فصل: قال الجصاص:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الجصاص:

قَوْله تَعَالَى: {إلَّا إبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ}.
فِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ الْجِنِّ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} فَهُوَ جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْمَلَائِكَةِ كَمَا أَنَّ الْإِنْسَ جِنْسٌ غَيْرُ جِنْسِ الْجِنِّ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَصْلُهُمْ مِنْ الرِّيحِ كَمَا أَنَّ أَصْلَ بَنِي آدَمَ مِنْ الْأَرْضِ وَأَصْلُ الْجِنِّ مِنْ النَّارِ. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وإذ قلنا للملائكة اسجُدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجنِّ}.
فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه كان من الجن على ما ذكره الله تعالى. ومنع قائل هذا بعد ذلك أن يكون من الملائكة لأمرين:
أحدهما: أن له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم.
الثاني: أن الملائكة رسل الله سبحانه ولا يجوز عليهم الكفر، وإبليس قد كفر، قال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس.
الثاني: أنه من الملائكة، ومن قالوا بهذا اختلفوا في معنى قوله تعالى: {كان من الجن} على ثلاثة أقاويل:
أحدها: ما قاله قتادة أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجن.
الثاني: ما قاله ابن عباس، أنه كان من الملائكة من خزان الجنة ومدبر أمر السماء الدنيا فلذلك قيل من الجن لخزانة الجنة، كما يقال مكي وبصري.
الثالث: أن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم، وخلق سائر الملائكة من نور، قاله سعيد من جبير، قاله الحسن: خلق إبليس من نار وإلى النار يعود.
الثالث: أن إبليس لم يكن من الإنس ولا من الجن، ولكن كان من الجان، وقد مضى من ذكره واشتقاق اسمه ما أغنى.
{ففسق عن أمر ربه} فيه وجهان:
أحدهما: أن الفسق الاتساع ومعناه اتسع في محارم الله تعالى:
الثاني: أن الفسق الخروج أي خرج من طاعة ربه، من قولهم فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من حجرها قال رؤبة بن العجاج:
يهوين من نجدٍ وغورٍ غائرا ** فواسقًا عن قصدها جوائرا

وفي قوله تعالى: {بئس للظالمين بدلًا} وجهان:
أحدهما: بئس ما استبدلوا بطاعة الله طاعة إبليس، قاله قتادة.
الثاني: بئس ما استبدلوا بالجنة النار. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة} الآية، هذه الآية مضمنها تقريع الكفرة وتوقيفهم على خطاياهم في ولايتهم العدو دون الذي أنعم بكل نعمه على العموم، صغيرها وكبيرها، وتقدير الكلام: واذكر إذ قلنا وتكررت هذه العبارة حيث تكررت هذه القصة، إذ هي توطئة النازلة فأما ذكر النازلة هنا فمقدمة للتوبيخ، وذكرها في البقرة إعلام بمبادىء الأمور، واختلف المتأولون في السجود لآدم فقالت فرقة هو السجود المعروف، ووضع الوجه بالأرض، جعله الله تعالى من الملائكة عبادة له وتكرمة لآدم، فهذا كالصلاة للكعبة، وقالت فرقة بل كان إيماء منهم نحو الأرض، وذلك يسمى سجودًا لأن السجود في كلام العرب عبارة عن غاية التواضع، ومنه قول الشاعر: الطويل:
ترى الأكم فيه سجدًا للحوافر

وهذا جائز أن يكلفه قوم، فمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قوموا إلى سيدكم»، ومنه تقبيل أبي عبيدة بن الجراح يد عمر بن الخطاب حين تلقاه في سفرته إلى الشام ذكره سعيد بن منصور في مصنفه، وقوله: {إلا إبليس} قالت فرقة هو استثناء منقطع، لأن {إبليس} ليس من الملائكة، بل هو من الجن، وهم الشياطين المخلوقين من مارج من نار، وجميع الملائكة إنما خلقوا من نور، واختلفت هذه الفرقة فقال بعضها إبليس من الجن، وهو أولهم، وبدءتهم، كآدم من الإنس، وقالت فرقة بل كان إبليس وقبيله جنًا، لكن جميع الشياطين اليوم من ذريته، فهو كنوح في الإنس، احتجوا بهذه الآية، وتعنيف {إبليس} على عصيانه يقتضي أنه أمر مع الملائكة، وقالت فرقة إن الاستثناء متصل، وإبليس من قبيل الملائكة خلقوا من نار، فإبليس من الملائكة وعبر عن الملائكة بالجن من حيث هم مستترون، فهي صفة تعم الملائكة والشياطين، وقال بعض هذه الفرقة كان في الملائكة صنف يسمى الجن وكانوا في السماء الدنيا وفي الأرض، وكان إبليس مدبر أمرهم ولا خلاف أن إبليس كان من الملائكة في المعنى، إذ كان متصرفًا بالأمر والنهي، مرسلًا، والملك مشتق من المالكة، وهي الرسالة، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول: {اسجدوا} وفي سورة البقرة وسورة الأعراف استيعاب هذه الأمور، وقوله: {ففسق} معناه فخرج وانتزح، وقال رؤبة: الرجز:
تهوين في نجد وغورًا غائرًا ** فواسقًا عن قصدها جوائرا

ومنه قال فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت النواة إذا خرجت عن الثمرة، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، وجميع هذا الخروج المستعمل في هذه الأمثلة، إنما هو في فساد، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خمس فواسق يقتلن في الحرم إنما هن مفسدات» وقوله: {عن أمر ربه} يحتمل أن يريد خرج عن أمر ربه إياه، أي فارقه كما فعل الخارج عن طريق واحد، أي منه، ويحتمل أن يريد فخرج عن الطاعة بعد أمر ربه بها، و{عن} قد تجيء بمعنى بعد في مواضع كثيرة، كقولك أطعمتني عن جوع، ونحوه، فكأن المعنى: فسق بعد أمر ربه بأن يطيع ويحتمل أن يريد فخرج بأمر ربه أي بمشيئته ذلك له ويعبر عن المشيئة بالأمر، إذ هي أحد الأمور، وهذا كما تقول فعلت ذلك عن أمرك أي بجدك وبحسب مرادك، وقال ابن عباس في قصص هذه الآية: كان إبليس من أشرف صنف، وكان له سلطان السماء وسلطان الأرض، فلما عصى صارت حاله إلى ما تسمعون، وقال بعض العلماء إذا كانت خطيئة المرء من الخطأ فلترجه، كآدم، وإذا كانت من الكبر، فلا ترجه، كإبليس، ثم وقف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله: {أفتتخذونه} يريد أفتتخذون إبليس، وقوله: {وذريته} ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين الذين يأمرون بالمنكر ويحملون على الأباطيل، وذكر الطبري أن مجاهدًا قال: ذرية إبليس الشيطان، وكان يعدهم: زلنبور صاحب الأسواق، يضع رايته في كل سوق، وتبن صاحب المصائب، والأعور صاحب الربا، ومسوط صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلًا، وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح فلذلك اختصرته، وقد طول النقاش في هذا المعنى، وجلب حكايات تبعد من الصحة، فتركتها إيجازًا، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للوضوء والوسوسة شيطانًا يسمى خنزت، وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانًا يسمى الولهان والله العليم بتفاصيل هذه الأمور لا رب غيره، وقوله: {وهم لكم عدو} أي أعداء، فهو اسم جنس، وقوله: {بئس للظالمين بدلًا} أي بدل ولاية لله عز وجل بولاية إبليس وذريته، وذلك هو التعوض من الجن بالباطل، وهذا هو نفس الظلم، لأنه وضع الشيء في غير موضعه. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

ثم إِن الله تعالى أمر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن يذكِّر هؤلاء المتكبِّرين عن مجالسة الفقراء قصةَ إِبليس وما أورثه الكِبْر، فقال: {وإِذ قلنا} أي: اذكر ذلك.
وفي قوله: {كان من الجن} قولان.
أحدهما: أنه من الجن حقيقة، لهذا النص؛ واحتج قائلو هذا بأن له ذريةً وليس للملائكة ذريةٌ وأنه كَفَرَ، والملائكة رسل الله، فهم معصومون من الكفر.
والثاني: أنه كان من الملائكة، وإِنما قيل: {من الجن}، لأنه كان من قَبِيلٍ من الملائكة يقال لهم: الجن، قاله ابن عباس؛ وقد شرحنا هذا في [البقرة: 34].
قوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: خرج عن طاعة ربه، تقول العرب: فسَقت الرُّطَبة من قشرها: إِذا خرجت منه، قاله الفراء، وابن قتيبة.
والثاني: أتاه الفسق لما أُمر فعصى، فكان سبب فسقه عن أمر ربه، قال الزجاج: وهذا مذهب الخليل وسيبويه، وهو الحق عندنا.
والثالث: ففسق عن ردِّ أمر ربِّه، حكاه الزجاج عن قطرب.
قوله تعالى: {أفتتخذونه وذُرّيَّته أولياء من دوني} أي: توالونهم بالاستجابة لهم؟! قال الحسن، وقتادة: ذريته: أولاده، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم.
قال مجاهد: ذريته: الشياطين، ومن ذريته زَلَنْبُور صاحب راية إِبليس بكل سوق، وثبْر، وهو صاحب المصائب، والأعور صاحب الرياء، ومِسْوَط صاحب الأخبار يأتي بها فيطرحها على أفواه الناس، فلا يوجد لها أصل، وداسم صاحب الإِنسان إِذا دخل بيته ولم يسلِّم ولم يذكر اسم الله، فهو يأكل معه إِذا أكل.
قال بعض أهل العلم: إِذا كانت خطيئة الإِنسان في كِبْر فلا تَرْجُه، وإِن كانت في شهوة فارجه، فإن معصية إِبليس كانت بالكِبْر، ومعصية آدم بالشهوة.
قوله تعالى: {بئس للظالمين بدلًا} فيه ثلاثة أقوال.
أحدها: بئس الاتخاذ للظالمين بدلًا.
والثاني: بئس الشيطان.
والثالث: بئس الشيطان والذرِّيَّة، ذكرهنَّ ابن الأنباري. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَإِذَا قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}.
تقدم في البقرة هذا مستوفًى.
قال أبو جعفر النحاس: وفي هذه الآية سؤال، يقال: ما معنى {فَفَسَق عَنْ أَمْرِ رَبِّه} ففي هذا قولان: أحدهما وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أُمِر فعَصَى، فكان سببَ الفسق أمْرُ ربه؛ كما تقول: أطعمته عن جوع.
والقول الآخر وهو مذهب محمد بن قُطْرب أن المعنى: ففسق عن ردّ أمر ربه.
{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي} وقّف عز وجل الكفرة على جهة التوبيخ بقوله: أفتتخذونه يا بني آدم وذرّيّته أولياء وهم لكم عدوّ؛ أي أعداء، فهو اسم جنس.
{بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} أي بئس عبادة الشيطان بدلًا عن عبادة الله.
أو بئس إبليس بدلًا عن الله.
واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه؛ فقال الشعبيّ: سألني رجل فقال هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عُرْس لم أشهده، ثم ذكرت قوله: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ} فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم.
وقال مجاهد: إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات؛ فهذا أصل ذريته.
وقيل: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرًا وفي اليسرى فرجًا؛ فهو ينكح هذا بهذا، فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانًا وشيطانة، فهو يَخْرج وهو يطير، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة.
وقال قوم: ليس له أولاد ولا ذرية، وذرّيته أعوانه من الشياطين.
قال القشيري أبو نصر: والجملة أن الله تعالى أخبر أن لإبليس أتباعًا وذرّية، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس، فيتوقّف الأمر فيه على نقل صحيح.
قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البَرْقانِي أنه خرج في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكن أوّلَ من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرّخ» وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه، والله أعلم.