فصل: قال الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم بأن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال. فمن يدعي أنهم روسية وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النَّبي صلى الله عليه وسلم مخافة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فهو باطل.
لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود.
والعمدة في الحقيقة لمن ادعى أن يأجوج ومأجوج هو روسية، ومن ادعى من الملحدين أنهم لا وجود لهم أصلًا- هي حجة عقلية في زعم صاحبها، وهي بحسب المقرر فيالجدل قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل به يستثنى فيه نقيض التالي، فينتج قيض المقدم. وصورة نظمه أن يقول: لو كان يأجوج ومأجوج وراء السد إلى الآن، لاطلع عليهم الناس لتطور طرق الموصلات، لكنهم لم يطلع عليهم أحد ينتج فهم ليسوا وراء السد إلى الآن، لأن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض القمدم كما هو معلوم. وبعبارة أوضح لغير المنطقي: لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم- هذا هو عمدة حجة المنكرين وجودهم إلى الآن وراء السد. ومن المعلوم أن القياس الاستثنائي المعروف بالشرطي، إذا كان مركبًا من شرطية متصلة واستثنائية، فإن يتوجه عليه القدم من ثلاث جهات:
الأولى- أن يقدح فيه من جهة شرطيته، لكون الربط بين المقدم والتالي ليس صحيحًا.
الثانية- أن يقد فيه من جهة استثنائية.
الثالثة- أن يقدح فيه من جهتهما معًا. وهذا القياس المزعوم يقدح فيه من جهة شرطيته فيقول للمعترض: الربط فيه بين المقدم والتالي غير صحيح. فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس غير صحيح. لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس، ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعال في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهوم في الأرض أربعين سنة. وذلك في قوله تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين} [المائدة: 26] الآية، وهم في فراسخ قليلة من الأرض، يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه، لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق. وعلى كل حال، فربك فعال لما يريد. وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه صادقة، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، زاعين أنه منل في التوراة أو غيره من الكتب السماوية- باطل يقينًا لا يعول علينا. لأن الله جل وعلا صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد بأ، هم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم، كقوله: {يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ} [المائدة: 13]، وقوله: {تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا} [الأنعام: 91]، وقوله: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79]، وقوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللًّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78] إلى غير ذلك من الآيات- بخلاف هذا القرآنا لعظيم، فقد تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه، ولم يكله أحد يغير فيه أو يبدل أو يحرف، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، وقال: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 16-17]، وقال: {لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت: 42]. وقال في النَّبي صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى} [النجم: 3-4]، وقد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن لأمته أن تحدث عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل، أو يكذبوا بحق.
ومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات: في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه. وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل القرآن أو السنة أيضًا على كذبه. وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق، كما في الحديث المشار إليه آنفًا: وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ولا سنة صدقه ولا كذبه. وبهذا التحقيق- تعلم أن القصص المخالفة للقرآن والسنة الصحيحة التي توجه بأيدي بعضهم، زاعمين أنها في الكتب المنزلة- يجب تكذيبهم فيها لمخالفتها نصوص الوحي الصحيح، التي لم تحرف ولم تبدل. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {جَعَلَهُ دَكًَّا} [الكهف: 98] قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {دكًا} بالتنوين مصدر دكه. وقرأه عاصم وحمزة والكسائب {جعله دكاء} بألف التأنيث الممدودة تأنيث الأدك. ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد، وقد قدما أيضاحه.
{وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)}.
قوله: {وَعَرَضْنَا} أي أبرزنا وأظهرنا جهنم {يَوْمَئِذٍ} أي يوم إذ جمعناهم جمعًا. كما دل على ذلك قوله قبله: {وَنُفِخَ فِي الصور فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف: 99]. وقال بعض العلما: اللام في قوله: {للكافرين} بمعنى على، أي عرضنا جهنم على الكافرين، وهذا يشهد له القرآن في آيات متعددة. لأن العرض في القرآن يتعدى بعلى لا باللام. كقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار} [الأحقاف: 20]، وقوله: {النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر: 46]، وقوله تعالى: {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفًَّا} [الكهف: 48]، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على- البيت الذي قدمناه في أول سورة هود، وقدمنا الاختلاف في قائله، وهو قوله:
هتكت له بالرمح جيب قميصه ** فخر صريعًا لليدين وللفم

أي خر صريعًا على اليدين.
وقد علم من هذه الآيات: أن النار تعرض عليهم ويعرضون عليها. لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها. كما قال تعالى في عرضها عليهم هنا: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا}، وقال في عرضهم عليها: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار} الآية، ونحوها من الآيات. وقد بينا شيئًا من صفات عرضهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله في الكلام على قوله تعالى: {وَعُرِضُواْ على رَبِّكَ صَفًَّا}. وقول من قال: إن قوله هنا: {وعرضنا جهنم} الآية فيه قلب. وان المعنى: وعرضنا الكافرين لجهنم أي عليها- بعيد كما أوضحه أبو حيان في البحر. والله تعالى أعلم.
{الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)}.
التحقيق في قوله: {الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ} أنه في محل خفض نعتًا للكافرين. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات الكافرين الذي تعرض لهم جهنم يوم القيامة- نهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى، وكانوا لا يستطيعون سمعًا. وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة، كقوله في تغطية أعينهم: {وعلى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} [البقرة: 7] الآية، وقوله: {وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] الآية، وقوله: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى} [الرعد: 19]، وقوله: {وَمَا يَسْتَوِي الأعمى والبصير} [غافر: 58] الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. وقال في عدم استطاعتهم السمع: {أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أَبْصَارَهُمْ} [محمد: 23]، وقال: {إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} [الكهف: 57]. وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} [هود: 20] فأغنى عن إعادته هنا. وقد بينا أيضًا طرفًا من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: {إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا} وقد بين تعالى في موضع آخر: أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض الله لصاحبة شيطانًا فيجعله له قرينا. وذلك في قوله تعالى: {وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36] الآية.
{أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (102)}.
الهمزة في قوله تعالى: {أفحسب} للإنكار والتوبيخ. وفي الآية حذف دل المقام عليه. قال بعض العلماء: تقدير المحذوف هو: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، ولا أعاقبهم العقاب الشديد! كلا!! بل سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد. بدليل قوله تعالى بعده: {إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} وقال بعض العلماء: تقديره: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء! وأن ذلك ينفعهم. كلا! لا ينفعهم بل يضرهم. ويدل لهذا قوله تعالى عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى} [الزمر: 3] وقوله عنهم: {وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ الله} [يونس: 18]. ثم إنه تعلى بين بطلان ذلك بقوله: {قُلْ أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18]، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من عباده ولا يعاقبهم. أو أن ذلك ينفعهم- جاء مبينًا في مواضع، كقوله في أول سورة الأعراف: {اتبعوا مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ} [الأعراف: 3] الآية. فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية، لأنه يضرهم ولا ينفعهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ولي من دون الله لأحد، وإنما الموالاة في الله، كقوله: {وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ} [الكهف: 26] الآية، وقوله: {وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113]، وقوله: {وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ} [الشورى: 44] الآية، وقوله: {وَأَنذِرْ بِهِ الذين يَخَافُونَ أَن يحشروا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ} [الأنعام: 51] الآية، وقوله: {وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ} [الأنعام: 70] الآية، ونحو ذلك من الآيات. وسيأتي له قريبًا إن شار الله تعالى زيادة إيضاح وأمثلة.
والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله: {عبادي} أن المراد بهم نحو الملائكة وعيسى وعزيز. لا الشياطين ونحوهم، لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالبًا. وقد بين تعالى: أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} [سبأ: 40-41] الآية، وقوله: {إنا أعتدنا} قد أوضحنا معنها في قوله تعالى: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا} [الكهف: 29] الآية، فأغنى عن إعادته هنا. وفي قوله: {نزلًا} أوجه من التفسير للعلماء، أظهرها أن النزل هو ما يقدم للضيف عند نزوله، والقادم عند قدومه. والمعنى: أن الذي يهيأ لهم من الإكرام عند قدومهم إلى ربهم هو جهنم المعدة لهم، كقوله: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21]. وقوله: {يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كالمهل} [الكهف: 29]. وقد قدمنا شواهده العربية في الكلام على قوله تعالى: {يُغَاثُواْ بِمَاءٍ كالمهل} لأن ذلك الماء الذي يشوي الوجوه ليس فيه إغاثة، كما أن جهنم ليست نزل إكرام الضيف أو قادم.
الوجه الثاني- أن {نزلًا} بمعنى المنزل، أي اعتدنا جهنم للكافرين منزلًا، أي مكان نزول، لا منزل لهم غيرها. وأضعف الأوجه ما زعمه بعضهم من أن النزل جمع نازل، كجمع الشارف على شرف بضمتين. والذي يظهر في إعراب {نزلًا} أنه حال مؤولة بمعنى المشتق. أو مفعول لـ: {اعتدنا} بتضمينه معنى صيرنا أو جعلنا. والله تعالى أعلم. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ}.
فإذا كانت القيامة تركناهم يموج بعضهم في بعض، كموج الماء لا تستطيع أن تفرق بعضهم من بعض، كما أنك لا تستطيع فصل ذرات الماء في الأمواج، يختلط فيهم الحابل بالنابل، والقويّ بالضعيف، والخائف بالمخيف، فهم الآن في موقف القيامة، وقد انتهت العداوات الدنيوية، وشُغِل كل إنسان بنفسه.
وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصور فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا} [الكهف: 99].
وهذه هي النفخة الثانية؛ لأن الأولى نفخة الصَّعْق، كما قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَاءَ الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} [الزمر: 68].
فالنفخة الأولى نفخة الصَّعْق، والثانية نفخة البَعْث والقيامة، والصَّعْق قد يكون مميتًا، وقد يكون مُغْمِيًا لفترة ثم يفيق صاحبه، فالصَّعْق المميت كما في قوله تعالى: {وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الذاريات: 43-44].
أما الصَّعْقة التي تُسبِّب الإغماء فهي مِثْل التي حدثت لموسى عليه السلام حينما قال: {قَالَ رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسى صَعِقًا فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين} [الأعراف: 143].
فالجبل الأشمّ الراسي الصَّلْب اندكّ لما تجلَّى له الله، وخر موسى مصعوقًا مُغمى عليه، وإذا كان موسى قد صُعِق من رؤية المتجلَّى عليه، فكيف برؤية المتجلِّي سبحانه؟
وكأن الحق سبحانه أعطى مثلًا لموسى عليه السلام فقال له: ليست ضنينًا عليك بالرؤية، ولكن قبل أن تراني انظر إلى الجبل أولًا ليكون لك مثالًا، إذن: لا يمنع القرآن أن يتجلى الله على الخَلْق، لكن هل نتحمل نحن تجلِّي الله؟
فمن رحمة الله بنا ألاَّ يتجلى لنا على الحالة التي نحن عليها في الدنيا. أما في الآخرة، فإن الخالق سبحانه سيُعِدّنا إعدادًا آخر، وسيخلقنا خِلْقة تناسب تجلِّيه سبحانه على المؤمنين في الآخرة؛ لأنه سبحانه القائل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22-23].