فصل: قال أبو السعود:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو السعود:

قوله تعالى: {إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ}.
تعليلٌ لوجوب العبادة وإقامةِ الصلاة أي كائنةٌ لا محالة، وإنما عُبّر عن ذلك بالإتيان تحقيقًا لحصولها بإبرازها في معرِض أمرٍ محققٍ متوجِّهٍ نحو المخاطبين {أَكَادُ أُخْفِيهَا} أي لا أظهرها، بأن أقول: إنها آتيةٌ، ولولا أن ما في الإخبار بذلك من اللطف وقطعِ الأعذار لما فعلتُ، أو أكاد أظهرُها بإيقاعها من أخفاه إذا أظهره بسلب خفائِه، ويؤيده القراءةُ بفتح الهمزة من خفاه بمعنى أظهره، وقيل: أخفاه من الأضداد يجيء بمعنى الإظهار والسَّترِ. وقوله تعالى: {لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى} متعلقٌ بآتيةٌ، وما بينهما اعتراضٌ أو بأخفيها على المعنى الأخير، وما مصدرية أي لتُجزى كلُّ نفس بسعيها في تحصيل ما ذُكر من الأمور المأمور بها، وتخصيصُه في معرِض الغاية لإتيانها مع أنه لجزاء كلِّ نفس بما صدر عنها سواءٌ كان سعيًا فيما ذكر، أو تقاعدًا عنه بالمرة، أو سعيًا في تحصيل ما يُضادّه للإيذان بأن المرادَ بالذات من إتيانها هو الإثابةُ بالعبادة، وأما العقابُ بتركها فمن مُقتَضَيات سوءِ اختيارِ العصاة وبأن المأمورَ به في قوة الوجوبِ والساعةَ في شدة الهول والفظاعة يوجِبان على كل نفسٍ أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجِدَّ في تحصيل ما ينجّيها من الطاعات، وحينئذ تحترز عن اقتراف ما يُرديها من المعاصي، وعليه مدارُ الأمر في قوله تعالى: {وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض في سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} فإن الابتلأَ مع شموله لكافة المكلفين باعتبار أعمالِهم المنقسمةِ إلى الحسن والقبيح أيضًا لا إلى الحسن والأحسَن فقط قد عُلّق بالأخيرين، لما ذكر من أن المقصودَ الأصليَّ من إبداع تلك البدائعِ على ذلك النمط الرائعِ إنما هو ظهورُ كمالِ إحسانِ المحسنين وأن ذلك لكونه على أتم الوجوه الرائقةِ وأكملِ الأنحاءِ اللائقةِ يوجب العملَ بموجبه بحيث لا يحيد أحدٌ عن سَننه المستبين، بل يهتدي كلُّ فرد إلى ما يرشد إليه من مطلق الإيمان والطاعة، وإنما التفاوتُ بينهم في مراتبهما بحسب القوة والضعفِ، وأما الإعراض عن ذلك والوقوعُ في مهاوي الضلال فبمعزل من الوقوع فضلًا عن أن ينتظم في سلك الغايةِ لذلك الصنعِ البديع، وإنما هو عملٌ يصدُر عن عامله بسوء اختيارِه من غير مصحِّحٍ له أو مسوِّغ. هذا ويجوز أن يُراد بالسعي مطلقُ العمل.
{فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} أي عن ذكر الساعةِ ومراقبتِها، وقيل: عن تصديقها والأولُ هو الأليقُ بشأن موسى عليه الصلاة والسلام وإن كان النهيُ بطريق التهييجِ والإلهاب، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على قوله تعالى: {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} لما مر مرارًا من الاهتمام بالمقدّم والتشويقِ إلى المؤخّر فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر تبقى النفسُ مستشرِفةً له فيتمكن عند ورودِه لها فضلُ تمكّنٍ، ولأن في المؤخر نوعَ طولٍ ربما يُخِلُّ تقديمُه بجزاله النظمِ الكريم، وهذا وإن كان بحسب الظاهر نهيًا للكافر عن صد موسى عليه الصلاة والسلام عن الساعة لكنه في الحقيقة نهيٌ له عليه الصلاة والسلام عن الانصداد عنها على أبلغ وجهٍ وآكَدِه، فإن النهيَ عن أسباب الشيءِ ومباديه المؤديةِ إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني وإبطالٌ للسببية من أصلها كما في قوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ}.. إلخ، فإن صدَّ الكافر حيث كان سببًا لانصداده عليه الصلاة والسلام كان النهيُ عنه نهيًا بأصله وموجِبه وإبطالًا له بالكلية، ويجوز أن يكون من باب النهي عن المسبَّب وإرادةِ النهي عن السبب على أن يراد نهيُه عليه الصلاة والسلام عن إظهار لينِ الجانبِ للكفرة، فإن ذلك سببٌ لصدّهم إياه عليه الصلاة والسلام كما في قوله: لا أُرَينّك هاهنا، فإن المراد به نهيُ المخاطب عن الحضور لديه الموجبِ لرؤيته {واتبع هَوَاهُ} أي ما تهواه نفسه من اللذات الحسية الفانية {فتردى} أي فتهلِكَ فإن الإغفالَ عنها وعن تحصيل ما ينجِّي عن أهوالها مستتبِعٌ للهلاك لا محالة، وهو في محل النصبِ على جواب النهي أو في محلّ الرفعِ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي فأنت تردى. اهـ.

.قال الألوسي:

{إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ}.
تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة أي كائنة لا محالة، وإنما عبر عن ذلك بالإتيان تحقيقًا لحصولها بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين {أَكَادُ أُخْفِيهَا} أقرب أن أخفي الساعة ولا أظهرها بأن أقول إنها آتية ولولا أن في الإخبار بذلك من اللطف وقطع الأعذار لما فعلت، وحاصله أكاد أبالغ في إخفائها فلا أجمل كما لم أفصل، والمقاربة هنا مجاز كما نص عليه أبو حيان أو أريد إخفاء وقتها المعين وعدم إظهاره وإلى ذلك ذهب الأخفش وابن الأنباري وأبو مسلم، ومن مجىء كاد بمعنى أراد كما قال ابن جني في المحتسب قوله:
كادت وكدت وتلك خير إرادة ** لو عاد من لهو الصبابة ما مضى

وروي عن ابن عباس، وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهما أن المعنى أكاد أخفيها من نفسي، ويؤيده أن في مصحف أبي كذلك، وروى ابن خالويه عنه ذلك بزيادة فكيف أظهركم عليها، وفي بعض القراآت بزيادة فكيف أظهرها لكم، وفي مصحف عبد الله بزيادة فكيف يعلمها مخلوق وهذا محمول على ما جرت به عادة العرب من أن أحدهم إذا أراد المبالغة في كتمان الشيء قال: كدت أخفيه من نفسي ومن ذلك قوله:
أيام تصحبني هند وأخبرها ** ما كدت أكتمه عني من الخبر

ونحو هذا من المبالغة قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم تحت ظل «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه» ويجعل ذلك من باب المبالغة يندفع ما قيل إن إخفاء ذلك من نفسه سبحانه محال فلا يناسب دخول كاد عليه، ولا حاجة لما قيل: إن معنى من نفسي من تلقائي ومن عندي، والقرينة على هذا المحذوف إثباته في المصاحف، وكونه قرينة خارجية لا يضر إذ لا يلزم في القرينة وجودها في الكلام.
وقيل: الدليل عليه أنه لابد لأخفيها من متعلق وهو من يخفى منه.
ولا يجوز أن يكون من الخلق لأنه تعالى أخفاها عنهم لقوله سبحانه: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة} [لقمان: 34] فيتعين ما ذكر.
وفيه أن عدم صحة تقدير من الخلق ممنوع لجواز إرادة إخفاء تفصيلها وتعيينها مع أنه يجوز أن لا يقدر له متعلق، والمعنى أوجد إخفاءها ولا أقول: إنها آتية.
وقال أبو علي: المعنى أكاد أظهرها بإيقاعها على أن أخفيها من ألفاظ السلب بمعنى أزيل خفاءها أي ساترها وهو في الأصل ما يلف به القربة ونحوها من كساء وما يجري مجراه، ومن ذلك قول امرئ القيس:
فإن تدفنوا الداء لا نخفه ** وإن توقدوا الحرب لا نقعد

ويؤيده قراءة أبي الدرداء، وابن جبير، والحسن، ومجاهد، وحميد، ورويت عن ابن كثير، وعاصم {أُخْفِيهَا} بفتح الهمزة فإن خفاه بمعنى أظهره لا غير في المشهور، وقال أبو عبيدة كما حكاه أبو الخطاب أحد رؤساء اللغة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد.
ومتعلق الإخفاء على الوجه السابق في تفسير قراءة الجمهور والإظهار ليس شيئًا واحدًا حتى تتعارض القراءتان. وقالت فرقة: خبر كاد محذوف أكاد آتي بها كما حذف في قول صابىء البرجمي:
هممت ولم أفعل وكدت وليتني ** تركت على عثمان تبكي حلائله

أي وكدت أفعل وتم الكلام ثم استأنف الأخبار بأنه تعالى يخفيها، واختار النحاس وقالت فرقة أخرى: {أَكَادُ} زائدة لا دخول لها في المعنى بل المراد الإخبار بأن الساعة آتية وإن الله تعالى يخفي وقت إتيانها. وروي هذا المعنى عن ابن جبير.
واستدلوا على زيادة كاد بقوله تعالى: {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} [النور: 40].
ويقول زيد الخيل:
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ** فما أن يكاد قرنه يتنفس

ولا حجة في ذلك كما لا يخفى {لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى} متعلق بآتية كما قال صاحب اللوامح وغيره وما بينهما اعتراض لا صفة حتى يلزم إعمال اسم الفاعل الموصوف وهو لا يجوز على رأي البصريين أو بأخفيها على أن المراد أظهرها لا على أن المراد أسترها لأنه لا وجه لقولك: أسترها لأجل الجزاء، وبعضهم جوز ذلك، ووجهه بأن تعمية وقتها لتنتظر ساعة فساعة فيحترز عن المعصية ويجتهد في الطاعة.
وتعقب بأنه تكلف ظاهر مع أنه لا صحة له إلا بتقدير لينتظر الجزاء أو لتخاف وتخشى، وما مصدرية أي لتجزى بسعيها وعلمها إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
وهذا التعميم هو الظاهر، وقيل: لتجزى بسعيها في تحصيل ما ذكر من الأمور المأمور بها، وتخصيصه في معرض الغاية لإتيانها مع أنه لجزاء كل نفس بما صدر عنها سواء كان سعيًا فيما ذكر أو تقاعدًا عنه بالمرة أو سعيًا في تحصيل ما يضاده للإيذان بأن المراد بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة، وأما العقاب بتركها فمن مقتضيات سوء اختيار العصاة وبأن المأمور به في قوة الوجوب والساعة في شدة الهول والفظاعة بحيث يوجبان على كل نفس أن تسعى في الامتثال بالأمر وتجد في تحصيل ما ينجيها من الطاعات وتحترز عن اقتراف ما يرديها من المعاصي انتهى.
ولا يخفى ما فيه، وقيل: ما موصولة أي بالذي تسعى فيه، وفيه حذف العائد المجرور بالحرف مع فقد شرطه.
وأجيب بأنه يجوز أن يكون القائل لا يشترط، وقيل: يقدر منصوبًا على التوسع.
{فَلاَ يَصُدَّنَّكَ}.
خطاب لموسى عليه السلام، وزعم بعضهم أنه لنبينا صلى الله عليه وسلم لفظًا ولأمته معنى وهو في غاية البعد {عَنْهَا} أي الساعة، والمراد عن ذكرها ومراقبتها، وقيل: عن الإيمان بإتيانها ورجح الأول بأنه الأليق بشأن موسى عليه السلام وإن كان النهي بطريق التهييج والإلهاب ورجوع ضمير {عَنْهَا} إلى {الساعة} [طه: 15] هو الظاهر وكذا رجوع ضمير {بِهَا} في قوله تعالى: {مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا} وقيل: الضميران راجعان إلى كلمة {لا إله إِلا أَنَاْ} [طه: 14] وقيل: الأول راجع إلى العبادة والثاني راجع إلى الساعة، وقيل: هما راجعان إلى الخصال المذكورة، وتقديم الجار والمجرور على الفاعل لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ولأن في المؤخر نوع طول ربما يخل تقديمه بجزالة النظم الكريم، والنهي وإن كان بحسب الظاهر نهيًا للكافر عن صد موسى عليه السلام عن الساعة لكنه في الحقيقة نهي له عليه السلام عن الانصداد عنها على أبلغ وجه وآكده فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهى عنه بالطريق البرهاني وإبطال للسببية عن أصلها كما في قوله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} [المائدة: 2].. إلخ. فإن صد الكافر حيث كان سببًا لانصداده عليه السلام كان النهي عنه نهيًا بأصله وموجبه وإبطالًا له بالكلية، ويجوز أن يكون نهيًا عن السبب على أن يراد نهيه عليه السلام عن إظهار لين الجانب للكفرة فإن ذلك سبب لصدهم إياه عليه السلام كما في قوله: لا أرينك هاهنا فإن المراد به نهي المخاطب عن الحضور لديه الموجب لرؤيته فكأنه قيل: كن شديد الشكيمة صلب المعجم حتى لا يتلوح منك لمن يكفر بالساعة وينكر البعث أنه يطمع في صدك عما أنت عليه، وفيه حث على الصلابة في الدين وعدم اللين المطمع لمن كفر {واتبع هَوَاهُ} أي ما تهواه نفسه من اللذات الحسية الفانية فصده عن الإيمان {فتردى} أي فتهلك فإن الإغفال عن الساعة وعن تحصيل ما ينجي عن أحوالها مستتبع للهلاك لا محالة.
وذكر العلامة الطيبي أنه يمكن أن يحمل {مَّن لاَّ يُؤْمِنُ} على المعرض عن عبادة الله تعالى المتهالك في الدنيا المنغمس في لذاتها وشهواتها بدليل {واتبع}.. إلخ. ويحمل نهي الصد على نهي النظر إلى متمتعاته من زهرة الحياة الدنيا ليكون على وزان قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا مّنَ المثاني والقرءان العظيم لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا} [الحجر: 87، 88].. إلخ، ويحمل متابعة الهوى على الميل إلى الإخلاد إلى الأرض كقوله تعالى: {ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ} [الأعراف: 176] يعني تفرغ لعبادتي ولا تلتفت إلى ما الكفرة فيه فإنه مهلك فإن ما أوليناك واخترناه لك هو المقصد الأسنى وفي هذا حث عظيم على الاشتغال بالعبادة وزجر بليغ عن الركون إلى الدنيا ونعيمها، ولا يخلو عن حسن وإن كان خلاف الظاهر.
و{تردى} يحتمل أن يكون منصوبًا في جواب النهي وأن يكون مرفوعًا والجملة خبر مبتدأ محذوف أي فأنت تردى بسبب ذلك.
وقرأ يحيى {فتردى} بكسر التاء. اهـ.

.قال القاسمي:

ثم أشار إلى وجوب إفراده بالعبادة وإقامة الصلاة لذكره. بقوله: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ} أي: واقعة لا محالة: {أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} أي: بسعيها عن اختيار منها. واللام متعلقة بآتية. ولما كان خفاء الساعة من اليقينيات وفي كاد معنى القرب من ذلك، لعدم وضعها للجزم بالفعل، تأولوا الآية على وجوه:
أحدها: أن كَادَ منه تعالى واجب. والمعنى أنا أخفيها عن الخلق. كقوله: {عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء: 51]، أي: هو قريب.
ثانيها: قال أبو مسلم: أَكَادُ بمعنى أريد كقوله: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76].
ومن أمثالهم المتداولة: لا أفعل ذلك ولا أكاد، أي: ولا أريد أن أفعله. قال الشهاب: تفسير أَكَادُ بأريد هو أحد معانيها. كما نقله ابن جني في المحتسب عن الأخفش. واستدلوا عليه بقوله.
كادتْ وكدتُ وتلك خيرُ إرادةٍٍ ** لو عاد من لَهْوِ الصِّبابِة مَا مَضَى

بمعنى أرادت. لقوله: تلك خير إرادة.
ثالثها: أن أَكَادُ صلة في الكلام. قال زيد الخيل.
سريعٌ إِلى الهيجاء شاكٍ سلاحُهُ ** فما إِنْ يَكَادُ قِرْنُهُ يَتَنَفَّسُ

رابعها: أن المعنى أكاد أخفيها فلا أذكرها إِجمالًا ولا أقول هي آتية. وذلك لفرط إرادته تعالى إخفاءها. إلا أن في إِجمال ذكرها حكمة، وهي اللطف بالمؤمنين، لحثهم على الأعمال الصالحة، وقطع أعذار غيرهم حتى لا يعتذروا بعدم العلم. وثمة وجوه أخر لا تخلو من تكلف، وإن اتسع اللفظ لها.
{فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا} أي: عن تصديق الساعة: {مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} أي: ما تهواه نفسه من الشهوات وترك النظر والاستدلال: {فَتَرْدَى} أي: فتهلك.
قال الزمخشري: يعني أن من لا يؤمن بالآخرة هم الجم الغفير. إذ لا شيء أطمّ على الكفرة، ولا هم أشد له نكيرًا من البعث. فلا يهولنّك وفور دهمائهم، ولا عظم سوادهم. ولا تجعل الكثرة مزلة قدمك. واعلم أنهم، وإن كثروا تلك الكثرة، فقدوتهم فيما هم فيه هو الهوى واتباعه. لا البرهان وتدابره. وفي هذا حث عظيم على العلم بالدليل، وزجر بليغ عن التقليد، وإنذار بأن الهلاك والردى مع التقليد وأهله. اهـ.