فصل: قال الشنقيطي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشنقيطي:

{قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا}.
قرأه نافع وعاصم {بِملْكِنا} بفتح الميم. وقرأه حمزة والكسائي {بِملْكنَا} بضم الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو {بملكنا} بكسر الميم. والمعنى على جميع القراءات: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك. وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده. وهو اعتذار بارد ساقط كما ترى!! ولقد صدق من قال:
إذا كان وجه العذر ليس ببين ** فإن اطراح العذر خير من العذر

وأما على قول من قال: إن الذين قالوا لموسى: {مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} هم الذين لم يعبدوا العجل. لأنهم وعدوه أن يتبعوه، ولما وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك، ولم يتجرؤوا على مفارقتهم خوفًا من الفرقة فالعذر له وجه في الجملة، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة {قَالَ ياهرون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يابنأم لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بني إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} [طه: 92-94]. والمصدر في قوله: {بِمِلْكِنا} مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف، أي بملكنا أمرنا. وقال القرطبي: كأنه قال بمكلنا الصواب بل أخطأنا. فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقال الزمخشري: {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد}: الزمان، يريد مدة مفارقته لهم.
تنبيه:
كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم إذا تقدمتها همزة استفهام. كقوله هنا: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} فيه وجهان معروفان عند العلماء:
الأول أن مضارعته تنقلب ما ضوية، ونفيه ينقلب إثباتًا. فيصير قوله: {أَلَمْ يَعِدْكُم} بمعنى وعدكم، وقوله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1] بمعنى شرحنا، وقوله: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} [البلد: 6] جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ما ضوية ظاهر، لأن لم حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتًا أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في لم فينفيه، ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات.
الوجه الثاني أن الاستفهام في ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول بلى وعليه فالمراد من قوله: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا} حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا ** وأندى العالمين بطون راح

فإذا عرفت أن قوله هنا {فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} إلى قوله: {بِمَلْكِنَا} قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد} الآية فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكنه بينه في غير هذا الموضع. كقوله في الأعراف في القصة بعينها {وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بعدي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 150]، وبين بعض ما فعل بقوله في الأعراف: {وَأَلْقَى الألواح وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150]، وقد أشار إلى هنا في طه في قوله: {قَالَ يابنأم لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي} [طه: 94].
قوله تعالى: {ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ القوم فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ}.
قرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي {حَمَلْنَا} بفتح الحاء والميم المخففة مبينًا للفاعل مجردًا. وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عصام {حملنا} بضم الحاء وكسر الميم المشددة مبينًا للمفعول. ون على القراءة الأولى فاعل حمل وعلى الثانية نائب فاعل حمل بالتضعيف.
والأوزار في قوله: {أَوْزَارًا} قال بعض العلماء: معناها الأثقال. وقال بعض العلماء: معناها الآثام. ووجه القول الأول أنها أحمال من حلي القبط الذي استعاروه منهم. ووجه الثاني أنها آثام وتبعات. لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم. والتعليل الأخير أقوى.
وقوله: {مِّن زِينَةِ القوم} المراد بالزينة الحلي، كما يوضحه قوله تعالى: {واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148] فقذفناها أي ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة، وأمرنا أن نطرح الحلي فيها. وأظهر الأقوال عندي في ذلك: هو أنهم جعلوا جميع الحلي في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة. لأن ذلك أسهل لحفظه حتى يرى نبي الله موسى فيه رأيه. والسامري يريد تدبير خطة لم يطلعوا عليها. وذلك أنه لما جاء جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات وكان على فرس، أخذ السامري ترابًا مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في القصة أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ تلك القبضة من التراب واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلي في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب وجعلوه فيها، ألقى السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكورة، وقال له: كن عجلًا جسدًا له خوار. فجعله الله عجلًا جسدًا له خوار. فقال لهم: هذا العجل هو إلهكم وإله موسى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول فَنَبَذْتُهَا وكذلك سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه: 95-96].
وقوله في هذه الآية: {ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ القوم} هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، وهو يدل على أن ذلك الاعتذار من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يبعد معه احتمال أنه من غ يرهم. لأنه ليس فيه ما يعين كون الاعتذار منهم تعينًا غير محتمل. ومعلوم أن هذا العذر عذر لا وجه له على كل حال.
وقوله في هذه الآية الكريمة: {فَنَسِيَ} أي نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر. قاله ابن عباس في حديث الفتون. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضًا من طريق عكرمة {فَنَسِيَ} أي نسي أن يذكركم به. وعن ابن عباس أيضًا {فَنَسِيَ} أي السامري ما كان عليه من الإسلام، وصار كافرًا بادعاء ألوهية العجل وعبادته.
{أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)}.
بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعًا لمن عبده، ولا ضرًا لمن عصاه. وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزًا عن النفع والضرر ورد الجواب. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. كقوله في الأعراف في القصة بعينها: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتخذوه وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] ولا شك أن من اتخذ من لا يكلمه ولا يهديه سبيلًا إلهًا أنه من أظلم الظالمين. ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم: {ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} [مريم: 42]، وقوله تعالى عنه أيضًا: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} [الشعراء: 72_73]، وقوله تعالى: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 195] وقوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القيامة وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5-6]، وقوله تعالى: {ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 13-14]. وقد قدمنا الكلام مستوفى في همزة الاستفهام التي بعدها أداة عطف كالفاء والواو، كقوله هنا: {أَفَلاَ يَرَوْنَ}.
فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقرأ هذا الحرف جماهير القراء {أَلاَّ يَرْجِعُ} بالرفع لأن أن مخففة من الثقيلة. والدليل على أنها مخففة من الثقيلة تصريحه تعالى بالثقيلة في قوله في المسألة بعينها في الأعراف: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ} [الأعراف: 148] الآية، ورأى في آية طه، والأعراف علمية على التحقيق، لأنهم يعلمون علمًا يقينًا أن ذلك العجل المصوغ من الحلي لا ينفع ولا يضر ولا يتكلم.
واعلم أن المقرر في علم النحو أن: أن لها ثلاث حالات: الأولى أن تكون مخففة من الثقيلة قولًا واحدًا. ولا يحتمل أن تكون أن المصدرية الناصبة للفعل المضارع. وضابط هذه: أن تكون بعد فعل العلم وما جرى مجراه من الأفعال الدالة على اليقين. كقوله تعالى: {عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى} [المزمل: 20]، وقوله: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} [الجن: 28] الآية، ونحو ذلك من الآيات، وقول الشاعر:
واعلم فعلم المرء ينفعه ** أن سوف يأتي كل ما قدرا

وقول الآخر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ** أن هالك كل ما يحفى وينتعل

وإذا جاء بعد هذه المخففة من الثقيلة فعل مضارع فإنه يرفع ولا ينصب كقوله:
علموا أن يؤملون فجادوا ** قبل أن يسألوا بأعظم سؤل

وأن هذه المخففة من الثقيلة يكون اسمها مستكنًا غالبًا، والأغلب أن يكون ضمير الشأن. وقيل لا يكون إلا ضمير الشأن، وخبرها الجملة التي بعدها، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:
وإن تخفف أن فاسمها استكن ** والخبر اجعل جملة من بعد أن

وما سمع في شعر العرب من بروز اسمها في حال كونه غير ضمير الشأن فمن ضرورة الشعر. كقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:
لقد علم الضيف والمرملون ** إذا اغبر أفق وهبت شمالا

بأنك ربيع وغيث مربع ** وأنك هناك تكون الثمالا

وقول الآخر:
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني ** طلاقك لم أبخل وأنت صديق

الحالة الثانية: أن تكون محتملة لكونها المصدرية الناصبة للمضارع. ومحتملة لأن تكون هي المخففة من الثقيلة. وإن جاء بعدها فعل مضارع جاز نصبه للاحتمال الأول، ورفعه للاحتمال الثاني، وعليه القراءتان السبعيتان في قوله: {وحسبوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [المائدة: 71] بنصب {تكون} ورفعه، وضابط أن هذه أن تكون بعد فعل يقتضي الظن ونحوه من أفعال الرجحان. وإذا لم يفصل بينها وبين الفعل فاصل فالنصب أرجح، ولذا اتفق القراء على النصب في قوله تعالى: {أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا} [العنكبوت: 2] الآية. وقيل: إن أن الواقعة بعد الشك ليس فيها إلا النصب. نقله الصبان في حاشيته عن أبي حيان بواسطة نقل السيوطي.
الحالة الثالثة: أن تكون أن ليست بعد ما يقتضي اليقين ولا الظن ولم يجر مجراهما، فهي المصدرية الناصبة للفعل المضارع قولًا واحدًا. وإلى الحالات الثلاث المذكورة أشار بوقله في الخلاصة:
وبأن انصبه وكى كذا بأن ** لا بعد علم والتي من بعد ظن

فانصب بها والرفع صحح واعتقد ** تخفيفها من أن فهو مطرد

تنبيه:
قال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهًا. لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطًا بشروط كثيرة، ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط انتهى كلامه. وما ذكره مقرر في الأصول. فكل ما توقف على شرطين فصاعدًا لا يحصل إلا بحصول جميع الشروط. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد وصلى وحج فأعطه دينارًا. لم يجز له إعطاؤه الدينار إلا بالشروط الثلاثة. ومحل هذا ما لم يكن تعليق الشروط على سبيل البدل فإنه يكفي فيه واحد. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد أو صلى فأعطه درهمًا. فإنه يستوجب إعطاء الدرهم بأحد الأمرين. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود في مبحث المخصصات المتصلة بقوله:
وإن تعلق على شرطين ** شيء فبالحصول للشرطين

وما على البدل قد تعلقا ** فبحصول واحد تحققا

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري: أن هذا العجل اسمه: يهموت. وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة: أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبدالله بن عمر: أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب. يعني هل يصلي فيه أم لا؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: انظروا إلى أهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الحسين رضي الله عنه وهم يسألون عن دم البعوضة انتهى منه.
{وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90)}.
بين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن بني إسرائيل لما فتنهم السامري وأضلهم بعبادة العجل، نصحهم نبي الله هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين لهم عبادتهم العجل فتنة فتنوا بها. أي كفر وضلال ارتكبوه بذلك، وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء جل وعلا، وأن عجلًا مصطنعًا من حلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر. وأمرهم باتباعه في توحيد الله تعالى، الوفاء بموعد موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وأن يطيعوه في ذلك. فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع موسى. وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه وتمردوا عليه ولم يطيعوه.
وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في الأعراف: {قَالَ ابن أُمَّ إِنَّ القوم استضعفوني وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعداء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القوم الظالمين} [الأعراف: 150]. فقوله عنهم في خطابهم له {لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} يدل على استضعافهم له وتمردهم عليه المصرح به في الأعراف كطما بينا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمات ما نصه. وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ واعلم حرس الله مدته: أنه اجتمع جماعة من رجال فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين. وهذا القول الذي يذكرونه.
يا شيخ كف عن الذنوب ** قبل التفرق والزلل

واعمل لنفسك صالحًا ** ما دام ينفعك العمل

أما الشباب فقد مضى ** ومشيب رأسك قد نزل

وفي مثل هذا ونحوه الجواب يرحمك الله: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وأما الرقص والتواجد: فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه، ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب: فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى. وإنما كان يجلس النَّبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار. فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق انتهى منه بلفظه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا في سورة مريم ما يدل على أن بعض الصوفية على الحق.
ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة ورسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها، وراقبوها وعرفوا أحوالها، وتكلموا على أحوال القلوب كلامًا مفصلًا كما هو معلوم، كعبد الرحمن بن عطية، أو ابن أحمد بن عطية، أو ابن عسكر أعني أبا سليمان الداراني، وكعون بن عبدالله الذي كان يقال له حكيم الأمة، وأضرابهما، وكسهل بن عبدالله التستري، أبي طالب المكي، وأبي عثمان النيسابوري، ويحيى بن معاذ الرازي، والجنيد بن محمد، ومن سار على منوالهم، لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا يحيدون ع ن العمل بالكتاب والسنة ظاهرًا وباطنًا، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع. فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله لعيه وسلم. فمن كان منهم متبعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، وهديه وسمته، كمن ذكرنا وأمثالهم، فإنهم من جملة العلماء العاملين، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال. وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال.
نعم، صار المعروف في الآونة الأخيرة، وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء، أن عامّة الذين يدعون التصوف.
في أقطار الدنيا إلا من شاء الله منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف العقول من طلبة العلم، ليتخذوا بذلك أتباعًا وخدمًا، وأموالًا وجاهًا، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق، لا يعلمون بكتاب الله ولا بسنة نبيه، واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين. فيجب التباعد عنهم، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق، ولقد صدق من قال:
إذا رأيت رجلًا يطير ** وفوق ماء البحر قد يسير

ولم يقف عند حدود الشرع ** فإنه مستدرج أو بدعي

والقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات مِن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 123-125]، فمن كان عمله مخالفًا للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو الضال. ومن كان عمله موافقًا لما جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام فهو المهتدي. نرجو الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين، وألا يزيغنا ولا يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي هي محجّة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. اهـ.