فصل: قال أبو السعود:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو السعود:

{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى}.
حكايةٌ إجماليةٌ لما انتهى إليه أمرُ فرعونَ وقومِه، وقد طُويَ في البين ذِكرُ ما جرى عليهم من الآيات المفصّلات الظاهرةِ على يد موسى عليه الصلاة والسلام بعد ما غلب السحرةَ في نحو من عشرين سنةً حسبما فُصّل في سورة الأعراف، وتصديرُها بالقسم لإبراز كمالِ العناية بمضمونها وأنْ في قوله: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى} إما مفسرةُ لأن الوحيَ فيه معنى القول أو مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ، والتعبيرُ عنهم بعنوان كونِهم عبادًا له تعالى لإظهار المرحمةِ والاعتناءِ بأمرهم والتنبيهِ على غاية قُبح صنيعِ فرعونَ بهم حيث استعبدهم وهم عبادُه عز وجل وفعل بهم من فنون الظلم ما فعل، أي وبالله لقد أوحينا إليه عليه الصلاة والسلام أنْ أسرِ بعبادي الذين أرسلتُك لإنقاذهم من مَلَكة فرعونَ، أي سِرْ بهم من مصرَ ليلًا {فاضرب لَهُمْ} أي فاجعل أو فاتخذْ لهم {طَرِيقًا في البحر يَبَسًا} أي يابسًا على أنه مصدرٌ وصف به الفاعلُ مبالغةً، وقرئ يَبْسًا وهو إما مخففٌ منه أو وصفٌ كصعب، أو جمعُ يابس كصحْب، وُصف الواحد للمبالغة أو لتعدّده حسبَ تعدّدِ الأسباط {لاَّ تَخَافُ دَرَكًا} حالٌ من المأمور أي آمِنًا من أن يُدركَكم العدوُّ أو صفةٌ أخرى لطريقًا والعائدُ محذوفٌ، وقرئ لا تخَفْ جوابًا للأمر {وَلاَ تخشى} عطف على لا تخاف داخلٌ في حكمه أي ولا تخشى الغرقَ، وعلى قراءة الجزم استئنافٌ أي وأنت لا تخشى أو عطفٌ عليه والألفُ للإطلاق كما في قوله تعالى: {وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا} وتقديمُ الخوفِ المذكورِ للمسارعة إلى إزاحة ما كانوا عليه من الخوف العظيمِ حيث قالوا: إنا لمدرَكون.
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} أي تبِعهم ومعه جنودُه حتى لحِقوهم، يقال: أتْبعتُهم أي تبِعتُهم وذلك إذا كانوا سبقوك فلحِقتهم، ويؤيده أنه قرئ فاتّبعهم من الافتعال، وقيل: المعنى أتْبعهم فرعونُ نفسَه فحذف المفعولُ الثاني، وقيل: الباءُ زائدةٌ والمعنى فأتبعهم فرعونُ جنودَه أي ساقهم خلفهم، وأيًا ما كان فالفاءُ فصيحةٌ مُعرِبة عن مُضمر قد طُوي ذكرُه ثقةً بغاية ظهورِه وإيذانًا بكمال مسارعةِ موسى عليه الصلاة والسلام إلى الامتثال بالأمر، أي ففعل ما أُمر به من الإسراء بهم وضرْب الطريقِ وسلوكِه فأتبعهم فرعونُ وجنودُه برًا وبحرًا. روي أن موسى عليه الصلاة والسلام خرج بهم أولَ الليل وكانوا ستَّمائةٍ وسبعين ألفًا، فأخبر فرعونُ بذلك فاتّبعهم بعساكره وكانت مقدمتُه سبعَمائة ألفٍ فقف أثرهم فلحِقهم بحيث تراءى الجمعان فعند ذلك ضرب عليه الصلاة والسلام بعصاه البحرَ فانفلق على اثني عشر فرِقًا كلُّ فِرقٍ كالطود الغظيم، فعبَر موسى عليه الصلاة والسلام بمن معه من الأسباط سالمين وتبِعهم فرعونُ بجنوده {فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ} أي علاهم منه وغمرَهم ما غمرهم من الأمر الهائلِ الذي لا يقادَر قدرُه ولا يُبلغ كُنهُه، وقيل: غشِيهم ما سُمِعَت قِصتُه وليس بذاك، فإن مدارَ التهويلِ والتفخيمِ خروجُه عن حدود الفهم والوصفِ لا سماعُ قصتِه، وقرئ فغشّاهم من اليم ما غشاهم أي غطاهم ما غطاهم، والفاعلُ هو الله عز وعلا أو ما غشاهم، وقيل: فرعونُ لأنه الذي ورّطهم للهلكة ويأباه الإظهارُ في قوله تعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} أي سلك مسلَكًا أداهم إلى الخَيبة والخُسران في الدين والدنيا معًا حيث ماتوا على الكفر بالعذاب الهائلِ الدنيويّ المتصل بالعذاب الخالدِ الأخروي، وقوله تعالى: {وَمَا هدى} أي ما أرشدهم قطُّ إلى طريق موصلٍ إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية، تقريرٌ لإضلاله وتأكيدٌ له إذ رُبّ مضِلٍ قد يُرشد من يُضِلّه إلى بعض مطالبِه، وفيه نوعُ تهكمٍ به في قوله: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد} فإن نفيَ الهدايةِ عن شخص مُشعرٌ بكونه ممن يُتصور منه الهدايةَ في الجملة وذلك إنما يُتصور في حقه بطريق التهكم، وحملُ الإضلالِ والهداية على ما يختص بالديني منهما يأباه مقامُ بيانِ سَوْقه بجنوده إلى مساق الهلاكِ الدنيوي، وجعلُهما عبارةً عن الإضلال في البحر والإنجاءِ منه مما لا يقبله العقل السليم. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى}.
حكاية إجمالية لما انتهى إليه فرعون وقومه وقد طوى في البين ذكر ما جرى عليهم بعد أن غلبت السحرة من الآيات المفصلة الظاهرة على يد موسى عليه السلام في نحو من عشرين سنة حسبما فصل في سورة الأعراف، وكان فرعن كلما جاءت آية وعد أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف العذاب حتى إذا انكشف نكث فلما كملت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى} وتصدير الجملة بالقسم لإبراز كمال العناية بمضمونها.
وأن إما مفسرة لما في الوحي من معنى القول، وإما مصدرية حذف عنها الجار، والتعبير عن بني إسرائيل بعنوان العبودية لله تعالى لإظهار الرحمة والاعتناء بأمرهم والتنبيه على غاية قبح صنيع فرعون بهم حيث استعبدهم وهم عباده عز وجل وفعل بهم من فنون الظلم ولم يراقب فيهم مولاهم الحقيقي جل جلاله، والظاهر أن الإيحاء بما ذكر وكذا ما بعده كان بمصر أي وبالله تعالى لقد أوحينا إليه عليه السلام أن سر بعبادي الذي أرسلتك لانقاذهم من ملكة فرعون من مصر ليلًا {فاضرب لَهُمْ} بعصاك {طَرِيقًا في البحر} مفعول به لأضرب على الاتساع وهو مجاز عقلي والأصل اضرب البحر ليصير لهم طريقًا {يَبَسًا} أي يابسًا وبذلك قرأ أبو حيوة على أنه مصدر جعل وصفًا لطريقًا مبالغة وهو يستوي فيه الواحد المذكر وغيره.
وقرأ الحسن {يَبَسًا} بسكون الباء وهو إما مخفف منه بحذف الحركة فيكون مصدرًا أيضًا أو صفة مشبهة كعصب أو جمع يابس كصحب وصاحب.
ووصف الواحد به للمبالغة وذلك أنه جعل الطريق لفرط يبسها كأشياء يابسة كما قيل في قول القطامي:
كأن قتود رحلى حين ضمت ** حوالب غرزًا ومعي جياعا

أنه جعل المعي لفرط جوعه كجماعة جياع أو قدر كل جزء من أجزاء الطريق طريقًا يابسًا كما قيل في {نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ} [الإنسان: 2] وثوب أخلاق أو حيث أريد بالطريق الجنس وكان متعددًا حسب تعدد الأسباط لا طريق واحدة على الصحيح جاء وصفه جمعًا، وقيل: يحتمل أن يكون اسم جمع، والظاهر أنه لا فرق هنا بين اليبس بالتحريك واليبس بالتسكين معنى لأن الأصل توافق القراءتين، وإن كانت إحداهما شاذة، وفي القاموس اليبس بالإسكان ما كان أصله رطبًا فجف وما أصله اليبوسة ولم يعهد رطبًا يبس بالتحريك، وأما طريق موسى عليه السلام في البحر فإنه لم يعهد طريقًا لا رطبًا ولا يابسًا إنما أظهره الله تعالى لهم حينئذ مخلوقًا على ذلك اهـ.
وهذا مخالف لما ذكره الراغب من أن اليبس بالتحريك ما كان فيه رطوبة فذهبت، والمكان إذا كان فيه ماء فذهب، وروى أن موسى عليه السلام لما ضرب البحر وإنفاق حتى صارت فيه طرق بعث الله تعالى ريح الصبا فجففت تلك الطرق حتى يبست.
وذهب غير واحد أن الضرب بمعنى الجعل من قولهم: ضرب له في ماله سهمًا وضرب عليهم الخراج أو بمعنى الاتخاذ فينصب مفعولين أولهما {طَرِيقًا} وثانيهما {لَهُمْ}.
واختار أبو حيان بقاءه على المعنى المشهور وهو أوفق بقوله تعالى: {أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر} [الشعراء: 63]، وزعم أبو البقاء أن {طَرِيقًا} على هذا الوجه مفعول فيه، وقال: التقدير {فاضرب لَهُمْ} موضع طريق {لاَّ تَخَافُ دَرَكًا} في موضع الحال من ضمير {فاضرب} أو الصفة الأخرى لطريقًا والعائد محذوف أي فيها أو هو استئناف كما قال أبو البقاء وقدمه على سائر الاحتمالات.
وقرأ الأعمش وحمزة وابن أبي ليلى {لاَ تَخَفْ} بالجزم على جواب الأمر أعني {أَسَرَّ}، ويحتمل أنه نهي مستأنف كما ذكره الزجاج.
وقرأ أبو حيوة وطلحة والأعمش {دَرَكًا} بسكون الراء وهو اسم من الإدراك أي اللحوق كالدرك بالتحريك، وقال الراغب: الدرك بالتحريك في الآية ما يلحق الإنسان من تبعة أي لا تخاف تبعة، والجمهور على الأول أي لا تخاف أن يدرككم فرعون وجنوده من خلفكم {وَلاَ تخشى} أن يغرقكم البحر من قدامكم وهو عطف على {لاَّ تَخَافُ}، وذلك ظاهر على الاحتمالات الثلاثة في قراءة الرفع؛ وأما على قراءة الجزم فقيل هو استئناف أي وأنت لا تخشى، وقيل: عطف على المجزم والألف جيء بها للإطلاق مراعاة لأواخر الآي كما في قوله تعالى: {فَأَضَلُّونَا السبيلا} [الأحزاب: 67] {وتَظُنُّونَ باللهِ الظُّنونَا} [الأحزاب: 10] أو هو مجزوم بحذف الحركة المقدرة كما في قوله:
إذا العجوز غضبت فطلق ** ولا ترضاها ولا تملق

وهذا لغة قليلة عند قوم وضرورة عند آخرين فلا يجوز تخرجي التنزيل الجليل الشأن عليه أو لا يليق مع وجود مثل الاحتمالين السابقين أو الأول منهما.
والخشية أعظم الخوف وكأنه إنما اختيرت هنا لأن الغرق أعظم من إدراك فرعون وجنوده لما أن ذاك مظنة السلامة، ولا ينافي ذلك أنهم إنما ذكروا أولًا ما يدل على خوفهم منه حيث قالوا: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ولذا سورع في إزاحته بتقديم نفيه كما يظهر بالتأمل.
{فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ} أي تبعهم ومعه جنوده على أن أتبع بمعنى تبع وهو متعد إلى واحد والباء للمصاحبة والجار والمجرور في موضع الحال، ويؤيد ذلك أنه قرأ الحسن وأبو عمرو في رواية فاتبعهم بتشديد التاء، وقرئ أيضًا {فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ}، وقيل: أتبع متعد إلى اثنين هنا كما في قوله تعالى: {وأتبعناهم ذُرّيَّتُهُم} [الطور: 21] والثاني مقدر أي فأتبعهم رؤساء دولته أو عقابه، وقيل: نفسه والجار والمجرور في موضع الحال أيضًا، وعن الأزهري أن المفعول الثاني جنوده والباء سيف خطيب أي أتبعهم فرعون جنوده وساقهم خلفهم فكان معهم يحثهم على اللحوق بهم، وجوز أن يكون المفعول الثاني جنوده والباء للتعدية فيكون قد تعدى الفعل إلى واحد بنفسه وإلى الآخر بالحرف، وأيًا ما كان فالفاء فصيحة معربة عن مضمر قد طوى ذكره ثقة بغاية ظهوره وإيذانًا بكمال مسارعة موسى عليه السلام إلى الامتثال بالأمر أي ففعل ما أمر به من الإسراءبعبادي وضرب الطريق لهم فاتبعهم فرعون بجنوده.
وزعم بعضهم أن الإيحاء بالضرب كان بعد أن أتبعهم فرعون وترائى الجمعان والظاهر الأول، روى أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل يريد القلزم وكانوا قد استعاروا من قوم فرعون الحلى والدواب لعيد يخرجون إليه وكانوا ستمائة ألف وثلاثة آلاف ونيفًا ليس فيهم ابن ستين ولا عشرين، وفي رواية أنهن خرجوا وهم ستمائة ألف وسبعون ألفًا وأخرجوا معهم جسد يوسف عليه السلام لأنه كان عهد إليهم ذلك ودلتهم عجوز على موضعه فقال لها موسى عليه السلام: احتكمي فقالت: أكون معك في الجحنة فاتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وخرج بهم وكان في خيله سبعون ألف أدهم وكانت مقدمته فيما يحكي سبعمائة ألف فارس، وقيل: ألف ألف وخمسمائة ألف فقص أثرهم حتى ترائى الجمعان فعظم فزع بني إسرائيل فضرب عليه السلام بعصاه البحر فانفق اثني عشر فرقًا كل فرق كالطود العظيم فدخلوا ووصل فرعون وجنوده إلى المدخل فرأوا البحر منفلقًا فاستعظموا الأمر فقال فرعون لهم: إنما انفلق من هيبتي فدخل على فرس حصان وبين يديه جبريل عليه السلام على فرس حجر وصاحت الملائكة عليهم اللاسم وكانوا ثلاثة وثلاثين ملكًا أن ادخلوا فدخلوا حتى إذا استكملوا دخولًا خرج موسى عليه السلام بمن معه من الأسباط سالمين ولم يخرج أحد من فرعون وجنوده {فَغَشِيَهُمْ مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ} أي علاهم منه وغمرهم ما غمرهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه.
وقيل: غشيهم ما سمعت قصته وليس بذاك فإن مدار التهويل والتفخيم خروجه عن حدود الفهم والوصف لا سماع القصة، والظاهر أن ضميري الجمع لفرعون وجنوده، وقيل: لجنوده فقط للقرب ولأنه ألقى بالساحل ولم يتغط بالبحر كما أشير إليه بقوله تعالى: {فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ} [يونس: 92] وفيه أن الإنجاء بعدما غشيه ما غشى جنوده وشك بنو إسرائيل في هلاكه والقرب ليس بداع قوي، وقيل: الضمير الأول لفرعون وجنوده والثاني لموسى عليه السلام وقومه وفي الكلام حذف أي فنجا موسى عليه السلام وقومه وغرق فرعون وجنوده انتهى وليس بشيء كما لا يخفى.
وقرأت فرقة منهم الأعمش {فغشاهم من اليم ما غشاهم} أي غطاهم ماغطاهم فالفعل {أُمَّةً واحدة ولكن لّيَبْلُوَكُمْ في مَا} أيضًا وترك المفعول زيادة في الإبهام، وقيل: المفعول {مّنَ اليم} أي بعض اليم، ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله تعالى شأنه وما مفعول؛ وقيل: هو ضمير فرعون والإسناد مجازي لأنه الذي ورطهم للهلكة، ويبعده الإظهار في قوله تعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} أي سلك بهم مسلكًا أداهم إلى الخسران في الدين والدنيا معًا حيث أغرقوا فأدخلوا نارًا {وَمَا هدى} أي وما أرشدهم إلى طريق موصل إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية والمراد بذلك التهكم به كما ذكر غير واحد، واعترض بأن التهكم أن يؤتي بما قصد به ضده استعارة ونحوها نحو {إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87] إذا كان الغرض الوصف بضد هذين الوصفين، وكونه لم يهد أخبار عما هو كذلك في الواقع.
وأجيب بأن الآمر كذلك ولكن العرف في مثل ما هدى زيد عمرًا ثبوت كون زيد عالمًا بطريق الهداية مهتديًا في نفسه ولكنه لم يهد عمرًا وفرعون أضل الضالين في نفسه فكيف يتوهم أنه يهدي غيره، ويحقق ذلك أن الجملة الأولى كافية في الاخبار عن عدم هدايته إياهم بل مع زيادة إضلاله إياهم فإن من لا يهدي قد لا يضل وإذا تحقق إغناؤها في الاخبار على أتم وجه تعين كون الثانية بمعنى سواه وهو التهكم، وقال العلامة الطيبي: توضيح معنى التهكم أن قوله تعالى: {وَمَا هدى} من باب التلميح وهو إشارة إلى إدعاء اللعين إرشاد القوم في قوله: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد} [غافر: 29] فهو كم ادعى دعوى وبالغ فيها فإذا حان وقتها ولم يأت بها قيل له لم تأت بما ادعيت تهكمًا واستهزاء انتهى، ويعلم مما ذكر المغايرة بين الجملتين وأنه لا تكرير، وقيل: المراد وما هداهم في وقت ما ويحصل بذلك المغايرة لأنه لا دلالة في الجملة الأولى على هذا العموم والأول أولى، وقيل: هدى بمعنى اهتدى أي أضلهم وما اهتدى في نفسه وفيه بعد، وحمل بعضهم الإضلال والهداية على ما يختص بالديني منهما، ويأباه مقام بيان سوقه بجنوده إلى مساق الهلاك الدنيوي. وجعلهما عبارة عن الإضلال في البحر والإنجاء منه مما لا يقبله الطبع المستقيم. واحتج القاضي بالآية على أنه تعالى ليس خالقًا للكفر لأنه تعالى شأنه قد ذم فيها فرعون بإضلاله ومن ذم أحدًا بشيء يذم إذا فعله. وأجيب بمنع إطراد ذلك. اهـ.