فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقوله في هذه الآية الكريمة: {أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} [الكهف: 37] بعد قوله: {وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً} [الكهف: 36] يدل على أن الشك في البعث كفر بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة: الرعد في قوله تعالى: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أولئك الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدونَ} [الرعد: 5].
وقوله في هذه الآية الكريمة: {لكنا} اصله لكن أنا فحذفت همزة أنا وأدغمت نون لكن في نون أنا بعد حذف الهمزة. وقال بعضهم: نقلت حركة الهمزة إلى نون لكن فسقطت الهمزة بنقل حركتها، ثم أدغمت النون في النون! ونظير ذلك من كلام العرب قوله الشاعر:
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب ** وتقلينني لكنا إياك لم أقل

أي لكن أن إياك لم أقل. وقال بعضهم: لا يتعين في البيت ما ذكر. لجواز أن يكون المقصود لكنني فحذف اسم لكن كقول الآخر:
فلو كنت ضبيًا عرفت قرابتي ** ولكن زنجي عظيم المشافر

أي لكنك زنجي في رواية زنجي بالرفع. وأنشد الكسائي لنحو هذا الحذف من لكن أنا قول الآخر:
لهنك من عبسية لوسيمة ** على منوات كاذب من يقولها

قال: أراد بقوله: لهنك لله إنك. فحذف إحدى اللامين من لله، وحذف الهمزة من إنك نقله القرطبي عن ابي عبيد.
وقوله تعالى: {لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي}.
قرأه جماهير القراء في الوصل {لكن} بغير ألف بعد النون المشددة. وقرأه ابن عامر من السبع {لكنا} بالألف في الوصل. ويروى ذلك عن عاصم، ورواه المسيلي عن نافع، ورويس عن يعقوب. واتفق الجمع على إثبات الألف في الوقف. ومد نون أنا لغة تميم إن كان بعدها همزة. وقال أبو حيان في البحر: إن إثبات ألف أنا مطلقًا في الوصل لغة بني تميمن وغيرها يثبتونها على الاضطرار. قال فجاءت قراءة {لكنا} بإثبات الألف في الوصل على لغة تيمي. ومن شواهد مد أنا قبل غير الهمزة قول الشاعر:
ان سيف العشيرة فاعرفوني ** حميدًا قد تذريت السناما

وقول الأعشى:
فكيف أنا وانتحال القوافي ** بعد المشيب كفى ذاك عارا

وقوله في هذه الآية الكريمة: {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} [الكهف: 34] جملة حالية. والمحاورة: المراجعة في الكلام: ومنه قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتشتكي إِلَى الله والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ} [المجادلة: 1]، وقول عنترة في معلقته:
لو كان يدري ما المحاورة اشتكى ** ولكان لو علم الجواب مكلمي

وكلام المفسرين في الرجلين المذكورين هنا في قصتهما كبيان أسمائهما، ومن أي الناس هما- أعرضنا عنه لما ذكرنا سابقًا من عدم الفائدة فيه، وعدم الدليل المقنع عليه. والعلم عند الله تعالى.
{أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41)}.
بين قوله: {غورًا} أي غائرًا. فهو من الوصف بالمصدر. كما قال في الخلاصة:
ونعتوا بمصدر كثيرًا ** فالتزموا الإفراد والتذكيرا

والغائر: ضد النابع. وقوله: {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا} لأن الله إذا أعدم ما ءها بعد وجوده، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به غيره جل وعلا. وأشار إلى نحو هذا المعنى في قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ} [الملك: 30] ولا شك أن الجواب الصحيح: لا يقدر على أن يأتينا به إلا الله وحده. كما قال هنا: {فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا}. اهـ.

.قال الشعراوي:

{قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ}.
هنا يردُّ عليه صاحبه المؤمن مُحَاورًا ومُجادلًا ليجُلِّيَ له وَجْه الصواب: {أَكَفَرْتَ بالذي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ} [الكهف: 37] أي: كلامك السابق أنا أنا، وما أنت فيه من استعلاء وإنكار، أتذكر هذا كله ولا تذكر بدايتك ومنشأك من تراب الذي هو أصل خَلْقك {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} [الكهف: 37] وهي أصل التناسل {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف 37] أي: كاملًا مُسْتويًا ملو هدومك.
و{سَوَّاكَ} [الكهف: 37] التسوية: هي إعداد الشيء إعدادًا يناسب مهمته في الحياة، وقلنا: إن العود الحديد السَّويّ مستقيم، والخطاف في نهايته أعوج، والاعوجاج في الخطاف هو عَيْن استقامته واستواء مهمته؛ لأن مهمته أن نخطف به الشيء، ولو كان الخطاف هذا مستقيمًا لما أدَّى مهمته المرادة.
والهمزة في {أَكَفَرْتَ} [الكهف: 37] ليست للاستفهام، بل هي استنكار لما يقوله صاحبه، وما بدر منه من كُفْر ونسيان لحقيقة أمره وبداية خَلْقه.
والتراب هو أَصْل الإنسان، وهو أيضًا مرحلة من مراحل خَلْقه؛ لأن الله تعالى ذكر في خلق الإنسان مرة {مِّن مَّاءٍ} [السجدة: 8] ومرة {مِن تُرَابٍ} [آل عمران: 59]، [الروم: 20] ومرة {مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} [الحجر: 26] ومرة {مِن صَلْصَالٍ كالفخار} [الرحمن: 14].
لذلك يعترض البعض على هذه الأشياء المختلفة في خَلْق الإنسان، والحقيقة أنها شيء واحد، له مراحل متعددة انتقالية، فإنْ أضفْتَ الماء للتراب صار طينًا، فإذا ما خلطْتَ الطين بعضه ببعض صار حمأ مسنونًا، فإذا تركته حتى يجفّ ويتماسك صار صَلْصَالًا، إذن: فهي مرحليات لشيء واحد.
ثم يقول الحق سبحانه أن هذا المؤمن قال: {لكنا هُوَ الله رَبِّي}.
قوله: {لكنا} [الكهف: 38] أي: لكن أنا، فحذفت الهمزة وأُدغمت النون في النون. ولكن للاستدراك، المؤمن يستدرك على ما قاله صاحبه: أنا لستُ مثلك فيما تذهب إليه، فإنْ كنت قد كفرتَ بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة. ثم سوَّاك رجلًا، فأنا لم أكفر بمَنْ خلقني، فقَوْلي واعتقادي الذي أومن به: {هُوَ الله رَبِّي} [الكهف: 38].
وتلاحظ أن الكافر لم يَقُلْ: الله ربي، إنما جاءتْ ربي على لسانه في معرض الحديث، والفرْق كبير بين القولين؛ لأن الربّ هو الخالق المتولّي للتربية، وهذا أمر لا يشكّ فيه أحد، ولا اعتراض عليه، إنما الشكّ في الإله المعبود المطاع، فالربوبية عطاء، ولكن الألوهية تكليف؛ لذلك اعترف الكافر بالربوبية، وأنكر الألوهية والتكليف.
ثم يؤكد المؤمن إيمانه فيقول: {وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا} [الكهف: 38].
ولم يكتفِ المؤمن بأن أبانَ لصاحبه ما هو فيه من الكفر، بل أراد أنْ يُعدّي إيمانه إلى الغير، فهذه طبيعة المؤمن أنْ يكون حريصًا على هداية غيره، لذلك بعد أنْ أوضح إيمانه بالله تعالى أراد أن يُعلِّم صاحبه كيف يكون مؤمنًا، ولا يكمُل إيمان المؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأيضًا من العقل للمؤمن أن يحاول أن يهدي الكافر؛ لأن المؤمن صُحح سلوكه بالنسبة للآخرين، ومن الخير للمؤمن أيضًا أن يُصحِّح سلوك الكافر بالإيمان.
لذلك من الخير بدل أنْ تدعوَ على عدوك أن تدعو له بالهداية؛ لأن دعاءك عليه سيُزيد من شقائك به، وها هو يدعو صاحبه، فيقول: {ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله}.
يريد أنْ يُعلمه سبيل الإيمان في استقبال النعمة، بأنْ يردَّ النعم إلى المنعم؛ لأن النعمة التي يتقلّب فيها الإنسان لا فضْلَ له فيها، فكلها موهوبة من الله، فهذه الحدائق والبساتين كيف آتتْ أُكُلها؟ إنها الأرض التي خلقها الله لك، وعندما حرثْتها حرثْتها بآلة من الخشب أو الحديد، وهو موهوب من الله لا دَخْلَ لك فيه، والقوة التي أعانتك على العمل موهوبة لك يمكن أن تُسلبَ منك في أيِّ وقت، فتصير ضعيفًا لا تقدر على شيء.
إذن: حينما تنظر إلى كُلِّ هذه المسائل تجدها منتهيةً إلى العطاء الأعلى من الله سبحانه.
خُذْ هذا المقعد الذي تجلس عليه مستريحًا وهو في غاية الأناقة وإبداع الصَّنْعة، من أين أتى الصُّنّاع بمادته؟ لو تتبعتَ هذا لوجدته قطعةَ خشب من إحدى الغابات، ولو سألتَ الغابة: من أين لك هذا الخشب لأجابتْك من الله.
لذلك يُعلّمنا الحق سبحانه وتعالى الأدب في نعمته علينا، بقوله: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} [الواقعة: 63-64].
هذه الحبة التي بذرتها في حقلك، هل جلستَ بجوارها تنميها وتشدّها من الأرض، فتنمو معك يومًا بعد يوم؟ إن كل عملك فيها أن تحرث الأرض وتبذر البذور، حتى عملية الحرث سخّر الله لك فيها البهائم لتقوم بهذه العملية، وما كان بوُسْعك أنْ تُطوّعها لهذا العمل لولا أنْ سخرها الله لك، وذلّلها لخدمتك، كما قال تعالى: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [يس: 72].
ما استطعت أنت تسخيرها.
إذن: لو حلَّلْتَ أيَّ نعمة من النعم التي لك فيها عمل لوجدت أن نصيبك فيها راجع إلى الله، وموهوب منه سبحانه. وحتى بعد أن ينمو الزرع ويُزهر أو يُثمر لا تأمن أن تأتيه آفةٌ أو تحلُّ به جائحة فتهلكه؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} [الواقعة: 65-67].
كما يقول تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم} [القلم: 17-20].
وكذلك في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ الماء الذي تَشْرَبُونَ أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون} [الواقعة: 68-69].
هذا الماء الذي تشربونه عَذْبًا زلالًا، هل تعرفون كيف نزل؟ هل رأيتم بخار الماء الصاعد إلى الجو؟ وكيف ينعقد سحابًا تسوقه الريح؟ هل دريْتُم بهذه العملية؟ {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} [الواقعة: 70] أي: مِلْحًا شديدًا لا تنتفعون به. فحينما يمتنُّ الله على عبيده بأيّ نعمة يُذكِّرهم بما ينقضها، فهي ليست من سَعْيهم، وعليهم أنْ يشكروه تعالى عليها لتبقى أمامهم ولا تزول، وإلاَّ فَلْيحافظوا عليها هم إنْ كانت من صُنْع أيديهم!
وكذلك في مسألة خَلْق الإنسان يوضح سبحانه وتعالى أنه يمنع الحياة وينقضها بالموت، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [الواقعة: 58-60] فإنْ كنتم أنتم الخالقين، فحافظوا عليه وادفعوا عنه الموت. فذكر سبحانه النعمة في الخَلْق، وما ينقض النعمة في أَصْل الخَلْق.
أما في خَلْق النار، فالأمر مختلف، حيث يقول تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون} [الواقعة: 71-72].
فذكر سبحانه قدرته في خَلْق النار وإشعالها ولم يذكر ما ينقضها، ولم يقُلْ: نحن قادرون على إطفائها، كما ذكر سبحانه خَلْق الإنسان وقدرته على نقضه بالموت، وخَلْق الزرع وقدرته على جعله حطامًا، وخَلْق الماء وقدرته على جعله أجاجًا، إلا في النار، لأنه سبحانه وتعالى يريدها مشتعلة مضطرمة باستمرار لتظل ذكرى للناس، لذلك ذيِّل الآية بقوله تعالى: {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ} [الواقعة: 73].
كما نقف في هذه الآيات على ملمح من ملامح الإعجاز ودِقَّة الأداء القرآني؛ لأن المتكلم ربٌّ يتحدث عن كل شيء بما يناسبه، ففي الحديث عن الزرع ولأن للإنسان عملًا فيه مثل الحرْث والبذْر والسَّقْي وغيره نراه يؤكد الفعل الذي ينقض هذا الزرع، فيقول: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} [الواقعة: 65] حتى لا يراودك الغرور بعملك.
أما في الحديث عن الماء وليس للإنسان دخل في تكوينه فلا حاجةَ إلى تأكيد الفعل كسابقه، فيقول تعالى: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} [الواقعة: 70] دون توكيد؛ لأن الإنسان لا يدعي أن له فضلًا في هذا الماء الذي ينهمر من السماء.
نعود إلى المؤمن الذي ينصح صاحبه الكافر، ويُعلِّمه كيف يستقبل نعمة الله عليه: {ولولا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله} [الكهف: 39] {لولا} بمعنى: هلاَّ وهي للحثِّ والتحضيض، وعلى الإنسان إذا رأى ما يعجبه في مال أو ولد حتى لو أعجبه وجهه في المرآة عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
وفي الحديث يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما قيل عند نعمة: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، إلا ولا ترى فيها آفة إلا الموت».
فساعة أن تطالع نعمة الله كان من الواجب عليك ألاَّ تُلهيكَ النعمة عن المنعم، كان عليك أن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، أي: أن هذا كله ليس بقوتي وحيلتي، بل فضل من الله فتردّ النعمة إلى خالقها ومُسديها، وما دُمْتَ قد رددْتَ النعمة إلى خالقها فقد استأمنْتَهُ عليها واستحفظته إياها، وضمنْتَ بذلك بقاءها.
وذكرنا أن سيدنا جعفر الصادق رضي الله عنه كان عالمًا بكنوز القرآن، ورأى النفس البشرية، وما يعتريها من تقلُّبات تعكر عليه صَفْو الحياة من خوف أو قلق أو همٍّ أو حزن أو مكر، أو زهرة الدنيا وطموحات الإنسان فيها.
فكان رضي الله عنه يُخرج لهذه الداءات ما يناسبها من علاجات القرآن فكان يقول في الخوف: عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قول الله تعالى: {حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل} [آل عمران: 173] فإني سمعت الله بعقبها يقول: {فانقلبوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سواء} [آل عمران: 174] وعجبتُ لمن اغتمَّ لأن الغَمَّ انسداد القلب وبلبلة الخاطر من شيء لا يعرف سببه وعجبتُ لمن اغتمَّ ولم يفزع إلى قول الله تعالى: {لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين} [الأنبياء: 87] فإني سمعت الله بعقبها يقول: {فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم} [الأنبياء: 88] ليس هذا وفقط، بل: {وكذلك نُنجِي المؤمنين} [الأنبياء: 88] وكأنها وصْفة عامة لكل مؤمن، وليست خاصة بنبيّ الله يونس عليه السلام.