فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقيل: دخلوا الكهف بعد المسيح؛ فالله أعلم أيّ ذلك كان.
قوله تعالى: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي}.
هذا مثل قوله: {وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشي} في سورة الأنعام وقد مضى الكلام فيه.
وقال سلمان الفارسي رضي الله عنه: جاءت المؤلّفة قلوبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: عيينة بن حِصْن والأقرع بن حابس فقالوا: يا رسول الله؛ إنك لو جلست في صدر المجلس ونحيّت عنا هؤلاء وأرواح جبابهم يعنون سلمان وأبا ذرّ وفقراء المسلمين، وكانت عليهم جباب الصوف لم يكن عليهم غيرها جلسنا إليك وحادثناك وأخذنا عنك، فأنزل الله تعالى: {واتل مَآ أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} حتى بلغ {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا}.
يتهددهم بالنار.
فقام النبيّ صلى الله عليه وسلم يلتمسهم حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله قال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي، معكم المحيا ومعكم الممات» {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} أي طاعته.
وقرأ نصر بن عاصم ومالك بن دينار وأبو عبد الرحمن {ولا تطرد الذين يدعون ربّهم بالغدوة والعشيّ} وحجتهم أنها في السواد بالواو.
وقال أبو جعفر النحاس: وهذا لا يلزم لكتبهم الحياة والصلاة بالواو، ولا تكاد العرب تقول الغدوة لأنها معروفة.
وروي عن الحسن {ولا تعدّ عينيك عنهم} أي لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم من أبناء الدنيا طلبًا لزينتها؛ حكاه اليزيدي.
وقيل: لا تحتقرهم عيناك؛ كما يقال فلان تنبو عنه العين؛ أي مستحقرًا.
{تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا} أي تتزيّن بمجالسة هؤلاء الرؤساء الذين اقترحوا إبعاد الفقراء من مجلسك؛ ولم يرد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، ولكنّ الله نهاه عن أن يفعله، وليس هذا بأكثر من قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65]. وإن كان الله أعاذه من الشرك.
و{تريد} فعل مضارع في موضع الحال؛ أي لا تعد عيناك مريدًا؛ كقول امرىء القيس:
فقلتُ له لا تبْكِ عَيْنُك إنما ** نحاول مُلْكا أو نموتَ فنُعْذَرَا

وزعم بعضهم أن حق الكلام: لا تعد عينيك عنهم؛ لأن {تعد} متعدّ بنفسه.
قيل له: والذي وردت به التلاوة من رفع العينين يؤول إلى معنى النصب فيهما، إذ كان لا تعد عيناك عنهم بمنزلة لا تنصرف عيناك عنهم، ومعنى لا تنصرف عيناك عنهم لا تصرف عينيك عنهم؛ فالفعل مسند إلى العينين وهو في الحقيقة موجّه إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ كما قال تعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ} [التوبة: 55] فأسند الإعجاب إلى الأموال، والمعنى: لا تعجبك يا محمد أموالهم.
ويزيدك وضوحًا قول الزجاج: إن المعنى لا تصرف بصرك عنهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة.
قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} روى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} قال: نزلت في أميّة بن خلف الجُمَحِيّ، وذلك أنه دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أمر كرهه من تجرّد الفقراء عنه وتقريب صناديد أهل مكة؛ فأنزل الله تعالى: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} يعني من ختمنا على قلبه عن التوحيد.
{واتبع هَوَاهُ} يعني الشرك.
{وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} قيل هو من التفريط الذي هو التقصير وتقديم العجز بترك الإيمان.
وقيل: من الإفراط ومجاوزة الحدّ، وكان القوم قالوا: نحن أشراف مُضَرَ إن أسلمنا أسلم الناس؛ وكان هذا من التكبر والإفراط في القول.
وقيل: {فُرُطًا} أي قدمًا في الشر؛ من قولهم: فَرَط منه أمر أي سبق.
وقيل: معنى {أغفلنا قلبه} وجدناه غافلًا؛ كما تقول: لقيت فلانًا فأحمدته؛ أي وجدته محمودًا.
وقال عمرو بن معد يكرب لبني الحارث بن كعب: والله لقد سألناكم فما أبخلناكم وقاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم؛ أي ما وجدناكم بخلاء ولا جبناء ولا مفحمين.
وقيل: نزلت {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} في عيينة بن حصن الفزاري؛ ذكره عبد الرزاق، وحكاه النحاس عن سفيان الثوري. والله أعلم. اهـ.

.قال أبو حيان:

ولما أنزل عليه ما أنزل من قصة أهل الكهف أمره بأن يقص ويتلو على معاصريه ما أوحى إليه تعالى من كتابه في قصة أهل الكهف وفي غيرهم، وأن ما أوحاه إليه {لا مبدل} له و{لا مبدل} عام و{لكلماته} عام أيضًا فالتخصيص إما في {لا مبدل} أي لا مبدل له سواه، ألا ترى إلى قوله: {وإذا بدلنا آية مكان آية} وإما في كلماته أي {لكلماته} المتضمنة الخبر لأن ما تضمن غير الخبر وقع النسخ في بعضه، وفي أمره تعالى أن يتلو ما أوحي إليه وإخباره أنه لا مبدّل {لكلماته} إشارة إلى تبديل المتنازعين في أهل الكهف، وتحريف أخبارهم والملتحد الملتجأ الذي تميل إليه وتعدل.
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}.
قال كفار قريش لو أبعدت هؤلاء عن نفسك لجالسناك وصحبناك، يعنون عمارًا وصهيبًا وسلمان وابن مسعود وبلالًا ونحوهم من الفقراء، وقالوا: إن ريح جبابهم تؤذينا، فنزلت {واصبر نفسك} الآية، وعن سلمان أن قائل ذلك عيينة بن حصين والأقرع وذووهم من المؤلفة فنزلت، فالآية على هذا مدنية والأول أصح لأن السورة مكية، وفعل المؤلفة فعل قريش فردّ بالآية عليهم {واصبر نفسك} أي احبسها وثبتها.
قال أبو ذؤيب:
فصبرت عارفة لذلك حرة ** ترسو إذا نفس الجبان تطلع

وفي الحديث النهي عن صبر الحيوان أي حبسه للرمي، و{مع} تقتضي الصحبة والموافقة والأمر بالصبر هنا يظهر منه كبير اعتناء بهؤلاء الذين أمر أن يصبر نفسه معهم.
وهي أبلغ من التي في الأنعام {ولا تطرد الذين يدعون} الآية.
وقال ابن عمر ومجاهد وإبراهيم: {بالغداة والعشي} إشارة إلى الصلوات الخمس.
وقال قتادة: إلى صلاة الفجر وصلاة العصر، وقد يقال: إن ذلك يراد به العموم أي {يدعون ربهم} دائمًا، ويكون مثل: ضرب زيد الظهر والبطن يريد جميع بدنه لا خصوص المدلول بالوضع.
وتقدّم الكلام على قوله: {بالغداة والعشي} قراءة وإعرابًا في الأنعام.
{ولا تعد} أي لا تصرف {عيناك} النظر عنهم إلى أبناء الدنيا، وعدا متعد تقول: عدا فلان طوره وجاء القوم عدا زيدًا، فلذلك قدرنا المفعول محذوفًا ليبقى الفعل على أصله من التعدية.
وقال الزمخشري: وإنما عدَّي بعن لتضمين عدا معنى نبا وعلا في قولك: نبت عنه عينه، وعلت عنه عينه إذا اقتحمته ولم تعلق به.
فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين؟ وهلا قيل ولا تعدهم عيناك أو {ولا تعد عيناك عنهم}.
قلت: الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين.
وذلك أقوى من إعطاء معنى فذ، ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك ولا تقتحمهم عيناك مجاوزين إلى غيرهم ونحو قوله: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي ولا تضموها إليها آكلين لها انتهى.
وما ذكره من التضمين لا ينقاس عند البصريين وإنما يذهب إليه عند الضرورة، أما إذا أمكن إجراء اللفظ على مدلوله الوضعي فإنه يكون أولى.
وقرأ الحسن: {ولا تعد} من أعدى، وعنه أيضًا وعن عيسى والأعمش {ولا تعد}.
قال الزمخشري: نقلًا بالهمزة وبنقل الحشو ومنه قوله:
فعد عما ترى إذ لا ارتجاع له

لأن معناه فعد همك عما ترى انتهى. وكذا قال صاحب اللوامح، قال: وهذا مما عديته بالتضعيف كما كان في الأولى بالهمز، وما ذهبا إليه ليس بجيد بل الهمزة والتكثير في هذه الكلمة ليسا للتعدية وإنما ذلك لموافقة أفعل وفعل للفعل المجرد، وإنما قلنا ذلك لأنه إذا كان مجردًا متعد وقد أقر بذلك الزمخشري فإنه قال: يقال عداه إذا جاوزه، ثم قال: وإنما عدّي بعن للتضمين والمستعمل في التضمين هو مجاز ولا يتسعون فيه إذا ضمنوه فيعدونه بالهمزة أو التضعيف، ولو عدِّي بهما وهو متعد لتعدى إلى اثنين وهو في هذه القراءة ناصب مفعولًا واحدًا، فدل على أنه ليس معدى بهما.
وقال الزمخشري: {تريد زينة الحياة الدنيا} في موضع الحال انتهى.
وقال صاحب الحال: إن قدر {عيناك} فكان يكون التركيب تريدان، وإن قدر الكاف فمجيء الحال من المجرور بالإضافة مثل هذا فيها إشكال لاختلاف العامل في الحال وذي الحال، وقد أجاز ذلك بعضهم إذا كان المضاف جزءًا أو كالجزء، وحسن ذلك هنا أن المقصود نهيه عليه الصلاة والسلام عن الإعراض عنهم والميل إلى غيرهم، وإنما جيء بقوله: {عيناك} والمقصود هو لأنهما بهما تكون المراعاة للشخص والتلفت له، والمعنى {ولا تعد} أنت {عنهم} النظر إلى غيرهم.
وقال الزمخشري: {من أغفلنا قلبه} من جعلنا قلبه غافلًا عن الذكر بالخذلان أو وجدناه غافلًا عنه كقولك: أجبنته وأفحمته وأبحلته إذا وجدته كذلك، أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بالذكر، ولم نجعلهم من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، وقد أبطل الله توهم المجبرة بقوله: {واتبع هواه} انتهى.
وهذا على مذهب المعتزلة، والتأويل الآخر تأويل الرماني وكان معتزليًا قال: لم نسمه بما نسم به قلوب المؤمنين بما يبين به، فلاحهم كما قال: كتب في قلوبهم الإيمان من قولهم بعير غفل لم يكن عليه سمة، وكتاب غفل لم يكن عليه إعجام، وأما أهل السنة فيقولون: إن الله تعالى أغفله حقيقة وهو خالق الضلال فيه والغفلة.
وقال المفضل: أخليناه عن الذكر وهو القرآن.
وقال ابن جريج: شغلنا قلبه بالكفر وغلبة الشقاء، والظاهر أن المراد بمن {أغفلنا} كفار قريش.
وقيل: عيينة والأقرع والأول أولى لأن الآية مكية.
وقرأ عمر بن فائد وموسى الأسواري وعمرو بن عبيد {أغفلنا} بفتح اللام {قلبه} بضم الباء أسند الأفعال إلى القلب.
قال ابن جنيِّ من ظننا غافلين عنه.
وقال الزمخشري: حسبنا قلبه غافلين من أغفلته إذا وجدته غافلًا انتهى.
{واتبع هواه} في طلب الشهوات {وكان أمره فرطًا}.
قال قتادة ومجاهد: ضياعًا.
وقال مقاتل بن حيان: سرفًا.
وقال الفرّاء: متروكًا.
وقال الأخفش: مجاوزًا للحد.
قيل: وهو قول عتبة إن أسلمنا أسلم الناس.
وقال ابن بحر: الفرط العاجل السريع، كما قال: {وكان الإنسان عجولًا} وقيل: ندمًا.
وقيل: باطلًا.
وقال ابن زيد: مخالفًا للحق.
وقال ابن عطية: الفرط يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف أي {أمره} و{هواه} الذي هو بسبيله انتهى. اهـ.

.قال الثعالبي:

قوله سبحانه: {اتل مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ} أي: اتبع، وقيل: اسْرُدْ بتلاوتك ما أوحِيَ إليك من كتاب ربِك، لا نَقْضَ في قوله، ولا مُبَدِّلَ لكلماته، وليس لك سواه جَانِبٌ تميلُ إِليه، وتستند، و المُلَتَحد الجانب الذي يَمَالُ إِليه؛ ومنه اللَّحْد.
* ت * قال النوويُّ: يستحبُّ لتالي القرآن إذا كان منفردًا أنْ يكون خَتْمُهُ في الصَّلاة، ويستحبُّ أن يكون ختمه أوَل الليلِ أو أول النهار، ورُوِّينا في مسند الإمام المُجْمَعِ على حْفظِهِ وجلالته وإِتقانه وبَرَاعته أبي محمَّدٍ الدَّارِمِيِّ رحمه اللَّه تعالى، عن سَعْدِ بنِ أبي وقَّاص رَضِيَ اللَّه عنه قَالَ: إِذَا وَافَقَ خَتْمُ القُرْآنِ أوَّلَ اللَّيّلِ، صَلَّتَ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَإِنْ وَافَقَ خَتْمُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ حَتَّى يُمْسِي. قال الدارمي: هذا حديثٌ حسنٌ وعن طلحة بن مُطَرِّفٍ، قال: مَنْ خَتَمَ القُرْآنَ أَيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ النَّهَار، صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاَئكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ، وأيَّةَ سَاعَةٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلاِئَكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وعن مجاهد نحوه انتهى.
وقوله سبحانه: {واصبر نَفْسَكَ مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم} الآية: تقدَّم تفسيرها.
وقوله سبحانه: {وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ}، أي: لا تتجاوزْ عنهم إِلى أبناء الدنيا، وقرأ الجمهور: {مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ} بنصب الباء على معنى جَعَلْنَاهُ غافلًا، والفُرُط: يحتملُ أن يكون بمعنى التفريط، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف، وقد فسَّره المتأوِّلون بالعبارتين. اهـ.

.قال أبو السعود:

ولما دل انتظامُ القرآنِ الكريم لقصة أصحابِ الكهف من حيث إنهم بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المغيبات على أنه وحيٌ معجزٌ أمره عليه السلام بالمداومة على دراسته فقال: {واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ} ولا تسمَعْ لقولهم: ائتِ بقرآن غيرِ هذا أو بدِّلْه {لاَ مُبَدّلَ لكلماته} لا قادرَ على تبديله وتغييره غيرُه {وَلَن تَجِدَ} أبدَ الدهر وإن بالغتَ في الطلب {مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا} ملجأً تعدل إليه عند إلمام مُلِمّة.
{واصبر نَفْسَكَ} احبِسها وثبِّتها مصاحِبةً {مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى} أي دائبين على الدعاء في جميع الأوقاتِ، وقيل: في طرفي النهار، وقرئ: {بالغُدوة} على أن إدخال اللام عليها وهي علمٌ في الأغلب على تأويل التنكيرِ بهم، والمرادُ بهم فقراءُ المؤمنين مثلُ صُهيبٍ وعمارٍ وخبابٍ ونحوِهم رضي الله عنهم، وقيل: أصحابُ الصُّفَّة وكانوا نحو سبعِمائة رجل، قيل: إنه قال قومٌ من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نحِّ هؤلاء المواليَ الذين كأن ريحَهم ريحُ الضأن حتى نجالسَك كما قال قومُ نوحٍ عليه السلام: {أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون} فنزلت. والتعبيرُ عنهم بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخَصلة الداعيةِ إلى إدامة الصحبة {يُرِيدُونَ} بدعائهم ذلك {وَجْهَهُ} حالٌ من المستكنِّ في يدْعون أي مريدين لرضاه تعالى وطاعته.
{وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} أي لا يجاوِزْهم نظرُك إلى غيرهم، مِن عدَاه أي جاوزه، واستعمالُه بعن لتضمينه معنى النبوِّ أو لا تصرِفْ عيناك النظرَ عنهم إلى غيرهم، من عدَوتُه عن الأمر أي صرفتُه عنه على أن المفعولَ محذوفٌ لظهوره، وقرئ: {ولا تُعْدِ عينيك} من الإعداء والتعدية، والمرادُ نهيُه عليه السلام عن الازدراء بهم لرثاثة زِيِّهم طموحًا إلى زِيّ الأغنياء {تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا} أي تطلب مجالسةَ الأشراف والأغنياءِ وأصحابِ الدنيا، وهي حالٌ من الكاف على الوجه الأولِ من القراءة المشهورة ومن الفاعل على الوجه الثاني منها، وضمير تريد للعينين وإسنادُ الإرادةِ إليه مجازٌ وتوحيدُه للتلازم كما في قوله:
لمن زُحْلوفةٌ زُل ** بها العينان تنهلُّ

ومن المستكنّ في الفعل على القراءتين الأخيرتين {وَلاَ تُطِعِ} في تنحية الفقراءِ عن مجالسك {مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} أي جعلناه غافلًا لبطلان استعدادِه للذكر بالمرة أو وجدناه غافلًا، كقولك: أجبَنْتُه وأبخلتُه إذا وجدتُه كذلك أو هو مِنْ أَغفلَ إبِلَه أي لم نسمِّه بالذكر {عَن ذِكْرِنَا} كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراءِ عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقاتِ، وفيه تنبيهٌ على أن الباعثَ له على ذلك الدعاءِ غفلةُ قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكُه في الحسيات حتى خفيَ عليه أن الشرفَ بحِلْية النفس لا بزينة الجسد، وقرئ: {أغفلَنا قلبُه}، على إسناد الفعل إلى القلب أي حسِبَنا غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة، من أغفلتُه إذا وجدتُه غافلًا {واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ضيَاعًا وهلاكًا أو متقدمًا للحق والصواب نابذًا له وراءَ ظهره، من قولهم: فرسٌ فرُطٌ أي متقدِّمٌ للخيل أو هو بمعنى الإفراط والتفريطِ فإن الغفلةَ عن ذكره سبحانه تؤدّي إلى اتباع الهوى المؤدِّي إلى التجاوز والتباعُدِ عن الحق والصواب، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة. اهـ.