فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقد روي الإمام أحمد وغيره عن وهب أنه عليه السلام حانت منه نظرة بعد أن ألقاها فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون يرى يلتمس كأنه يبتغي شيئًا يريد أخذه يمر بالضخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها عيناه توقدان نارًا وقد عاد المحجن عرفا فيه شعر مثل النيازك وعاد الشعبتان فما مثل القليب الواسع فيه أضراس وأنياب لها صريف.
وفي بعض الآثار أن بين لحييه أربعين ذراعًا فلما عاين ذلك موسى عليه السلام ولي مدبرًا ولم يعقب فذهب حتى أمعن ورأى أنه قد أعجز الحية ثم ذكر ربه سبحانه فوقف استحياء منه عز وجل ثم نودي يا موسى إلى ارجع حيث كنت فرجع وهو شديد الخوف فأمره سبحانه وتعالى بأخذها وهو ما قص الله تعالى بقوله عز قائلًا:
{قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)}.
{قَالَ} أي الله عز وجل، والجملة استئناف كما سبق {خُذْهَا} أي الحية وكانت على ما روي عن ابن عباس ذكرًا، وعن وهب أنه تعالى قال له: خذها بيمينك {وَلاَ تَخَفْ} منها، ولعل ذلك الخوف مما اقتضته الطبيعة البشرية فإن البشر بمقتضى طبعه يخاف عند مشاهدة مثل ذلك وهو لا ينافي جلالة القدر.
وقيل: إنما خاف عليه السلام لأنه رأى أمرًا هائلًا صدر من الله عز وجل بلا واسطة ولم يقف على حقيقة أمره وليس ذلك كنار إبراهيم عليه السلام لأنها صدرت على يد عدو الله تعالى وكانت حقيقة أمرها كنار على علم فلذلك لم يخف عليه السلام منها كما خاف موسى عليه السلام من الحية، وقيل: إنما خاف لأنه عرف ما لقي من ذلك حيث كان له مدخل في خروج أبيه من الجنة، وإنما عطف النهي على الأمر للاشعار بأن عدم المنهى عنه مقصود لذاته لا لتحقيق المأمور به فقط، وقوله تعالى: {سَنُعِيدُهَا} أي بعد الأخذ {سِيَرتَهَا} أي حالتها {الاولى} التي هي العصوية استئناف مسوق لتعليل الامتثال بالأمر والنهي فإن إعادتها إلى ما كانت عليه من موجبات أخذها وعدم الخوف منها، ودعوى أن فيه مع ذلك عدة كريمة بإظهار معجزة أخرى على يده عليه السلام وإيذانًا بكونها مسخرة له عليه السلام ليكون على طمأنينة من أمره ولا تعتريه شائبة تزلزل عند محاجة فرعون لا تخلو عن خفاء، وذكر بعضهم أن حكمة انقلابها حية وأمره بأخذها ونهيه عن الخوف تأنيسه فيما يعلم سبحانه أنه سيقع منه مع فرعون، ولعل هذا مأخذ تلك الدعوى.
قيل: بلغ عليه السلام عند هذا الخطاب من الثقة وعدم الخوف إلى حيث كان يدخل يده في فمها ويأخذ بلحييها، وفي رواية الإمام أحمد وغيره عن وهب أنه لما أمره الله تعالى بأخذها أدنى طرف المدرعة على يده وكانت عليه مدرعة من صوف قد خلها بخلال من عيدان فقال له مالك: أرأيت يا موسى لو أذن الله تعالى بما تحاذر أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت فكشف عن يده ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الاضراس والانياب ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها فيه إذا توكأ بين الشعبيتين، والرواية الأولى أوفق بمنصبه الجليل عليه السلام.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه عليه السلام نودي المرة الأولى يا موسى خذها فلم يأخذها ثم نودي الثانية {خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ} فلم يأخذها ثم نودي الثالثة {إِنَّكَ مِنَ الامنين} فأخذها، وذكر مكي في تفسيره أنه قيل له في المرة الثالثة: {سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الاولى}، ولا يخفى أن ما ذكر بعيد عن منصب النبوة فلعل الخبر غير صحيح.
والسيرة فعلة من السير تقال للهيئة والحالة الواقعة فيه ثم جردت لمطلق الهيئة والحالة التي يكون عليها الشيء، ومن ذلك استعمالها في المذهب والطريقة في قولهم: سيرة السلف وقول الشاعر:
فلا تغضبن من سيرة أنت سرتها ** فأول راض سيرة من يسيرها

واختلف في توجيه نصبها في الآية فقيل: إنها منصوبة بنزع الخافض والأصل إلى سيرتها أو لسيرتها وهو كثير وإن قالوا: إنه ليس بمقيس، وهذا ظاهر قول الحوفي: إنها مفعول ثان لسنعيدها على حذف الجار نحو {واختار موسى قَوْمَهُ} [الأعراف: 155] وإليه ذهب ابن مالك وارتضاه ابن هشام، وجوز الزمخشري أن يكون أعاد منقولا من عاده بمعنى عاد إليه، ومنه قول زهير:
فصرم حبلها إذ صرمته ** وعادك أن تلاقيها عداء

فيتعدى إلى مفعولين، والظاهر أنه غير التوجيه الأول لاعتبار النقل فيه والخافض يحذف من أعاد من غير نظر إلى ثلاثيه؛ وتعدى عاد بنفسه مما صح به النقل، فقد نقل الطيبي عن الأصمعي أن عادك في البيت متعد بمعنى صرفك، وكذا نقل الفاضل اليمنى.
وفي المغرب العود الصيرورة ابتداء وثانيا ويتعدى بنفسه وبإلى وعلى وفي واللام.
وفي مشارق اللغة للقاضي عياض مثله، ونقل عن الحديث «أعدت فتانا يا معاذ؟».
وقال أبو البقاء: هي بدل من ضمير المفعول بدل اشتمال، وجوز أن يكون النصب على الظرفية أي سنعيدها في طريقتها الأولى.
وتعقبه أبو حيان قائلًا: إن سيرتها وطريقتها ظرف مختص فلا يتعدى إليه الفعل على طريقة الظرفية إلا بوساطة في ولا يجوز الحذف إلا في ضرورة أو فيما شذت فيه العرب، وحاصله أن شرط الانتصاب على الظرفية هنا وهو الإبهام مفقود، وفي شرح التسهيل عن نحاة المغرب أنهم قسموا المبهم إلى أقسام منها المشتق من الفعل كالمذهب والمصدر الموضوع موضع الظرف نحو قصدك ولم يفرقوا بين المختوم بالتاء وغيره فالنصب على الظرفية فيما ذكر غير شاذ ولا ضرورة، وجوز الزمخشري واستحسنه أن يكون {سَنُعِيدُهَا} مستقلا بنفسه غير متعلق بسيرتها بمعنى أنها أنشئت أول ما أنشئت عصا ثم ذهبت وبطلت بالقلب حية فسنعيدها بعد الذهاب كما أنشأناها أولا، و{سِيَرتَهَا} منصوبا على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر أي تسير سيرتها الأولى أي سنعيدها سائرة سيرتها الأولى حيث كنت تتوكأ عليها وتهش بها على غنمك ولك فيها المآرب التي عرفتها انتهى.
والظاهر أنه جعل الجملة من الفعل المقدر وفاعله حالا، ويجوز أن يكون استئنافًا، ولا يخفى عليك أن ما ذكره وإن حس معنى إلا أنه خلاف المتبادر، هذا والآية ظاهرة في جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كانقلاب النحاس إلى الذهب وبه قال جمع، ولا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ذلك وتخصيص الإرادة له، وقيل: لا يجوز لأن قلب الحقائق محال والقدرة لا تتعلق به والحق الأول بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس مثلًا ذهبًا على ما هو رأي بعض المحققين أو بأن يسلب عن أجزاء النجاس الوصف الذي صار به نحاسًا ويخلق فيه الوصف الذي يصير به ذهبًا على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات، والمحال إنما هو انقلابه ذهبًا مع كونه نحاسًا لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاسًا وذهبًا، وانقلاب العصا حية كان بأحد هذين الاعتبارين والله تعالى أعلم بأيهما كان، والذي أميل إليه الثاني فإن في كون خلق البدل انقلابًا خفاء كما لا يخفى.
{واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ}.
أمر له عليه السلام بعد ما أخذ الحية وانقلبت عصاكما كانت؛ والضم الجمع، والجناح كما في القاموس اليد والعضد والابط والجانب ونفس الشيء ويجمع على أجنحة وأجنح، وفي البحر الجناح حقيقة في جناح الطائر والملك ثم توسع فيه فاطلق على اليد والعضد وجنب الرجل.
وقيل: لمجنبتي العسكر جناحان على سبيل الاستعارة وسمي جناح الطائر بذلك لأنه يجنحه أي يميله عند الطيران، والمراد ادخل يدك اليمنى من طوق مدرعتك واجعلها تحت إبط اليسرى أو تحت عضدها عند الابط أو تحتها عنده فلا منافاة بين ما هنا، وقوله تعالى: {ادخل يَدَكَ في جَيْبِكَ} [النمل: 12].
{تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء} جعله بعضهم مجزومًا في جواب الأمر المذكور على اعتبار معنى الادخال فيه، وقال أبو حيان: وغيره إنه مجزوم في جواب أمر مقدر وأصل الكلام اضمم يدك تنضم وأخرجها تخرج فحذف ما حذف من الأول.
والثاني وأبقى ما يدل عليه فهو إيجاز يسمى بالاحتباك، ونصب {بَيْضَاء} على الحال من الضمير في {تُخْرِجُ} والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من الضمير في {بَيْضَاء} أو صفة لبيضاء كما قال الحوفي أو متعلق به كما قال أبو حيان كأنه قيل: أبيضت من غبر سوء أو متعلق بتخرج كما جوزه غير واحد.
والسوء الرداءة والقبح في كل شيء، وكنى به عن البرص كما كنى عن العورة بالسوأة لما أن الطباع تنفر عنه والأسماع تمجه.
وهو أبغض شيء عند العرب ولهذا كنوا عن جذيمة صاحب الزباء وكان أبرص بالأبرش والوضاح.
وفائدة التعرض لنفي ذلك الاحتراس فإنه لو اقتصر على قوله تعالى: {تَخْرُجْ بَيْضَاء} لأوهم ولو على بعد أن ذلك من برص، ويجوز أن يكون الاحتراس عن توهم عيب الخروج عن الخلقة الأصلية على أن المعنى تخرج بيضاء من غير عيب وقبح في ذلك الخروج أو عن توهم عيب مطلقًا.
يروي أنها خرجت بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر وكان عليه السلام آدم اللون {ءايَةً أخرى} أي معجزة أخرى غير العصا، وانتصابها على الحالية من ضمير {تُخْرِجُ} والصحيح جواز تعدد الحال لذي حال واحدًا ومن ضمير {بَيْضَاء} أو من الضمير في الجار والمجرور على ما قيل أو على البدلية من {بَيْضَاء} ويرجع إلى الحالية من ضمير {تُخْرِجُ}، ويجوز أن تكون منصوبة بفعل مضمر أي خذ آية وحذف لدلالة الكلام.
وظاهر كلام الزمخشري جواز تقدير دونك عاملًا وهو مبني على ما هو ظاهر كلام سيبويه من جواز عمل اسم الفعل محذوفًا ومنعه أبو حيان لأنه نائب عن الفعل ولا يحذف النائب والمنوب عنه، ونقض بيا الندائية فإنها تحذف مع أنها نائبة عن أدعوا، وقيل: إنها مفعول ثان لفعل محذوف مع مفعوله الأولى أي جعلناها أو آتيناك أية أخرى، وجعل هذا القائل قوله تعالى: {لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى} متعلقًا بذلك المحذوف.
ومن قدر خذ ونحوه جوز تعلقه به، وجوز الحوفي تعلقه بِ {اضمم} [طه: 22]، وتعلقه بِ {تخرج} [طه: 22] وأبو البقاء تعلقه بما دل عليه {ءايَةً} أي دللنا بها لتريك ومنع تعلقه بها لأنها قد وصفت، وبعضهم تعلقه بالق، .قال القاسمي:

{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}.
شروع فيما سيؤتيه تعالى من البرهان الباهر. وفي الاستفهام إيقاظ له وتنبيه على ما سيبدو له من عجائب الصنع: {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} أي: أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفتُ على رأس القطيع وعند الطفرة: {وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} أي: أخبط بها الورق وأسقطه عليها لتأكله: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} أي: حاجات أخر.
{قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى قَالَ خُذْهَا وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى} أي: هيئتها الأولى فتنتفع بها كما كنت تنتفع من قبل. أي: ليس القصد تخويفك، بل إظهار ما فيها من استعداد قبول الحياة، ومشاهدة معجزة وبرهان لك.
{وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} أي: إبطك: {تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} أي: نيَّرة: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} أي: قبيح وعيب كبياض البرص مما ينفر عنه. واعتمد الزمخشري؛ أن قوله تعالى: {مِنْ غَيْرِ سُوءٍ} كناية عن البرص. كما كني عن العورة بالسوأة، قال: والبرص أبغض شيء إلى العرب، وبهم عنه نفرة عظيمة. وأسماعهم لاسمه مجّاجة. فكان جديرًا بأن يكنى عنه. ولا ترى أحسن ولا ألطف ولا أحرّ للمفاصل من كنايات القرآن وآدابه. انتهى {آيَةً أُخْرَى} أي: معجزة أخرى غير العصا: {لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى} متعلق بمضمر ينساق إليه النظم الكريم. أي: أريناك ما أريناك الآن، مع أن حقهما أن يظهرا بعد التحدي والمناظرة، لنريك أولًا بعض آياتنا الكبرى، فيقوى قلبك على مناظرة الطغاة. اهـ.