فصل: فوائد لغوية وإعرابية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فوائد لغوية وإعرابية:

.قال ابن عادل:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)}.
الكاف في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ} فيها الوجهان المَشْهُوران كما تقدم ذلك غير مَرَة: إما النصب على النعت، أو على الحال من المصدر المحذوف.
والتقدير: وكذلك جعلناكم أمّة وسطًا جعلًا مثل ذلك، ولكن المشار إليه بذلك غير مذكور فيما تقدم، وإنما تقدم ام يدلّ عليه.
واختلفوا في ذلك على خمسة أوجه:
أحدها: أن المشار إليه هو الهُدى المدلول عليه بقوله: {يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}.
والتقدير: جعلناكم أمة وسطًا مثل ما هديناكم.
الثاني: أنه الجعل، والتقدير: جعلناكم أمة وسطًا مثل ذلك الجَعْل القريب الذي فيه اختصاصكم بالهداية.
الثالث: قيل: المعنى كما جعلنا قبلتكم متوسّطة جعلناكم أمة وسطًا.
الخامس- وهو أبعدها- أن المشار إليه قوله: {وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا} [البقرة: 130] أي: مثل ذلك الاصطفاء جعلناكم أمة وسطًا.
قال ابن الخطيب: ويحتمل عندي أن يكون التقدير: ولله المشرق والمغرب، فهذه الجهات بعد استوائها لكونها مِلْكًا لله تعالى، خصّ بعضها بمزيد الشرف والتكريم، بأن جعله قبلة فضلًا منه، وإحسانًا؛ فكذا العباد كلهم يشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة، فضلًا منه وإحسانًا لا وجوبًا.
وفيه وجه آخر: وهو أنه قد يذكر ضمير الشيء، وإن لم يكن المضمر مذكورًا إذا كان المضمر مشهورًا معروفًا، كقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر} [القدر: 1] لأن المعروف عند كل أحد أنه- سبحانه وتعالى- وهو القادر على إعزاز من يشاء من خلقه، وإذلال من يشاء، فقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي: ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطًا.
وجعل بمعنى صير، فيتعدّى لاثنين، فالضمير مفعول أول، و{أمة} مفعول ثاني ووسطًا نعته.
والوَسَط بالتحريك: اسم لما بين الطرفين، ويطلق على خيار الشيء؛ لأن الأوساط محميَّة بالأطراف؛ قال حَبِيبٌ: البسيط:
كَانَتْ هِيَ الوَسَطَ المَحْمِيَّ فَاكْتَنَفَتْ ** بِهَا الحَوَادِيُ حَتَّى أَصْبَحَتُ طَرَفَا

ووسط الوادي خير موضع فيه؛ قال زُهَيْر: الطويل:
هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأَنَامُ بِحُكْمِهِمْ ** إذَا نَزَلَتْ إِحْدَى البَلاَياَ بِمُفْضَلِ

وقال آخر: الراجز.
كُنْ مِنَ النَّاسِ جَمِيعًا وَسَطَا

وقال تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} [القلم: 28] أي أعدلهم.
وروى القفال عن الثورى عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وبجل وعظم وكرم {أمّة وَسَطًا}؛ قال: عَدْلًا.
وقال عليه صلوات الله وسلام: «خَيْرُ الأُمُورِ أَوْسَطُهَا»؛ أي: أعدلها.
وقيل: كان النبي- صلوات الله وسلامه عليه- أوسط قريش نَسَبًا.
وقال عليه أفضل الصلاة والسلام: «عَلَيْكُمْ بالنَّمطِ الأَوْسَطِ».
قال الجوهري في الصحاح: {أمة وسطًا} أي: عدلًا، وهو الذي قاله الأخفش، والخليل، وقطرب، فالقرآن والحديث والشعر يدلون على أن الوَسَط: خيار الشيء.
وأما المعنى فمن وجوه:
أحدها: أن الوسط حقيقة في البُعْد عن الطرفين، ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رذيلتان، فالمتوسّط في الأخلاق يكون بعيدًا عن الطرفين، فكان معتدلًا فاضلًا.
وثانيها: إنما سمي العدل وسطًا؛ لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.
وثالثها: أن المراد بقوله: {جُعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} طريقة المدح لهم؛ لأنه لا يجوز أن يذكر الله- تعالى- وصفًا، ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهودًا له ثم عطف على ذلك شهادة الرسول، وذلك مدح، فثبت أن المراد بقوله: {وَسَطًا} ما يتعلّق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشُّهود حال حكمه عليهم بكونهم شهودًا لا بكونهم عدولًا؛ فوجب أن يكون المراد من الوَسَط العدالة.
ورابعها: أن الأوساط محمية بالأطراف، وحكمها مع الأطراف على حَدّ سواء، والأطراف يتسارع إليها الخَلَل والفساد، والوسط عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جِهَةٍ دون جهة.
وقال بعضهم: تفسير الوسط بأنه خيار الشيء أوْلى من تفسيره بالعدالة؛ لأن العدالة لا تطلق على الجمادات، فكان أَوْلَى، والمراد من الآية: أنهم لم يغلوا؛ كما غلت النصارى، فجعلوه ابنًا وإلهًا، ولا قصَّروا؛ كتقصير اليهود في قتل الأنبياء، وتبديل الكُتُبِ وغير ذلك.
وفرق بَعْضهم بين وَسَط بالفتح ووَسْط بالتسكين.
فقال: كلُّ موضع صَلَحَ فيه لفظ بَيْن يقال بالسكون، وإلا فبالتحريك.
تقول: جلست وَسْطَ القومِ، بالسكون.
وقال الراغب: وسط الشيء ما له طرفان متساويان القَدْر، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد، فتقول: وسطه صلب، ووسْط بالسكون يقال في الكميّة المنفصلة؛ كشيء يفصل بين جسمين نحو: وَسْط القوم كذا.
وتحرير القول فيه هو أن المفتوح في الأصل مَصْدَرٌ، ولذلك استوى في الوصف به الواحدُ وغيره، والمؤنَّث والمذكَّر، والسَّاكن ظَرْفٌ، والغاب فيه عدم التصرُّف، وقد جاء متمكِّنًا في قول الفرزدق: الطويل:
أَتَتْهُ بِمَجْلُومٍ كَأَنَّ جَبِينَهُ ** صَلاَءَةُ وَرْسٍ وَسْطُهَا قَدْ تَفَلَّقَا

روي برفع الطَّاء، والضمير لصلاءة، وبتفحها والضمير للجائية.

.فصل في الكلام على قوله: {لتكونوا}:

قوله تعالى: {لِتَكُونُوا} يجوز في هذه اللام وجهانِ:
أحدهما: أن تكون لام كي فتفيد العلة.
والثاني: أن تكون لام الصيرورة، وعلى كلا التقديرين فهي حرف جر، وبعدها أن مضمرة، وهي وما بعدها في محلّ جر، وأتى بشهداء جمع شهيد الذي يدلّ على المبالغة دون شاهدين وشهود جميع شاهد.
وفي {على} قولان:
أحدها: أنها على بابها، وهو الظاهر.
والثاني: أنها بمعنى اللام، بمعنى: أنكم تنقلون إليهم ما علمتموه من الوحي والدين، كما نقله الرسول عليه السلام وكذلك القولان في على الأخيرة، بمعنى أن الشهادة لمعنى التزكية منه عليه السلام لهم.
وإنما قدم متعلّق الشهادة آخرًا، وقدم أولًا لوجهين:
أحدهما: وهو ما ذكره الزمخشري أن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدًا عليهم.
والثاني: أن {شهيدًا} أشبه بالفَوَاصل والمقاطع من {عليكم}، فكان قوله: {شهيدًا} تمام الجملة، ومقطعها دون {عليكم}، وهذا الوجه قاله الشيخ مختارًا له رادًّا على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المعفول يشعر بالاختصاص، وقد تقدم ذلك.
وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ} في هذه الآية خمسة أوجه:
أحدها: أن {القبلة} مفعول أول، و{التي كنت عليها} مفعول ثان، فإن الجعل بمعنى التصيير، وهذا ما جزم به الزّمخشري فإنه قال: {التي كُنتَ عَلَيْهَا} ليس بصفة للقبلة، إنما هي ثاني مفعوليْ جعل، يريد: وما جعلنا القِبْلَةَ الجهة التي كنت عليها، وهي الكَعْبَة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس، ثم حول إلى الكعبة.
الثاني: أن {القِبْلَة} هي المفعول الثاني، وإنما قدم، و{التي كنت عليها} هو الأول، وهذا ما اختاره الشيخ محتجًّا له بأن التصيير هو الانتقال من حَالٍ إلى حَالٍ، فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول، والمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني، ألا ترى أنك تقول: جعلت الطين خزفًا، وجعلت الجاهل عالمًا، والمعنى هنا على هذا التقدير: وما جعلنا القِبْلَة الكعبة التي كانت قبلة لك أولًا، ثم صرفت عنها إلى بيت المقدس قبلتك الآن إلا لنعلم.
ونسب الزمخشري في جعله {القِبْلَة} مفعولًا أول إلى الوهم.
الأصح: أن {القِبْلَة} مفعول أول، و{التي كنت} صفتها، والمفعول الثَّاني محذوف تقديره: وما جعلنا القِبْلة التي كنت عليها منسوخة.
ولما ذكر أبو البقاء هذا الوجه قدره: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة، ولا طائل تحته.
الرابع: أن {القبلة} مفعول أول، و{إلاَّ لنعلم} هو المفعول الثَّاني، وذلك على حذف مضاف تقديره: وما جعلنا صرف القِبْلَة التي كنت عليها إلا لنعلم، نحو قولك: ضرب زيد للتأديب، أي: كائن، أو ثابت للتأديب.
الخامس: أن {القبلة} مفعول أول، والثاني محذوف، و{التي كُنتَ عَلَيْهَا} صفة لذلك المحذوف، والتقدير: وما جعلنا القِبْلة القبلة التي، ذكره أبو البقاء، وهو ضعيف.
وفي قوله: {كُنْتَ} وجهان:
أحدهما: أنها زائدة، ويروى عن ابن عباس أي: أنت عليها، وهذا منه تفسير معنى لا إعراب، وهو كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] والقبلة في الأصل اسم للحالة التي عليها المقابلة نحو: الجِلْسَة، وفي التعاريف صار اسمًا للمكان المقابل المتوجه إليه للصلاة.
وقال قطرب رحمه الله تعالى: يقولون: ليس له قِبْلَة أي جهة يتوجه إليها.
وقال غيره: إذا تقابل رجلان فكلّ واحد قبلة للآخر.

.فصل في الكلام على الآية:

في هذا الكلام وجهان:
الأول: أن يكون هذا الكلام بيانًا للحكمة في جعل الكعبة قِبْلة، وذلك لأنه- عليه الصلاة والسلام- كان يصلّي إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفًا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فقال: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة} الجهة {التي كُنتَ عَلَيْهَا} أولًا يعني: وما رددناك إليها إلا امتحانًا للناس.
الثاني: يجوز أن يكون قوله: {التي كُنتَ عَلَيْهَا} لسانًا للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة يعني أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرًا عارضًا لغرض، وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذان وهي بيت المقدس لنمتحن الناس، وننظر من يتبع الرسول، ومن لا يتبعه وينفر عنه.
وذكر أبو مسلم وجهًا ثالثًا فقال: لولا الروايات لم تدلّ على قبلة من قبل الرسول- عليه الصلاة والسلام- لأنه قد يقال: كنت بمعنى: صرت، كقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى: {وَكَانَ الله عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 158] فلا يمتنع أن يراد بقوله: {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَا} أي: التي لم تزل عليها، وهي الكعبة إلاَّ كذا وكذا.
قوله: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} قد تقدم أنه في أحد الأوجه يكون مفعولًا ثانيًا.
وأما على غيره فهو استثناء مفرّغ من المفعول العام، أي: ما سبب تحويل القبلة لشيء من الأشياء إلاَّ لكذا.
وقوله: {لِنَعْلَمَ} ليس على ظاهره، فإن علمه قديم، ونظره في الإشكال قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين} [محمد: 31].
وقوله: {لآنَ خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66]، وقوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى} [طه: 42]، وقوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ} [العنكبوت: 3].
وقوله: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة} [سبأ: 21]، فلابد من التأويل وهو من أوجه:
أحدها: لتمييز التابع من النَّاكص إطلاقًا للسبب، وإرادة للمسبّب.
وقيل: على حذف مضاف أي: لنعلم رسولنا فحذف، كما يقول الملك: فتحنا البَلْدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا.
ومنه يقال: فتح عمر السّواد.
ومنه قوله عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه: «اسْتَقْرَضْتُ عَبْدِي فَلَمْ يُقْرِضْنِي، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُمْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي يقول: وادهراه وأنا الدهر».
وفي الحديث: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيَّا فَقَدْ أَهَانَنِي».
وقيل: معناه: إلا لنرى.
قوله: {مَنْ يَتَّبع} في {من} وجهان:
أحدهما: أنها موصولة، و{يتبع} صلتها، والموصول في محلّ المفعول لنعلم؛ لأنه يتعدّى إلى واحد.
والثاني: أنها استفهامية في محلّ رفع بالابتداء، و{يتبع} خبره، والجملة في محلّ نصب؛ لأنها معلقة للعلم، والعلم على بابه، وإليه نحا الزَّمخشري في أحد قوليه.
وقد رد أبو البقاء هذا الوجه، فقال: لأن ذلك يوجب تعلّق نعلم عن العمل، وإذا علقت عنه لم يبق ل {من} ما تتعلّق به، لأن ما بعد الاستفهام لا يتعلّق بما قبله، ولا يصحّ تعلها ب {يتبع}؛ لأنها في المعنى متعلّقة بلا علامة، وليس المعنى: أي فريق يتبع ممن ينقلب. انتهى.
وهو رد واضح إذ ليس المعنى على ذلك، إنما المعنى على أن يتعلق {مِمَّنْ يَنْقَلِبُ} بنعلم نحو: علمت من أحسن إليك مِمّن أساء، وهذا يقوي التجوز بالعلم عن التمييز، فإن العلم لا يتعدى ب {من} إلا إذا أريد به التمييز.
ورأ الزهري: {إلاَّ لِيُعْلم} على البناء للمفعول، وهي قراءة واضحة لا تحتاج إلى تأويل، لأنا لا نقدر ذلك الفاعل غير الله تعالى.
قوله: {عَلَى عَقِبَيْهِ} في محلّ نصب على الحال، أي ينقلب مرتدًّا راجعًا على عقبيه، وهذا مجاز، ووجه الاستعارة أن: المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلما تركوا الإيمان والدلائل بمنزلة المدبر عما بين يديه، فوصفوا بذلك لما قال تعالى: {ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر} [المدثر: 23] وقوله تعالى: {كَذَّبَ وتولى} [طه: 48].
وقرئ {عَلَى عَقْبَيْهِ} بسكون القاف، وهي لغة تميم.
قوله: {وإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} {إنْ} هي المخففة من الثقيلة دخلت على ناسخ المبتدأ والخبر، وهو أغلب أحوالها، واللام للفرق بينها وبين إن النافية، وهل هي لام الابتداء، أو لام أخرى أتى بها للفرق؟ خلاف مشهور.
وزعم الكوفيون أنها بمعنى ما النافية، وأن اللام بمعنى إلا، والمعنى: ما كانت إلا كبيرة، نقل ذلك عنهم أبو البقاء رحمه الله وفيه نظر.
واعلم أن إن المكسورة الخفيفة تكون على أربعة أوجه:
جزاء، وهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى، فالمستلزم هو الشرط، واللازم هو الجزاء، كقولك: إن جئتني أكرمتك.
ومخففة من الثقيلة، وهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة المشددة، كقولك: إن زيدًا لقائم، قال تعالى: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} [الطارق: 4]، {إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} [الإسراء: 108].
وللجحد، لقوله تعالى: {إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ} [الأنعام: 57] {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن} [الأنعام: 148] {وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا} [فاطر: 41].
أي: ما يمسكهما.
وزائدة كقوله: ما إن رأيت زيدًا، والقراءة المشهورة نصب كبيرة على خبر كان، واسم كان مضمر فيها يعود على التولية، أو الصلاة، أو القبلة المدلول عليها بسياق الكلام.
وقرأ اليزيدي عن أبي عمرو: برفعها.
وفيه تأويلان:
أحدهما- وذكره الزمخشري: أن كان زائدة، وفي زيادتها عاملةً نظر لا يخفى؛ وقد استدلّ الزمخشري على ذلك بقوله: الوافر:
فَكَيْفَ إذَا مَرَرْتَ بِدَارِ قَوْمٍ ** وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ

فإن قوله: كرام صفة لجيران، وزاد بينهما كانوا، وهي رافعة للضمير، ومن منع ذلك تأول لنا خبرًا مقدمًا، وجملة الكون صفة لجيران.
والثاني: أن كان غير زائدة، بل يكون كبيرة خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: وإن كانت لهي كبيرة، وتكون هذه الجملة في محلّ نصب خبرًا لكانت، ودخلت لام الفرق على الجملة الواقعة خبرًا، وهو توجيه ضعيفٌ، ولكن لا توجه هذه القراءة الشَّاذة بأكثر من ذلك.
والضمير في كانت فيه وجهان:
الأول: أنه يعود على القبلة؛ لأن المذكور السابق هو القبلة.
والثاني: يعود إلى ما دلّ عليه الكلام السّابق، وهو مفارقة القبلة، والتأنيث للتولية أي: وإن كانت التولية؛ لأن قوله تعالى: {ما ولاهم} يدل على القولية، ويحتمل أن يكون المعنى: وإن كانت هذه الفعلة نظيره فبها ونعمت.
ومعنى كبيرة ثقيلة شاقّة مُسْتنكرة.
وقوله تعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5].
قوله: {إلاَّ عَلَى الَّذِينَ} متعلق بكبيرة، وهو استثناء مفرغ.
فإن قيل: لم يتقدم هنا نفي ولا شبهة، وشرط الاستثناء المفرغ تقدم شيء من ذلك.
فالجواب: أن الكلام وإن كان موجبًا لفظًا فغنه في معنى النفي؛ إذ المعنى أنها لا تخف ولا تسهل إلا على الذين، وهذا التأويل بعينه قد ذكروه في قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين} [البقرة: 45].
وقال أبو حيان: هو استثناء من مستثنى محذوف تقديره: وإن كانت لكبيرة على النّاس إلا على الذين وليس استثناء مفرغًا؛ لأنه لم يتقدمه نفي ولا شبهة، وقد تقدم جواب ذلك واستدل الأصحاب رحمهم الله- تعالى- بهذه الآية على خلق العمال.
قوله: {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ} في هذا التركيب وما أشبهه مما ورد في القرآن وغيره نحو: {وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب} [آل عمران: 179]، {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ} [آل عمران: 179] قولان:
أحدهما: قول البصريين؛ وهو أن خبر كان محذوف، وهذه اللام تسمى لام الجُحود ينتصب الفعل بعدها بإضمار أن وجوبًا، فينسبك منها ومن الفعل مصدر منجرّ بهذه اللام، وتتعلق هذه اللام بذلك الخبر المحذوف.
والتقدير: وما كان الله مريدًا لإضاعة أعمالكم، وشرط لام الجحود عندهم أن يتقدمها كون منفي.
واشترط بعضهم مع ذلك أن يكون كونًا ماضيًا، ويفرق بينها وبين لام ما ذكرنا من اشتراط تقدم كون مَنْفي، ويدلّ على مذهب البصريين التصريح بالخبر المحذوف في قوله: الوافر:
سَمَوْتَ وَلَمْ تَكْنْ أَهْلًا لِتَسْمُو

والقول الثاني للكوفيين: وهو أن اللام وما بعدها في محلّ الجر، ولا يقدرون شيئًا محذوفًا، ويزعمون أن النصب في الفعل بعدها بنفسها لا بإضمار أن، وأن اللام للتأكيد، وقد رد عليهم أبو البقاء فقال: وهو بعيد، لأن اللام لام الجر، وأن بعدها مرادة، فيصير التقدير على قولهم: وما كان لله إضاعة إيمانكم، وهذا الرد غير لازم لهم، فإنهم لم يقولوا بإضمار أن بعد اللام كما قدمت نقله عنهم، بل يزعمون النصب بها، وأنها زائدة للتأكيد ولكن للرد عليهم موضع غير هذا.
واعلم أن قولك: ما كان زيد ليقوم بلام الجحود أبلغ من: ما كان زيد يقوم.
أما على مذهب البصريين فواضح، وذلك أن مع لام الجحود نفي الإرادة للقيام والتَّهيئة، ودونها نفي للقيام فقط، ونفي التَّهيئة والإرادة للفعل أبلغ من نفي الفعل؛ إذ لا يلزم من نفي الفِعْلِ نفي إرادته.
وأما على مذهب الكوفيين فلأن اللام عندهم للتوكيد، والكلام مع التوكيد أبلغ منه بلا توكيد.
وقرأ الضحاك: {لِيُضَيِّعَ} بالتشديد، وذلك أن: أَضَاعَ وَضيَّعَ بالهمزة، والتضعيف للنقل من ضاع القاصر، يقال: ضَاعَ الشيء يَضيعُ، وأَضَعْتُه أي: أهملته، فلم أحفظه.
وأما ضَاعَ المِسْكُ يَضُوعُ أي: فاح، فمادة أخرى.
قوله: {لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ}.
قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر: {لَرَؤُفٌ} على وزن: نَدُس ورَعُف مهموزًا غير مُشْبَع، وهي لغة فاشيةٌ، كقول: الوافر:
وَشَرُّ الظَّالِمين فَلا َتَكُنْهُ ** يُقَاتِلُ عَمَّهُ الرَّؤُفَ الرَّحِيمَا

وقال آخر: الوافر:
يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَقًّا ** كَحَقِّ الوَلِدِ الرِّؤُفِ الرَّحِيمِ

وقرأ الباقون: {لرءوفٌ} مثقلًا مهموزًا مشبعًا على زنة شكور.
وقرأ أبو جعفر {لروف} من غير هَمْزٍ، وهذا دأبه في كل همزة ساكنة أو متحركة.
والرأفة: أشد الرحمة، فهي أخص منها، وقيل بينهما عموم وخصوص، فلا ترى فيه اكمل من الرحمة بالكيفية، والرحمة اتصال النعمة برقة يكون معها إيلام كقطع العضو المتآكل وشرب الدواء.
وفي رءوف لغتان أخريان لم تصل إلينا بهما قراءة وهما: رئِف على وزن فَخِذ، ورأف على وزن ضَعْف.
وإنما قدم على {رحيم} لأجل الفواصل، والله أعلم. اهـ. باختصار.