فصل: مطلب وصية عيسى عليه السلام وما يقوله فيه قومه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب وصية عيسى عليه السلام وما يقوله فيه قومه:

وفي قوله هذا وقول ربه المار ذكره ردّ صريح على من قال إنه إله أو ابن الإله {هذا} الذي أخبرتكم به أيها الناس من براءة أمي وتبرؤ مما سيقال في، وإني عبد اللّه ورسوله وإن اللّه ربي وربكم ورب العالم أجمع لا شريك له ولا وزير ولا صاحبة ولا ولد {صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ} 36 فاسلكوه وتمسكوا به لئلا تضلوا فتهلكوا لأنه الطريق السوي الموصل إلى الخير في الدنيا والآخرة، فمن قال بعد هذا إن عيسى ابن اللّه أو إله أو ثالث ثلاثة أو شريك مع الإله أو إن أمه لم تحمل به على الصورة المذكورة، فقد افترى على اللّه وعلى رسوله عيسى وعلى أمه مريم وأبهتهم باختلاق أقوال كاذبة انتحلها من نفسه. فمن أذعن وصدق فقد فاز ونجا، ومن جادل وكذب فقد هلك وخسر.
قال تعالى: {فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ} بدل أن يتفقوا بعد هذا البيان الكافي في وصيته عليه السلام لهم، وهذا الاختلاف حدث {مِنْ بَيْنِهِمْ} من بين قوم الموصي لهم بالاتفاق على وصيته على أقوال اتبع كل فرقة ما سوّلت لهم أنفسهم، فقالت النسطورية هو ابن اللّه أظهره ثم رفعه، وقالت اليعقوبية هو اللّه هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وقالت الملكانية هو عبد اللّه ونبيه. ولهذا قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ} الآيات 19، 75، 76 من المائدة والآية 170 من النساء في وسيأتي تفسيرها فيها إن شاء، إذ كان في عهد نزول القرآن من لا يقول هذا وإلا لما خصص هذين الأمرين، ويوشك أن يكون الآن ممن لا يقول بهما ويعيب على من يقول بهما حتى الآن.
وقالت اليهود ليس بنبي إنما هو رجل تعلم السّحر ويزعم أنه ملك اليهود، ولذلك صاروا فرقا وأحزابا كما ذكر اللّه {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} به وقالوا ما قالوا وماتوا على كفرهم {مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ} 37 مهول مخوف وهو يوم الحساب والجزاء لأنهم لا يسمعون نصائح الرسل سماع قبول، وستراهم يوم القيامة يا أكرم الرسل في ذلك الموقف أكثر سماعا من غيرهم وأحد نظرا {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} هاتان كلمتان تعجب من جودة سمعهم وحدة بصرهم واللّه تعالى لا يوصف بالتعجب والمراد منه أن أبصارهم وأسماعهم {يَوْمَ يَأْتُونَنا} في الآخرة جدير بأن يتعجب منهما لما هم عليه إذ ذاك من قوة السمع والبصر بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الصمم عن سماع ذكرنا والعمى عن أبصار آياتنا {لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ} في هذه الدنيا مغرورون تائهون وخاصة بعض المسيحيين فيما يعتقدونه في عيسى عليه السلام، فهم {فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} 38 خطأ ظاهر غدا في الآخرة بل وقبلها يوم ينزل من السماء كما سيأتي في الآية 60 من سورة الزخرف فيعترفون بالحق الذي أنكروه الآن ويندمون على ما وقع منهم.

.مطلب يوم الحسرة وذبح الموت:

فعظهم يا أكمل الرسل {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ} ذلك يوم الخسران والندامة، إذ يتحسر المسيء على ما وقع منه في الدنيا ويتحسر المؤمن على تقصيره فيها أيضا لما يرى من عظيم ثواب غيره.
روى أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: ما من أحد يموت إلا يندم.
قالوا ما ندمه يا رسوله؟ قال إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع- أخرجه الترمذي- وقال أكثر المفسرين إن يوم الحسرة يوم من أيام القيامة يذبح فيه الموت استنادا على ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «يؤتى بالموت على هيئة كبش أملح مختلط سواده ببياضه والموت لا يذبح لأنه عرض والذبح للأجسام، إلا أن اللّه تعالى يجسمه بصورة كبش فيذبح على مشهد الخلائق فيموت ولا يرجى له حياة ولا وجود، وكذلك حال أهل الجنة وأهلّ النار لا زوال لهما ولا انتقاص فينادي مناد: يا أهل الجنة! فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي مناد: يا أهل النار! فيشرفون وينظرون، فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت، ثم قرأ: {وأنذرهم يوم الحسرة إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ}» فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار وذبح الموت {وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} عما يراد بهم بالآخرة لشدة انهماكهم في الدنيا، والواو في هذه الجملة وفي قوله جل قوله: {وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} 39 للحال، أي والحال أنهم لا يصدقون أن الأمر قد فرغ منه، وأشار بيده إلى الدنيا.
زاد الترمذي فيه: فلو أن أحدا مات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار.
لزيادة ما يرى الأول من النعيم والسرور، والآخر من العذاب والحزن، ويعلم كل منهم أنه خالد فيما صار إليه.
ورويا عن ابن عمر أيضا قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، فيذبح ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم».
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: «لا يدخل الجنة أحد إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل النار أحد إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن فيكون عليه حسرة».
فعلى هذا قد ثبت أن يوم الحسرة هو يوم ذبح الموت على الوجه الذي بيناه، إذ يتحسر فيه الظالمون على ما فرط منهم، والمنقون على تفريطهم بعدم ازدياد العمل الصالح، فما قيل إنه يوم يقال لهم {اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ} الآية 107 من سورة المؤمنين، أو يوم يقال لهم: {وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} الآية 90 من سورة يس المارة، أو يوم {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ} الآية 91 من سورة الشعراء الآتية، أو يوم يسدّ باب التوبة حين تطلع الشمس من مغربها ليس لها ما يؤيدها بمقابلة الأحاديث الصحيحة التي أوردناها أعلاه، وذلك لأن قوله تعالى اخسئوا بعد دخول النار، وقوله: {وامتازوا} قبل دخولها ويوم تبرز الجحيم يكون بعد الامتياز، ويوم طلوع الشمس من أيام الدنيا لا من أيام الآخرة، والأمل بعد باق للعاصين، أما يوم ذبح الموت فتنقطع فيه الآمال، ولذلك سمي يوم الحسرة إذ لم يبق أمل لأهل النار بالخروج منها، ولذلك يتحسرون الحسرة إثر الحسرة، وليس بنافع، أجارنا اللّه تعالى القائل: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها} في ذلك اليوم إذ لا يبقى ملك لملك، بل يكون الملك كله للّه، ويرجع الملوك الغاشمون أذلاء خاضعين إليه كآحاد الناس، بل هم أدنى لما يعلمون ما كانوا عليه في الدنيا إلا من رحمه اللّه منهم {وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ} 40 ملوكهم ومملوكوهم انسهم وجنهم وطيرهم وحيتانهم، ومنهم قومك يا محمد، فيجازى كل بعمله.
وقرئ {ترجعون} بالتاء على الخطاب والأول أولى بنسق الآية،
قال تعالى: {وَاذْكُرْ} لقومك يا سيد الرسل {فِي الْكِتابِ} المنزل عليك جدك وجد الأنبياء من قبلك {إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا} كثير الصدق ملازما له في أقواله وأفعاله لم يكذب قط {نَبِيًّا} 41 مرسلا بدليل قوله بعد: {قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ} الآية الآتية، ثم بين قصته مع أبيه فقال: {إِذْ قالَ لِأَبِيهِ} آزر وكان من عبدة الأوثان {يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ} نداءك إذا استغثت به {وَلا يُبْصِرُ} شخصك حين تعبده فلا يقدر خضوعك إليه وخشوعك منه {وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا} من الأشياء البتة {يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ} والمعرفة باللّه المستحق للعبادة الذي يجيب دعاء المضطرين ويرى خضوع الخاشعين، يثيب الطائع ويعذّب العاصي. واعلم يا أبت أن اللّه ربي وربك ورب الخلق أجمع أعطاني شيئا عظيما {ما لَمْ يَأْتِكَ} ولا غيرك شيء منه {فَاتَّبِعْنِي} واترك ما أنت عليه من عبادة الأوثان {أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا} 43 عدلا مستقيما يوصلك إلى النجاة ويخلّصك من الضلال المؤدي بك إلى مهاوي العطب {يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ} وتطيعه فيما يزين لك من زخارف الدنيا ويوسوس في قلبك الانقياد لعبادته ويحبذ لك ما أنت عليه {إِنَّ الشَّيْطانَ} الذي ديدنه الخبث {كانَ} ولم يزل من حين امتناعه من السجود لأبينا آدم صار {لِلرَّحْمنِ} الواجب طاعته على خلقه {عَصِيًّا 44} ومن يعصه أحق أن يعصى ويلعن لا أن يطاع ويعبد، لأن طاعة العاصي عصيان والعاصي جدير بأن تسلب منه نعم ربه انتقاما منه: {يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ} إن بقيت مصرّا على عصيانك إياه وعبادة غيره {فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا} 45 يلي أمرك ويتسلط عليك، ومن ولي أمره الشيطان تبرأ اللّه منه، ومن يتبرأ اللّه منه فمأواه جهنم.
هذا وقد تأدب عليه السلام مع أبيه غاية الأدب وسلك بخطابه طريق الاحترام، واستعمل بدعوته ونصحه نهاية التعظيم، وجامله مجاملة ما عليها من مزيد، حتى إنه لم يسمه باسمه ولم يسمه بالجهل، مع ما هو عليه من الكفر، ولم يصف نفسه بالعلم مع ما هو عليه من النبوة، هضما لنفسه وإكراما لأبيه، واكتفى ببيان أن عنده من العلم ما ليس عند أبيه شيء منه، لشدة تعلق قلبه بصلاح أبيه أداء لحق الأبوة ورفقا به خوفا عليه من اللّه، وهذا نهاية ما يطلب من المرشد الحريص على هداية الناس المقدر من مخاطبتهم باللين واللطف وعدم تغليظ القول، وضرب الأمثال بهم ليقبل ويؤخذ به، وإلا عاد عليه نصحه شرا، وعلى غيره خسرا، وكسب عداوتهم من مودتهم.
طلب الفرق بين نور الإيمان وظلمة الكفر في خطاب ابراهيم وجواب أبيه:
كأن قائلا يقول ماذا قال آزر لابنه عند سماعه هذه النصائح الواجبة القبول؟
أصر على عناده، وقابل ذلك الاستعطاف واللطف بالفظاظة والغلظة بقوله له: {أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ} استفهام انكار على نوع من التعجب، أنف عن عبادتها وسماه باسمه احتقارا ولم يقابله بالمثل، فيقول يا ولدي حنانا بل هدده بقوله مقسما بآلهته {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ} عما صدر منك {لَأَرْجُمَنَّكَ} بالحجارة حتى تموت وأقول لك من الآن اذهب عني {وَاهْجُرْنِي} لا تأت إلي ولا أراك واتركني على ما أنا عليه ولا تدعني إلى ما ذكرت هجرا {مَلِيًّا} 46 طويلا أبدا، مأخوذ من الإملاء أي الإمداد، وكذا الملاءة بتثليث الميم ومن هذا الملوان الليل والنهار، يريد عدم تكليمه له مادام حيا، ونصب الظرفية كما في قول المهلهل:
فتصدعت صم الجبال لموته ** وبكت عليه المرملات مليا

فانظر يا رعاك اللّه إلى الكلام الصادر عن نور المعرفة، وإلى الكلام الناشئ عن الكفر، وتفكر في رقة الإيمان كيف تخاطب غلظة الكفر، وقساوة الشرك كيف تقابل لين الإيمان، وأنعم نظرك في جواب العارف بعد تهديده من ذلك وقد طرده طردا أبديا مع تهديده بالقتل {قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ} يا أبت هنا تعلم الدّن ينضح بما فيه وقول عيسى عليه السلام: كل ينفق ما عنده السلام هنا والمباركة كالذي أشرنا إليه في تفسير الآية 63 من سورة الفرقان، وبعد هذا كله لم يقطع أمله من إيمانه بسائق الرأفة عليه من عذاب اللّه إمّا لحق التربية وجزاء لواجب الأبوّة فقال عليه السلام: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} عما وقع منك تجاهه لقاء نصحي، وأسأله أن يرزقك الإيمان به وحده وترك الشرك الذي أنت عليه {إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا} 47 بليغا بالبر والإكرام إذ أنقذني من ظلمة الكفر وهداني إلى نور الإيمان، وجعلني نذيرا لعباده من عذابه، وبشيرا لهم بثوابه وصيّرني بهم رءرفا رحيما وعودني أن يجيب دعائي بجزيل كرمه وأفضاله علي يقال احتفى بالرجل إذا بالغ في إكرامه واعتنى به راجع الآيتين 95 و187 من سورة الأعراف المارة، ثم قال مجيبا لزجر أبيه وتحذيره من البقاء معه {وَأَعْتَزِلُكُمْ} على جهة التعظيم لأن المخاطب واحد، وفيه إشارة إلى أنه لم يزل محافظا على أدبه معه مراعيا حقه وان ما صدر منه عليه لم يؤثر في قلبه الطاهر، وهكذا الأنبياء العارفون لا يمنعهم من القيام بالإرشاد تعدي الناس عليهم {وَ} أعتزل أيضا {ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} لأنها أوثان لا تضر ولا تنفع {وَأَدْعُوا رَبِّي} وحده لأن يوفقي إلى مهاجر أجد فيه من يسمع نصحي ويجيب دعوتي ويؤمن بربي {عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي} خلقه إلى عبادته {شَقِيًّا} 48 خائبا ضائعا مخذولا، بل موفقا واجدا أهلا لعبادته، وفيه تعريض بأنهم يدعون غير اللّه وأنهم يشقون بذلك.
واعلم أن الدعاء هنا بمعنى العبادة بدليل الآية بعدها لأنها كالمفسّرة لها، ويجوز أن يكون على ظاهره، لأن الدعاء من العبادة، والعبادة مشتملة على الدعاء، وفي تصدير الكلام بما ذكر نهاية في إظهار التواضع ومراعاة لحسن الأدب، وتنبيه على أن الإثابة والإجابة بطريق التفضل من اللّه عز وجل لا بطريق الوجوب، وأن العبرة بالخاتمة وهي من الأمور الغيبية المختصة بعالم الغيب، ثم هاجر عليه السلام إلى الشام فإلى بيت المقدس، قال تعالى: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} بعد أن سمع من أبيه ما سمع وأيس من إيمانه وقومه وخاف على نفسه من القتل {وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا} 49 وهذا من ألطاف اللّه بأنبيائه وعنايته بهم وعطفه على خلّص عباده وعطائه لهم، إذ أنه عليه السلام هاجر إلى ربه طريدا فوفقه من هاجر إليه إلى زوجة صالحة ورزقه أولادا وجعلهم أنبياء مثله، وأنعم عليهم بما أنعم عليه، وآنسه برفقتهم، وعوّضه عن أبيه وقومه خيرا {وَوَهَبْنا لَهُمْ} ولولديه الكريمين {مِنْ رَحْمَتِنا} أموالا وأولاد {وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ} ثناء حسنا {عَلِيًّا} 50 رفيعا مشهورا في جميع الأديان مستمرا إلى أبد الدوران، إذ ما من أمة إلا وتلهج بالثناء على ابراهيم وولده، فانظر عطاء الله إلى أوليائه كيف يكون بغير قدر ولا حساب، أللهم اجعلنا من أتباعهم.
ستأتي بقية قصته مع أبيه وقومه في الآية 51 فما بعدها من سورة الأنبياء {وَاذْكُرْ} يا سيد الرسل لقومك {فِي الْكِتابِ} أيضا قصة {مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا} أخلصه اللّه واصطفاه بعد أن استخلفه.
هذا على فتح اللام، وعلى كسرها أخلص عبادته للّه فلم يراء بها {وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا} 51 جمع له الوصفين الشريفين وكل رسول نبي ولا عكس {وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} من ناحيته التي تلي يمين موسى إذ لا يمين للجبل ولا شمال بل يكون باعتبار من هو عليه {وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا} 52 تقريب منزلة ومكانة حتى شرفناه بمناجاتنا {وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا} 53 إجابة لدعائه، وكان كبر منه سنا إذ ولد قبل أمر فرعون بذبح الأولاد من بني إسرائيل ليؤازره يعاضده في امر دعوته لقومه.