قريشًا بالسؤال عن أمرهم تشكيكًا في الدين لا يعلمون أمرهم على الحقيقة، نبه على ذلك بقوله- جوابًا لمن كأنه قال: أيهما أحصاه؟: {نحن} أو يقال: ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية، وهي قصة أهل الكهف، مجملًا لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى، وهي الروح، كان السامع جديرًا بأن تستشرف نفسه إلى بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار، فقال جوابًا لمن كأنه قال: اسأل الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين: نحن {نقص} أي نخبر إخبارًا تابعًا لآثارهم قدمًا فقدمًا {عليك} على وجه التفصيل {نبأهم بالحق} أي خبرهم العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصًا ملتبسًا بباطل: زيادة أو نقص، فكأنه قيل: ما كان نبأهم؟ فقال تعالى: {إنهم فتية} أي شبان {ءامنوا بربهم} المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم، وهداهم بما وهب لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة.
ولما دل على الإحسان باسم الرب، وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى، التفت إلى مقام العظمة فقال تعالى عاطفًا على ما تقديره: فاهتدوا بإيمانهم: {وزدناهم} بعد أن آمنوا {هدى} بما قذفنا في قلوبهم من المعارف، وشرحنا لهم صدورهم من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب، والزهد في الدنيا والانقطاع إليه {وربطنا} بما لنا من العظمة {على قلوبهم} أي قويناها، فصار ما فيها من القوى مجتمعًا غير مبدد، فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة {إذ قاموا} لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم دقيانوس {فقالوا} مخالفين لهم: {ربنا} الذي يستحق أن نفرده بالعبادة لتفرده بتدبيرنا، هو {رب السماوات والأرض} أي موجدهما ومدبرهما {لن ندعوا من دونه إلهًا} بعد أن ثبت عجز كل من سواه، والله {لقد قلنا إذًا} أي إذا دعونا من دونه غيره {شططًا} أي قولًا ذا بعد مفرط عن الحق جدًا؛ ثم شرعوا يستدلون على كونه شططًا بأنه لا دليل عليه، ويجوز أن يكونوا لما قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها: {هؤلاء} وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذًا له من شرك الجهل، وبين المشار إليهم بقولهم: {قومنا} أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا {اتخذوا} أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى {من دونه ءالهة} أشركوهم معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل، فقالوا منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع: {لولا} أي هلا {يأتون} الآن.
ولما كانوا بعبادتهم لهم قد أحلوهم محل العلماء، قال تعالى: {عليهم} أي على عبادتهم إياهم، وحققوا ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم: {بسلطان} أي دليل قاهر {بين} مثل ما نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة، والبراهين الباهرة، فإن مثل هذا الأمر لا يقنع فيه بدون ذلك، وقد جمعنا الأدلة كلها في الاستدلال على تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق الوجود، فتسبب عن عجزهم عن دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك الملوك ومالك الملك، فلذلك قالوا: {فمن أظلم ممن افترى} أي تعمد {على الله} أي الملك الأعظم {كذبًا} فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)}.
اعلم أنه تعالى ذكر من قبل جملة من واقعتهم ثم قال: {إنهم فتية آمنو بربهم} أي على وجه الصدق: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم} كانوا جماعة من الشبان آمنوا بالله، ثم قال تعالى في صفاتهم: {وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ} أي ألهمناها الصبر وثبتناها: {إِذْ قَامُواْ} وفي هذا القيام أقوال: الأول: قال مجاهد كانوا عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئًا ما أظن أن أحدًا يجده، قالوا ما تجد؟ قال أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض.
القول الثاني: أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار، وقالوا: ربنا رب السموات والأرض، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار، وأقروا بربوبية الله، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد.
والقول الثالث: وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} وقوله: {لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا} معنى الشطط في اللغة مجاوزة الحد، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذ جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط أشطاطًا وشططًا، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد، ومنه قوله: {وَلاَ تُشْطِطْ} [ص: 22] وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت، فالشطط البعد عن الحق، وهو هاهنا منصوب على المصدر، والمعنى لقد قلنا إذا قولًا شططًا، أما قوله: {هَؤُلاء قَوْمُنَا اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً} هذا من قول أصحاب الكهف ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام {لَّوْلاَ يَأْتُونَ}- هلا يأتون- {عَلَيْهِم بسلطان بَيّنٍ} بحجة بينة، ومعنى عليهم أي على عبادة الآلهة، ومعنى الكلام أن عدم البينة بعدم الدلائل على ذلك لا يدل على عدم المدلول، ومن الناس من يحتج بعدم الدليل على عدم المدلول ويستدل على صحة هذه الطريقة بهذه الآية.
فقال إنه تعالى استدل على عدم الشركاء والأضداد بعدم الدليل عليها فثبت أن الاستدلال بعدم الدليل على عدم المدلول طريقة قوية، ثم قال: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا} يعني أن الحكم بثبوت الشيء مع عدم الدليل عليه ظلم وافتراء على الله وكذب عليه، وهذا من أعظم الدلائل على فساد القول بالتقليد. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وربطنا على قلوبهم} فيه وجهان:
أحدهما: ثبتناها.
الثاني: ألهمناها صبرًا، قاله اليزيدي.
و{لقد قلنا إذًا شططًا} فيه وجهان:
أحدهما: غُلوًا.
الثاني: تباعدًا.
قوله تعالى: {لولا يأتون عليهم بسلطان بيّنٍ} فيه ثلاثة تأويلات:
أحدها: بحجة بينة، قاله مقاتل.
الثاني: بعذر بيّن، قاله قتادة.
الثالث: بكتاب بيّن، قاله الكلبي. اهـ.

.قال ابن عطية:

{نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)}.
لما اقتضى قوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى} [الكهف: 12] اختلافًا وقع في أمر الفتية، عقب بالخير عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم {بالحق} الذي وقع، وفي مجموع هذه الآيات جواب قريش عن سؤالهم الذي أمرتهم به بنو إسرائيل. والقص الإخبار بأمر يسرد، لا بكلام يروى شيئًا شيئًا، لأن تلك المخاطبة ليست بقصص، وقوله: {وزدناهم هدى} أي يسرناهم للعمل الصالح والانقطاع إلى الله عز وجل ومباعدة الناس والزهد في الدنيا، وهذه زيادات على الإيمان. وقوله: {وربطنا على قلوبهم} عبارة عن شدة عزم وقوة صبر أعطاها الله لهم، ولما كان الفزع وخور النفس يشبه بالتناسب الانحلال، حسن في شدة النفس وقوة التصميم أن يشبه الربط، ومنه يقال: فلان رابط الجأش إذا كان لا تفرق نفسه عند الفزع والحرب وغيرها، ومنه الربط على قلب أم موسى، وقوله: {إذ قاموا فقالوا} يحتمل معنيين، أحدهما أن يكون هذا وصف مقامهم بين يدي الملك الكافر، فإنه مقام يحتاج إلى الربط على القلب حيث صلبوا عليه وخالفوا دينه ورفضوا في ذات الله هيبته، والمعنى الثاني أن يعبر بالقيام عن انبعاثهم بالعزم إلى الهروب إلى الله ومنابذة الناس، كما تقول قام فلان إلى أمر كذا إذا اعتزم عليه بغاية الجد، وبهذه الألفاظ التي هي قاموا فقالوا تعلقت الصوفية في القيام والقول، وقرا الأعمش {إذ قاموا قيامًا فقالوا}، وقولهم: {لقد قلنا إذًا شططًا} أي لو دعونا من دون ربنا إلهًا، والشطط الجور، وتعدي الحد والغلو بحسب الأمر، ومنه اشتط الرجل في السوم إذا طلب في سلعته فوق قيمتها، ومنه شطوط النوى والبعد، ومن اللفظة قول الشاعر: الطويل:
ألا يالقومي قد اشتط عواذلي ** ويزعمن أن أودى بحقي باطلي

وقولهم: {هؤلاء قومنا} مقالة تصلح أن تكون مما قالوا في مقامهم بين يدي الملك، وتصلح أن تكون من قول بعضهم لبعض عند قيامهم للأمر الذي عزموا عليه، وقولهم: {لولا يأتون} تحضيض بمعنى التعجيز، لأنه تحضيض على ما لا يمكن، وإذا لم يمكنهم ذلك لم يجب أن تلفت دعواهم، والسلطان الحجة، وقال قتادة: المعنى بعذر بين، وهذه عبارة محلقة، ثم عظموا جرم الداعين مع الله آلهة وظلمهم بقوله على جهة التقرير {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا}. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {نحن نَقُصُّ عليك نبأهم} أي: خبر الفتية {بالحق} أي: بالصدق.
قوله تعالى: {وزدناهم هدى} أي: ثبَّتناهم على الإِيمان، {وربطنا على قلوبهم} أي: ألهمناها الصبر {إِذ قاموا} بين يدي ملكهم دقيانوس {فقالوا ربُّنا ربُّ السموات والأرض} وذلك أنه كان يدعو الناس إِلى عبادة الأصنام، فعصم الله هؤلاء حتى عصَواْ ملِكهم.
وقال الحسن: قاموا في قومهم فدعَوْهم إِلى التوحيد.
وقيل: هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة على ما ذكرنا في أول القصة.
فأما الشطط، فهو الجَوْر.
قال الزجاج: يقال: شَطَّ الرجل، وأَشَطَّ: إِذا جار.
ثم قال الفتية: {هؤلاء قومُنا} يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس {اتخذوا من دونه آلهة} أي: عبدوا الأصنام {لولا} أي: هلاّ {يأتون عليهم} أي: على عبادة الأصنام {بسُلطان بَيِّن} أي: بِحُجَّةٍ.
وإِنما قال: {عليهم} والأصنام مؤنَّثة، لأن الكفار نحلوها العقل والتمييز، فجرت مجرى المذكَّرين من الناس.
قوله تعالى: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا} فزعم أن له شريكًا؟!. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق}.
لما اقتضى قوله تعالى: {لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى} اختلافًا وقع في أمد الفتية، عقّب بالخبر عن أنه عز وجل يعلم من أمرهم بالحق الذي وقع.
وقوله تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ} أي شباب وأحداث حكم لهم بالفتوّة حين آمنوا بلا واسطة؛ كذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوّة الإيمان.