فصل: التفسير المأثور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)}.
أخرج ابن عساكر من طريق ابن سمعان، عن مجاهد قال: كان ابن عباس يقول في هذه الآية {وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح} يقول: لا أنفك ولا أزال {حتى أبلغ مجمع البحرين} يقول: ملتقى البحرين {أو أمضي حقبًا} يقول: أو أمضي سبعين خريفًا {فلما بلغا مجمع بينهما} يقول: بين البحرين {نسيا حوتهما} يقول: ذهب منهما وأخطأهما، وكان حوتًا مليحًا معهما يحملانه فوثب من المكتل إلى الماء فكان {سبيله في البحر سربًا} فأنسى الشيطان فتى موسى أن يذكره، وكان فتى موسى يوشع بن نون {واتخذ سبيله في البحر عجبًا} يقول: موسى عجب من أثر الحوت ودوراته التي غار فيها {قال ذلك ما كنا نبغي} قول موسى: فذاك حيث أخبرت أني أجد الخضر حيث يفارقني الحوت {فارتدا على آثارهما قصصًا} يقول: اتبع موسى ويوشع أثر الحوت في البحر وهم راجعان على ساحل البحر {فوجدا عبدًا من عبادنا} يقول: فوجدا خضرًا {آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علمًا} قال الله تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] فصحب موسى الخضر وكان من شأنهما ما قص الله في كتابه.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس أن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى صاحب بني إسرائيل: قال ابن عباس: كذب عدوّ الله!... حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أي الناس أعلم؟ فقال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: أن لي عبدًا بمجمع البحرين وهو أعلم منك. قال موسى: يا رب، كيف لي به؟ قال: تأخذ معك حوتًا تجعله في مكتل، فحيثما فقدت الحوت فهو ثَم. فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رأسيهما فناما، واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر {فاتخذ سبيله في البحر سربًا} وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد {قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال: ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به فقال له فتاه {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبًا} قال: فكان للحوت سربًا، ولموسى ولفتاه عجبًا. فقال موسى {ذلك ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما قصصًا} قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين الحياة، ولا يصيب ماؤها ميتًا إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما قطر عليه الماء عاش. قال: فرجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى، فقال الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نَعَم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا {قال إنك لن تستطيع معي صبرًا} يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلَمُهُ أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه. فقال موسى {ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا} فقال له الخضر {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا} يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول، فلما ركبا في السفينة فلم يفجأه إلا والخضر قد قلع لوحًا من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قوم حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلَهَا؟. {لقد جئت شيئًا إمْرَا} فقال: {ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كانت الأولى من موسى نسيانًا، قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة، فقال له الخضر: ما علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل، إذ أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر بيده فاقتلعه فقتله، فقال له موسى: {أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا} قال: وهذه أشد من الأولى {قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض} قال: مائل، فأخذ الخضر بيده هكذا فأقامه، فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا {لو شئت لاتخذت عليه أجرًا} فقال: {هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما».
قال سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ: {وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا} وكان يقرأ: {وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين}.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق آخر، عن سعيد بن جبير قال: إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال: سلوني.
قلت: أي أبا عباس، جعلني الله فداءك، بالكوفة رجل قاص يقال له نوف، يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل. قال: كذب عدوّ الله، حدثني أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن موسى عليه السلام ذكر الناس يومًا، حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولّى، فأدركه رجل فقال: أي رسول الله، هل في الأرض أحد أعلم منك؟ قال: لا. فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله تعالى. قيل: بلى. قال: أي رب، فأين؟ قال: بمجمع البحرين. قال: أي رب، اجعل لي علمًا أعلم به ذلك. قال: خذ حوتًا ميتًا حيث ينفخ فيه الروح، فأخذ حوتًا فجعله في مكتل، فقال لفتاه: لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت. قال: ما كلفت كثيرًا. قال: فبينا هو في ظل صخرة في مكان سريان أن تضرب الحوت وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه. حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره. وتضرب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر. قال موسى {لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال: قد قطع الله عنك النصب، فرجعا فوجدا خضرًا على طنفسة خضراء على كبد البحر، مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه، فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال: هل بأرض من سلام...!؟ من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. قال: فما شأنك؟ قال: جئت لتعلمني مما علمت رشدًا. قال: أما يكفيك أن التوراة بيديك، وأن الوحي يأتيك يا موسى؟ إن لي علمًا لا ينبغي أن تعلمه، وإن لك علمًا لا ينبغي لي أعلمه. فأخذ طائر بمنقاره من البحر، فقال: والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ الطير منقاره من البحر. حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارًا تحمل أهل الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر، فعرفوه فقالوا: عبد الله الصالح لا نحمله بأجر، فخرقها ووتد فيها وتدًا. قال موسى {أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمْرًا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا} كانت الأولى نسيانًا والوسطى والثالثة عمدًا {قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا فانطلقا حتى إذا لقيا غلامًا فقتله} ووجد غلمانًا يلعبون فأخذ غلامًا كافرًا ظريفًا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين، فقال: {أقتلت نفسًا زكية} لم تعمل الحنث. قال ابن عباس قرأها: {زكية} زاكية مسلمة، كقولك: غلامًا زكيًا. فانطلقا فوجدا {جدارًا يريد أن ينقض فأقامه} قال: بيده هكذا، ورفع يده فاستقام {قال لو شئت لاتخذت عليه أجرًا} قال: أجرًا تأكله {وكان وراءهم ملك} قرأها ابن عباس {وكان أمامهم ملك} يزعمون مدد بن ندد، والغلام المقتول اسمه يزعمون جيسور {ملك يأخذ كل سفينة} صالحة {غصبًا} فأردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها، ومنهم من يقول سدوها بالقار {فكان أبواه مؤمنين} وكان كافرًا {فخشينا أن يرهقهما طغيانًا وكفرًا} أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه {فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا} هما به أرحم منهما بالأول الذي قتله خضر». وزعم غير سعيد أنهما أُبْدِلا جارية.
وأخرج عبد بن حميد ومسلم وابن مردويه من وجه آخر، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وكنا عنده، فقال القوم: إن نوفًا الشامي يزعم أن الذي ذهب يطلب العلم ليس بموسى بني إسرائيل، فكان ابن عباس متكئًا فاستوى جالسًا فقال: كذب نوف، حدثني أبي بن كعب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنه عجل واستحيا وأخذته دمامة من صاحبه فقال له: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني، لرأى من صاحبه عجبًا».
قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر نبيًا من الأنبياء بدأ بنفسه فقال: «رحمة الله علينا وعلى صالح، ورحمة الله علينا وعلى أخي عاد، ثم قال: إن موسى بينا هو يخطب قومه ذات يوم، إذ قال لهم: ما في الأرض أحد أعلم مني. فأوحى الله إليه: أن في الأرض من هو أعلم منك، وآية ذلك أن تزوّد حوتًا مالحًا فإذا فقدته فهو حيت تفقده، فتزوّد حوتًا مالحًا فانطلق هو وفتاه حتى إذا بلغا المكان الذي أمروا به، فلما انتهوا إلى الصخرة انطلق موسى يطلب، ووضع فتاه الحوت على الصخرة فاضطرب {فاتخذ سبيله في البحر سربًا} قال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته. فأنساه الشيطان، فانطلقا فأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال حين جاوز ما أمر به، فقال موسى: {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال فتاه: يا نبي الله {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت} أن أحدثك {وما أَنْسَانِيهُ إلا الشيطان} {فاتخذ سبيله في البحر سربًا} {قال ذلك ما كنا نبغي} فرجعا {على آثارهما قصصًا} يقصان الأثر حتى انتهيا إلى الصخرة، فأطاف فإذا هو برجل مسجى بثوب فسلم عليه، فرفع رأسه فقال له: من أنت؟ قال: موسى. قال: من موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل. قال: فما لك؟ قال: أخبرت أن عندك علمًا فأردت أن أصحبك {قال إنك لن تستطيع معي صبرًا} {قال ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا} {قال كيف تصبر على ما لم تحط به خبرًا} قال: قد أمرت أن أفعله {قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرًا فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة} فخرج من كان فيها وتخلف ليخرقها، فقال له موسى: تخرقها {لتغرق أهلها لقد جئت شيئًا إمرًا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرًا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرًا} فانطلقا، حتى إذا أتوا على غلمان يلعبون على ساحل البحر وفيهم غلام ليس في الغلمان أحسن ولا ألطف منه، فأخذه فقتله فنفر موسى عند ذلك وقال: {أقتلت نفسًا زكية بغير نفس لقد جئت شيئًا نكرًا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرًا} قال: فأخذته دمامة من صاحبه واستحيا فقال: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرًا فانطلقا حتى أتيا أهل قرية} وقد أصاب موسى جهد شديد فلم يضيفوهما {فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقض فأقامه} قال له موسى مما نزل به من الجهد {لو شئت لاتخذت عليه أجرًا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرًا} فأخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} {وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا} فإذا مر عليها فرآها منخرقة تركها ورقعها أهلها بقطعة من خشب فانتفعوا بها وأما الغلام، فإنه كان طبع يوم طبع كافرًا، وكان قد ألقي عليه محبة من أبويه، ولو عصياه شيئًا لأرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأراد ربك أن يبدلهما {خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا} فوقع أبوه على أمه فعلقت خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا».
وأخرج من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال: جلست عند ابن عباس- وعنده نفر من أهل الكتاب- فقال بعضهم: إن نوفًا يزعم عن أبي بن كعب، أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف... حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال: أي رب، إن كان في عبادك أحد أعلم مني فدلني. قال: نعم، في عبادي من هو أعلم منك، فنعت له مكانه فأذن له في لقيه، فخرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح، قد قيل: إذا حيي هذا الحوت في مكان، فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك. فخرج موسى ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه، فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء، ماء الحياة من شرب منه خلد، ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي. فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي {فاتخذ سبيله في البحر سربًا} فانطلقا {فلما جاوزا قال} موسى {لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا} قال الفتى وذكر {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبًا} قال ابن عباس: فظهر موسى على الصخرة حين انتهيا إليها، فإذا رجل ملتف في كسائه فسلم موسىعليه فرد عليه ثم قال له: ما جاء بك؟ إن كان لك في قومك لشغل؟ قال له موسى: جئتك لتعلمني مما علمت رشدًا».