فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة اعتزالية فتأملها وقوله: {فوربك} الآية وعيد يكون ما نفوه على أصعب وجوهه، والضمير في قوله: {لنحشرهم} عائد للكفار القائلين ما تقدم، ثم أخبر أنه يقرن بهم {الشياطين} المغوين لهم. وقوله: {جثيًا} جمع جاث كقاعد وقعود وجالس وجلوس وأصله جثووا وليس في كلام العرب واو متطرفة قبلها ضمة فوجب لذلك أن تعل، ولم يعتد هاهنا بالساكن الذي بينهما لخفته. وقلة حوله فقلبت ياء فجاء جثويًا فاجتمع الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ثم أدغمت ثم كسرت التاء للتناسب بين الكسرة والياء. وقرأ الجمهور: {جُثيًا} و{صُليًا} [مريم: 70] بضم الجيم والصاد، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش: {جِثيًا} و{صِليًا} ذاته بكسر الجيم والصاد وأخبر الله تعالى أنه يحضر هؤلاء المنكرين للبعث مع الشياطين فيجثون حول جهنم وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه كالأسير. ونحوه قال قتادة {جثيًا} معناه على ركبهم وقال ابن زيد: الجثي شر الجلوس، و(الشيعة) الفرقة المرتبطة بمذهب واحد المتعاونة فيه كأن بعضهم يشيع بعضًا أي ينبه، ومنه تشييع النار بالحطب وهو وقدها به شيئًا بعد شيء، ومنه قيل للشجاع مشيع القلب فأخبر الله أنه ينزع {من كل شيعة} أعتاها وأولاها بالعذاب فتكون تلك مقدمتها إلى النار.
قال أبو الأحوص: المعنى نبدأ بالأكابر فالأكابر جرمًا، ثم أخبر تعالى في الآية بعد، أنه أعلم بمستحقي ذلك وأبصر لأنه لم تخف عليه حالهم من أولها إلى آخرها. وقرأ بعض الكوفيين ومعاذ بن مسلم وهارون القاري {أيَّهم} بالنصب، وقرأ الجمهور: {أيُّهم} بالرفع، إلا أن طلحة والأعمش سكنا ميم {أيهمْ} واختلف الناس في وجه رفع أي ، فقال الخليل رفعه على الحكاية بتقدير الذي يقال فيه من أجل عتوه {أيُّهم} أشد وقرنه بقول الشاعر: الكامل:
ولقد أبيت من الفتاة بمنزل ** فأبيت لا حرج ولا محروم

أي فأبيت يقال فيَّ لا حرج ولا محروم. ورحج الزجاج قول الخليل وذكر عنه النحاس أنه غلط سيبوبه في قوله في هذه المسألة، قال سيبويه: ويلزم على هذا أن يجوز أضرب السارق الخبيث أي الذي يقال له ع: وليس بلازم من حيث هذه أسماء مفردة والآية جملة وتسلط الفعل على المفرد أعظم منه على الجملة، ومذهب سيبوبه أن {أيُّهم} مبني على الضم إذ هي اخت (الذي ولما) وخالفتهما في جواز الإضافة فيها فأعربت لذلك، فلما حذف من صلتها ما يعود عليها ضعفت فرجعت الى البناء، وكأن التقدير (أيُّهم) هو أشد. قال أبو علي: حذف ما الكلام مفتقر إليه فوجب البناء، وقال يونس: علق عنها الفعل وارتفعت بالابتداء، قال أبو علي: معنى ذلك أنه معمل في موضع من كل شيعة إلا أنه ملغى لأنه لا تعلق جملة إلا أفعال الشك كظننت ونحوها مما لم يتحقق وقوعه، وقال الكسائي {لننزعن} أريد به لننادين فعومل معاملة الفعل المراد فلم يعمل في أي وقال المبرد (أيُّهم) متعلق ب {شيعة} فلذلك ارتفع، والمعنى من الذين تشايعوا (أيهم) أشد كأنهم يتبارون إلى هذا ويلزمه أن يقدر مفعولًا ل {ننزع} محذوفًا. وقرأ طلحة بن مصرف {أيهم أكبر}. و{عتيا} مصدر أصله عتووًا وعلل بما علل {جثيًا} وروى أبو سعيد الخدري «أنه يندلق عنق من النار فيقول إني أمرت بكل جبار عنيد فتلتقطهم» الحديث.
{ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)}.
أي نحن في ذلك النزع لا نضع شيئًا غير موضعه لأنا قد أحطنا علمًا بكل أحد فالأولى بصلي النار نعرفه، و(الصلي) مصدر صلي يصلي إذا باشره قال ابن جريج: المعنى {أولى} بالخلود، وقوله: {وإن منكم إلا واردها} قسم، والواو تقتضيه، ويفسره قول النبي عليه السلام «من مات له ثلاث من الولد لم تمسه النار إلا تحلة القسم» وقرأ ابن عباس وعكرمة وجماعة {وإن منهم} بالهاء على إرادة الكفار فلا شغب في هذه القراءة، وقالت فرقة من الجمهور القارئين {منكم} المعنى قل لهم يا محمد فإنما المخاطب منكم الكفرة وتأويل هؤلاء أيضًا سهل التناول، وقال الأكثر المخاطب العالم كله ولابد من ورود الجميع، واختلفوا في كيفية ورود المؤمنين فقال ابن مسعود وابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم: ورود دخول لكنها لا تعدو على المؤمنين ثم يخرجهم الله منها بعد معرفتهم بحقيقة ما نجوا منه، وروى عن ابن عباس أنه قال في هذه المسألة لنافع بن الأزرق الخارجي: أما أنا وأنت فلابد أن نردها، فأما أنا فينجيني الله منها، وأما أنت فما أظنه ينجيك. وقالوا: في القرآن أربعة أوراد معناها الدخول هذه أحدها، وقوله تعالى: {يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار} [هود: 98]، وقوله: {ونسوق المجرمين الى جهنم وردًا} [مريم: 86]، وقوله: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98]، وقالوا كان من دعاء بعض السلف (اللهم أدخلني النار سالمًا وأخرجني منها غانمًا). وروى جابر بن عبد الله عن النبي عليه السلام أنه قال «الورود في هذه الآية هو الدخول» وأشفق كثير من العلماء من تحقق الورود والجهل بالصدر، وقالت فرقة بل هو ورود إشراف وإطلاع وقرب كما تقول وردت الماء إذا جئته، وليس يلزم أن تدخل فيه، وقال حسب المؤمنين بهذا هولًا ومنه قوله تعالى: {ولما ورد ماء مدين} [القصص: 23]، وروت فرقة أن الله تعالى يجعل يوم القيامة النار جامدة الأعلى كأنها اهالة. فيأتي الخلق كلهم، برهم وفاجرهم، فيقفون عليها ثم تسوخ بأهلها ويخرج المؤمنون الفائزون لم ينلهم ضر، قالوا فهذا هو (الورود) وروت حفصة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل النار أحد من أهل بدر والحديبية»، فقالت يا رسول الله وأين قول الله {وإن منكم إلا واردها}، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فمه {ثم ننجي الذين اتقوا}»، ورجح الزجاج هذا القول بقوله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] ع: وهذا ضعيف وليس هذا موضع نسخ وقال عبدالله بن مسعود: ورودهم هو جوازهم على الصراط وذلك أن الحديث الصحيح تضمن «أن الصراط مضروب على جسر جهنم فيمر الناس كالبرق وكالريح وكالجواد من الخيل على مراتب ثم يسقط الكفار في جهنم وتأخذهم كلاليب»، قالوا فالجواز على على الصراط هو (الورود) الذي تضمنته هذه الآية، وقال مجاهد: ورود المؤمنين هو الحمى التي تصيب في دار الدنيا، وفي الحديث: «الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء»، وفي الحديث: «الحمى حظ كل مؤمن من النار»، وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل مريض عاده من الحمى: إن الله تعالى يقول هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من نار الآخرة فهذا هو الورود: و(الحتم) الأمر المنفذ المجزوم، وقرأ أبي بن كعب وابن عباس {ثم ننجي} بفتح الثاء من {ثَم} على الظرف، وقرأ ابن أبي ليلى {ثَمة} بفتح الثاء وهاء السكت، وقرأ نافع وابن كثير وجمهور من الناس {ننَجّي} بفتح النون الثانية وشد الجيم، وقرأ يحيى والأعمش: {ننْجي} بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأت فرقة {نُجّي} بنون واحدة مضمونة وجيم مشددة، وقرأ علي بن أبي طالب {ثَم} بفتح الثاء {ننحي} بالحاء غير منقوطة. و{الذين اتقوا} معناه اتقوا الكفر، وقال بعض العلماء لا يضيع أحد بين الإيمان والشفاعة. {ونذر} دالة على أنهم كانوا فيها، والظلم هنا هو ظلم الكفر، وقد تقدم القول في قوله: {جثيًا}، وقرأ ابن عباس: {الذين اتقوا منها ونترك الظالمين}. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {ويقول الإِنسان}.
سبب نزولها أن أُبيَّ بن خلف أخذ عظمًا باليًا، فجعل يفتّه بيده ويذريه في الريح ويقول: زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نكون مثل هذا العظم البالي، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وروى عطاء عن ابن عباس: أنه الوليد بن المغيرة.
قوله تعالى: {لسوف أُخْرَجُ حَيًّا} إِن قيل: ظاهره ظاهر سؤال، فأين جوابه؟ فعنه ثلاثة أجوبة ذكرها ابن الأنباري.
أحدها: أن ظاهر الكلام استفهام، ومعناه معنى جحد وإِنكار، تلخيصه: لستُ مبعوثًا بعد الموت.
والثاني: أنه لمّا استفهم بهذا الكلام عن البعث، أجابه الله عز وجل بقوله: {أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسان}، فهو مشتمل على معنى: نعم، وأنت مبعوث.
والثالث: أن جواب سؤال هذا الكافر في [يس: 78] عند قوله تعالى: {وضرب لنا مَثَلًا}، ولا يُنكَر بُعْد الجواب، لأن القرآن كلَّه بمنزلة الرسالة الواحدة، والسورتان مكيَّتان.
قوله تعالى: {أولا يَذكر الإِنسانُ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: بفتح الذال مشددة الكاف.
وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: {يَذْكُرُ}، ساكنة الذال خفيفة.
وقرأ أُبيّ بن كعب، وأبو المتوكل الناجي: {أَوَلا يتذكَّر الإِنسان} بياء وتاء.
وقرأ ابن مسعود، وابن عباس، وأبو عبد الرحمن السلمي، والحسن: {يذْكُر} بياء من غير تاء ساكنة الذال مخففة مرفوعة الكاف، والمعنى: أَوَلا يتذكَّر هذا الجاحد أوَّل خلقه، فيستدل بالابتداء على الإِعادة؟! {فوربك لنحشرنَّهم} يعني: المكذِّبين بالبعث {والشياطينَ} أي: مع الشياطين، وذلك أن كل كافر يُحشَر مع شيطانه في سلسلة، {ثم لنُحْضِرَنَّهم حول جهنَّم} قال مقاتل: أي: في جهنم، وذلك أن حول الشيء يجوز أن يكون داخلَه، تقول: جلس القوم حول البيت: إِذا جلسوا داخله مطيفين به.
وقيل: يجثون حولها قبل أن يدخلوها.
فأما قوله: {جِثِيًّا} فقال الزجاج: هو جمع جاثٍ، مثل قاعدٍ وقعودٍ، وهو منصوب على الحال، والأصل ضم الجيم، وجاء كسرها إِتباعًا لكسرة الثاء.
وللمفسرين في معناه خمسة أقوال.
أحدها: قعودًا، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثاني: جماعات جماعات، روي عن ابن عباس أيضًا.
فعلى هذا هو جمع جثْوة وهي المجموع من التراب والحجارة.
والثالث: جثيًّا على الرُّكَب، قاله الحسن، ومجاهد، والزجاج.
والرابع: قيامًا، قاله أبو مالك.
والخامس: قيامًا على رُكَبهم، قاله السدي، وذلك لضيق المكان بهم.
قوله تعالى: {لَنَنْزِعَنّ مِنْ كل شيعة} أي: لنأخذنّ من كل فِرقة وأُمَّة وأهل دين {أيُّهم أَشَدُّ على الرحمن عَتِيًّا} أي: أعظمهم له معصية، والمعنى: أنه يُبدَأ بتعذيب الأعتى فالأعتى، وبالأكابر جُرْمًا، والرؤوس القادة في الشرِّ.
قال الزجاج: وفي رفع {أَيُّهم} ثلاثة أقوال.
أحدها: أنه على الاستئناف، ولم تعمل {لننزعنَّ} شيئًا، هذا قول يونس.
والثاني: أنه على معنى الذي يقال لهم: أيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيًّا؟ قاله الخليل، واختاره الزجاج، وقال: التأويل: لننزعنّ الذي من أجل عُتُوِّه يقال: أيُّ هؤلاء أَشَدُّ عِتِيًّا؟ وأنشد:
وَلَقَدْ أَبِيتُ عن الفَتَاةِ بمنزلٍ ** فأبيت لا حَرِج ولا محروم

المعنى: أبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حَرِج ولا محروم.
والثالث: أن {أيُّهم} مبنية على الضم، لأنه خالفت أخواتها، فالمعنى: أيُّهم هو أفضل.
وبيان خلافها لأخواتها أنك تقول: اضرب أيُّهم أفضل، ولا يَحْسُن: اضرب مَنْ أفْضل، حتى تقول: من هو أفضل، ولا يَحْسُن: كُلْ ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا خُذْ ما أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت ما و مَنْ و(الذي) بُنيت على الضم، قاله سيبويه.
قوله تعالى: {هُمْ أَوْلى بها صِلِيًّا} يعني: أن الأَوْلى بها صِلِيًّا الذين هم أشدُّ عِتِيًّا، فيُبْتَدَأُ بهم قبل أتباعهم.
و{صِلِيًّا}: منصوب على التفسير، يقال: صَلي النار يصلاها: إِذا دخلها وقاسى حَرَّها.
قوله تعالى: {وإِنْ منكم إِلا واردها} في الكلام إِضمار تقديره: وما منكم أحد إِلا وهو واردها.
وفيمن عُني بهذا الخطاب قولان:
أحدهما: أنه عامّ في حق المؤمن والكافر، هذا قول الأكثرين.
وروي عن ابن عباس أنه قال: هذه الآية للكفار.
وأكثر الروايات عنه كالقول الأول.
قال ابن الأنباري: ووجه هذا أنه لما قال: {لنُحْضِرَنَّهم} وقال: {أيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيًّا} كان التقدير: وإِن منهم، فأبدلت الكاف من الهاء، كما فعل في قوله: {إِنّ هذا كان لكم جزاءً} [الانسان: 22] المعنى: كان لهم، لأنه مردود على قوله: {وسقاهم ربُّهم} [الانسان: 21]، وقال الشاعر:
شَطَّتْ مزارَ العاشقين فأصبحتْ ** عَسِرًا عليّ طلابُكِ ابنةَ مَخْرَمِ

أراد: طلابها.
وفي هذا الورود خمسة أقوال.
أحدها: أنه الدخول.
روى جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الورود: الدخول لا يبقى بَرّ ولا فاجر إِلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا كما كانت على إِبراهيم، حتى إِن للنار أو قال: لجهنم ضجيجًا من بردهم» وروي عن ابن عباس أنه سأله نافع بن الأزرق عن هذه الآية، فقال له: (أمّا أنا وأنت فسندخلها، فانظر أيُخرجنا الله عز وجل منها، أم لا؟) فاحتج بقوله تعالى: {فأوردهم النار} [هود: 98] وبقوله تعالى: {أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98].
وكان عبد الله بن رواحة يبكي ويقول: أُنبئت أني وارد، ولم أُنبَّأ أني صادر. وحكى الحسن البصري: أن رجلًا قال لأخيه: يا أخي هل أتاك أنك واردٌ النار؟ قال: نعم؛ قال: فهل أتاك أنك خارجٌ منها؟ قال: لا؛ قال: ففيم الضحك؟! وقال خالد بن معدان: إِذا دخل أهل الجنة الجنة، قالوا: ألم يَعِدْنا رَبُّنا أن نرد النار؟ فيقال لهم: بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة.
وممن ذهب إِلى أنه الدخول: الحسن في رواية، وأبو مالك، وقد اعتُرِض على أرباب هذا القول بأشياء. فقال الزجاج: العرب تقول: وردت بلد كذا، ووردت ماء كذا: إِذا أشرفوا عليه وإِن لم يدخلوا، ومنه قوله تعالى: {ولما ورد ماءَ مدين} [القصص: 33]، والحجة القاطعة في هذا القول قوله تعالى: {أولئك عنها مبعَدون لا يسمعون حسيسها} [الأنبياء: 101، 102]، وقال زهير:
فَلَمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمَامُهُ ** وَضَعْنَ عِصيَّ الحاضِرِ المُتَخيِّم

أي: لما بلغن الماء قمن عليه.
قلت: وقد أجاب بعضهم عن هذه الحجج، فقال: أما الآية الأولى، فإن موسى لما أقام حتى استقى الماء وسقى الغنم، كان بلبثه ومباشرته كأنه دخل؛ وأما الآية الأخرى: فإنها تضمنت الإِخبار عن أهل الجنة حين كونهم فيها، وحينئذ لا يسمعون حسيسها. وقد روينا آنفًا عن خالد بن معدان أنهم يمرُّون بها، ولا يعلمون.
والثاني: أن الورود: الممرُّ عليها، قاله عبد الله بن مسعود، وقتادة.
وقال ابن مسعود: يَرِد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولُهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحُضْر الفرس ثم كالراكب في رحله، ثم كشدِّ الرحل، ثم كمشيه.
والثالث: أن ورودها: حضورها، قاله عبيد بن عمير.
والرابع: أن ورود المسلمين: المرور على الجسر، وورود المشركين: دخولها.
قاله ابن زيد.
والخامس: أن ورود المؤمن إِليها: ما يصيبه من الحمَّى في الدنيا، روى عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه قال: الحمَّى حظّ كل مؤمن من النار، ثم قرأ: {وإِنْ منكم إِلا واردها} فعلى هذا مَن حُمَّ من المسلمين، فقد وردها.
قوله تعالى: {كان على ربك} يعني: الورود {حتمًا} والحتم: ايجاب القضاء، والقطع بالأمر.
والمقضيُّ: الذي قضاه الله تعالى، والمعنى: إِنه حتم ذلك وقضاه على الخلق.
قوله تعالى: {ثم ننجِّي الذين اتَّقَوْا} وقرأ ابن عباس، وأبو مجلز، وابن يعمر، وابن أبي ليلى، وعاصم الجحدري: {ثَمَّ} بفتح الثاء.
وقرأ الكسائي، ويعقوب: {نُنْجي} مخففة.
وقرأت عائشة، وأبو بحرية، وأبو الجوزاء الربعي: {ثم يُنجي} بياء مرفوعة قبل النون خفيفة الجيم مكسورة.
وقرأ أُبيّ بن كعب، وأبو مجلز، وابن السميفع، وأبو رجاء: {ننحِّي} بحاء غير معجمة مشددة.
وهذه الآية يحتج بها القائلون بدخول جميع الخلق، لأن النجاة: تخليص الواقع في الشيء، ويؤكِّده قوله تعالى: {ونذر الظالمين فيها} ولم يقل: ونُدخلهم؛ وإِنما يقال: نذَر ونترك لمن قد حصل في مكانه. ومن قال: إِن الورود للكفار خاصة، قال: معنى هذا الكلام: نخرج المتَّقين من جملة من يدخل النار. والمراد بالمتقين: الذين اتَّقَوْا الشرك، وبالظالمين: الكفار. وقد سبق معنى قوله تعالى: {جِثِيًّا} [مريم: 68]. اهـ.