فصل: قال ابن الجوزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وهل أتاكَ حديث موسى}.
هذا استفهام تقرير، ومعناه: قد أتاك.
قال ابن الأنباري: وهذا معروف عند اللغويين أن تأتي {هل} معبرة عن {قد}، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفصح العرب: «اللهم هل بلَّغتُ» يريد: قد بلَّغت.
قال وهب بن منبِّه: استأذن موسى شعيبًا عليهما السلام في الرجوع إِلى والدته، فأذن له، فخرج بأهله، فوُلد له في الطريق في ليلة شاتية، فقدح فلم يُور الزِّناد، فبينا هو في مزاولة ذلك، أبصر نارًا من بعيد عن يسار الطريق؛ وقد ذكرنا هذا الحديث بطوله في كتاب الحدائق فكرهنا إِطالة التفسير بالقصص، لأن غرضنا الاقتصار على التفسير ليسهل حفظه.
قال المفسرون: رأى نورًا، ولكن أخبر بما كان في ظن موسى.
{فقال لأهله} يعنى: امرأته {امكثوا} اي: أقيموا مكانكم.
وقرأ حمزة: {لأَهْلِهُ امْكُثُوا} بضم الهاء هاهنا وفي [القصص: 29].
{إِنِّي آنستُ نارًا} قال الفراء: إِني وجدت، يقال: هل آنستَ أحدًا، أي: وجدتَ؟ وقال ابن قتيبة: {آنستُ} بمعنى أبصرتُ.
فأما القَبَس، فقال الزجاج: هو ما أخذته من النار في رأس عود أو في رأس فتيلة.
قوله تعالى: {أو أَجِدُ على النّار هدىً} قال الفراء: أراد: هاديًا، فذكره بلفظ المصدر.
قال ابن الأنباري: يجوز أن تكون {على} هاهنا بمعنى عند، وبمعنى مع، وبمعنى الباء.
وذكر أهل التفسير أنه كان قد ضَلَّ الطريق، فعلم أن النار لا تخلو من مُوقِد.
وحكى الزجاج: أنه ضل عن الماء، فرجا أن يجد من يهديه الطريق أو يدلّه على الماء.
قوله تعالى: {فلما أتاها} يعني: النار {نودي يا موسى إِنّي أنا ربُّك} إِنما كرَّر الكناية، لتوكيد الدلالة وتحقيق المعرفة وإِزالة الشبهة، ومثله {إِنّي أنا النذير المبين} [الحجر: 89].
قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر: {أَنِّيَ} بفتح الألف والياء.
وقرأ نافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: {إِنِّي} بكسر الألف، إِلا أن نافعًا فتح الياء.
قال الزجاج: من قرأ: {أَنِّي أنا} بالفتح، فالمعنى: نودي بأني أنا ربك، ومن قرأ بالكسر، فالمعنى: نودي يا موسى، فقال الله: إِنِّي أنا ربُّك.
قوله تعالى: {فاخلع نعليكَ} في سبب أمره بخلعهما قولان:
أحدهما: أنهما كانا من جلدِ حمارٍ ميت، رواه ابن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه، وعكرمة.
والثاني: أنهما كانا من جلد بقرة ذُكِّيتْ، ولكنه أُمر بخلعهما ليباشر تراب الأرض المقدسة، فتناله بركتها، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.
قوله تعالى: {إِنَّكَ بالواد المقدَّس} فيه قولان قد ذكرناهما في [المائدة: 21] عند قوله: {الأرضَ المقدسةَ}.
قوله تعالى: {طُوى} قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: {طُوى وأنا} غير مُجْراة.
وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: {طُوىً} مُجْراة؛ وكلُّهم ضم الطاء.
وقرأ الحسن، وأبو حيوة: {طِوىً} بكسر الطاء مع التنوين.
وقرأ عليّ بن نصر عن أبي عمرو: {طِوى} بكسر الطاء من غير تنوين.
قال الزجاج: في {طُوى} أربعة أوجه.
طُوى، بضم أوَّله من غير تنوين وبتنوين.
فمن نوَّنه، فهو اسم للوادي.
وهو مذكَّر سمي بمذكَّر على فُعَلٍ نحو حُطَمٍ وصُرَدٍ، ومن لم ينوِّنه ترك صرفه من جهتين.
إِحداهما: أن يكون معدولًا عن طاوٍ، فيصير مثل عُمَرَ المعدول عن عامر، فلا ينصرف كما لا ينصرف عُمَر.
والجهة الثانية: أن يكون اسمًا للبقعة، كقوله: {في البقعة المباركة} [القصص: 30]، وإِذا كُسِر ونوِّن فهو مثل مِعىً.
والمعنى: المقدَّس مَرَّة بعد مَرَّة، كما قال عدي بن زيد:
أَعاذِلَ إِنَّ اللَّومَ في غَيْرِ كُنْهِهِ ** عليَّ طوىً مِن غَيِّك المُتَردِّد

أي: اللوم المكرَّر عليَّ؛ ومن لم ينوِّن جعله اسمًا للبقعة.
وللمفسرين في معنى {طوىً} ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اسم الوادي، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.
والثاني: أن معنى {طوى}: طأِ الوادي، رواه عكرمة عن ابن عباس، وعن مجاهد كالقولين.
والثالث: أنه قدِّس مرتين، قاله الحسن، وقتادة.
قوله تعالى: {وأنا اخترتُك} أي: اصطفيتُك.
وقرأ حمزة، والمفضل: {وأنَّا} بالنون المشددة {اخترناكَ} بألف.
{فاستمع لِما يوحى} أي: للذي يوحى.
قال ابن الأنباري: الاستماع هاهنا محمول على الإِنصات، المعنى: فأنصت لوحيي، والوحي هاهنا قوله: {إِنني أنا الله لا إِله إِلا أنا فاعبدني} أي: وحِّدني، {وأقم الصلاة لِذِكْرِي} فيه قولان:
أحدهما: أقم الصلاة متى ذكرتَ أن عليكَ صلاةً، سواء كنتَ في وقتها أو لم تكن، هذا قول الأكثرين.
وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نسي صلاة فليصلها إِذا ذكرها، لا كفارة لها غير ذلك» وقرأ: {أَقِم الصَّلاة لذِكْرِي}.
والثاني: أقم الصلاة لتَذْكُرَني فيها، قاله مجاهد.
وقيل: إِن الكلام مردود على قوله: {فاستمع}، فيكون المعنى: فاستمع لما يوحى، واستمع لذِكْري.
وقرأ ابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وابن السميفع: {وأقم الصلاة للذِّكْرى} بلامين وتشديد الذال. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى}.
قال أهل المعاني: هو استفهام إثبات وإيجاب معناه؛ أليس قد أتاك؟ وقيل: معناه وقد أتاك؛ قاله ابن عباس.
وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه بعد ثم أخبره.
{إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَارًا لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى} قال ابن عباس وغيره: هذا حين قضى الأجل وسار بأهله وهو مقبل من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ الطريق، وكان موسى عليه السلام رجلًا غيورًا، يصحب الناس بالليل ويفارقهم بالنهار غيرة منه، لئلا يروا امرأته؛ فأخطأ الرفقة لما سبق في علم الله تعالى وكانت ليلة مظلمة.
وقال مقاتل: وكانت ليلة الجمعة في الشتاء.
وهب بن منبه: استأذن موسى شعيبًا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله وغنمه، وولد له في الطريق غلام في ليلة شاتيةٍ باردةٍ مثلجةٍ، وقد حاد عن الطريق وتفرقت ماشيته، فقدح موسى النار فلم تورِ المِقْدَحة شيئًا، إذ بصر بنار من بعيد على يسار الطريق {فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا} أي أقيموا بمكانكم {إني آنَسْتُ نَارًا} أي أبصرت.
قال ابن عباس: فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عنابٍ، فوقف متعجبًا من حسن ذلك الضوء، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة ولا نعمة الخضرة تغيران حسن ضوء النار.
وذكر المهدوي: فرأى النار فيما روي وهي في شجرة من العُلَّيق، فقصدها فتأخرت عنه، فرجع وأوجس في نفسه خيفة، ثم دنت منه وكلمه الله عز وجل من الشجرة.
الماوردي: كانت عند موسى نارًا، وكانت عند الله تعالى نورًا.
وقرأ حمزة {لأَهْلِهُ امْكُثُوا} بضم الهاء، وكذا في القصص.
قال النحاس وهذا على لغة من قال: مررت بِهُو يا رجل؛ فجاء به على الأصل، وهو جائز إلا أن حمزة خالف أصله في هذين الموضعين خاصة.
وقال: {امكثوا} ولم يقل أقيموا، لأن الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك.
{وآنست} أبصرت، قاله ابن الأعرابي.
ومنه قوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6] أي علمتم.
وآنست الصوت سمعته، والقبس شعلة من نار، وكذلك المِقباس.
يقال: قبَستُ منه نارًا أقبِس قَبْسًا فأقبسني أي أعطاني منه قَبسًا، وكذلك اقتبست منه نارًا، واقتبست منه علمًا أيضًا أي استفدته، قال اليزيدي: أَقبستُ الرجل علمًا وقَبَسته نارًا؛ فإن كنت طلبتها له قلت أقبسته.
وقال الكسائي: أقبسته نارًا أو علمًا سواء.
وقبسته أيضًا فيهما.
{هُدًى} أي هاديًا.
قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَتَاهَا} يعني النار {نُودِيَ} أي من الشجرة كما في سورة القصص أي من جهتها وناحيتها على ما يأتي {يا موسى إني أَنَاْ رَبُّكَ}.
قوله تعالى: {فاخلع نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى} فيه خمس مسائل:
الأولى: قوله تعالى: {فاخلع نَعْلَيْكَ} روى الترمذي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«كان على موسى يوم كلمه ربه كساء صوف وجُبّةُ صوفٍ وكُمَّة صوف وسراويلُ صوف وكانت نعلاه من جلد حمار ميت» قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد الأعرج حميد هو ابن علي الكوفي منكر الحديث، وحميد بن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة؛ والكمة القلنسوة الصغيرة.
وقرأ العامة {إني} بالكسر؛ أي نودي فقيل له يا موسى إني، واختاره أبو عبيد.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن محيصن وحميد {أَنِّي} بفتح الألف بإعمال النداء.
واختلف العلماء في السبب الذي من أجله أمر بخلع النعلين.
والخلع النزع.
والنعل ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض.
فقيل: أمر بطرح النعلين؛ لأنها نجسة إذ هي من جلد غير مُذَكًّى؛ قاله كعب وعِكرمة وقتادة.
وقيل: أمر بذلك لينال بركة الوادي المقدس، وتمس قدماه تربة الوادي؛ قاله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن وابن جريج.
وقيل: أمر بخلع النعلين للخشوع والتواضع عند مناجاة الله تعالى.
وكذلك فعل السلف حين طافوا بالبيت.
وقيل: إعظامًا لذلك الموضع كما أن الحرَم لا يُدخَل بنعلين إعظامًا له.
قال سعيد بن جبير: قيل له طَإِ الأرض حافيًا كما تدخل الكعبة حافيًا.
والعرف عند الملوك أن تخلع النعال ويبلغ الإنسان إلى غاية التواضع، فكأن موسى عليه السلام أمر بذلك على هذا الوجه؛ ولا تبالي كانت نعلاه من ميتة أو غيرها.
وقد كان مالك لا يرى لنفسه ركوب دابة بالمدينة برًا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة، والجثة الكريمة.
ومن هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام لبشير بن الخَصَاصِيّة وهو يمشي بين القبور بنعليه: «إذا كنت في مثل هذا المكان فاخلع نعليك»قال: فخلعتهما وقول خامس: إن ذلك عبارة عن تفريغ قلبه من أمر الأهل والولد.
وقد يعبر عن الأهل بالنعل.
وكذلك هو في التعبير: من رأى أنه لابس نعلين فإنه يتزوّج.
وقيل: لأن الله تعالى بسط له بساط النور والهدى، ولا ينبغي أن يطأ على بساط رب العالمين بنعله.
وقد يحتمل أن يكون موسى أُمِر بخلع نعليه، وكان ذلك أوّل فرض عليه؛ كما كان أوّل ما قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم: {قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ والرجز فاهجر} [المدثر: 2 5] والله أعلم بالمراد من ذلك.
الثانية: في الخبر أنّ موسى عليه السلام خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي.
وقال أبو الأحوص: زار عبد الله أبا موسى في داره، فأقيمت الصلاة فأقام أبو موسى؛ فقال أبو موسى لعبد الله: تقدّم.
فقال عبد الله: تقدّم؛ أنت في دارك.
فتقدّم وخلع نعليه؛ فقال عبد الله: أبالوادي المقدس أنت؟! وفي صحيح مسلم عن سعيد بن يزيد قال: قلت: لأنس: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في نعلين؟ قال: نعم.
ورواه النَّسائي عن عبد الله بن السائب: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم صلى يوم الفتح فوضع نعليه عن يساره.
وروى أبو داود من حديث أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: «ما حملكم على إلقائكم نعالكم» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قَذَرًا» وقال: «إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر إذا رأى في نعليه قذرًا أو أذًى فليمسحه وليصلِّ فيهما» صححه أبو محمد عبد الحق وهو يجمع بين الحديثين قبله، ويرفع بينهما التعارض.
ولم يختلف العلماء في جواز الصلاة في النعل إذا كانت طاهرة من ذكيّ، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الصلاة فيهما أفضل، وهو معنى قوله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] على ما تقدّم.
وقال إبراهيم النخعي في الذين يخلعون نعالهم: لوددت أن محتاجًا جاء فأخذها.
الثالثة: فإن خلعتهما فاخلعهما بين رجليك؛ فإن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم فليخلع نعليه بين رجليه» وقال أبو هريرة للمقبري: اخلعهما بين رجليك ولا تُؤذِ بهما مسلمًا.
وما رواه عبد الله بن السائب رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام خلعهما عن يساره فإنه كان إمامًا، فإن كنت إمامًا أو وحدك فافعل ذلك إن أحببت، وإن كنت مأمومًا في الصف فلا تُؤذِ بهما من على يسارك، ولا تضعهما بين قدميك فتشغلاك، ولكن قدام قدميك.