فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

ولما أمره تعالى بالتسبيح في تلك الأوقات المذكورة ونهاه عن مد بصره إلى ما متع به الكفار أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة التي هي بعد الشهادة آكد أركان الإسلام، وأمره بالاصطبار على مداومتها ومشاقها وأن لا يشتغل عنها، وأخبره تعالى أن لا يسأله أن يرزق نفسه وأن لا يسعى في تحصيل الرزق ويدأب في ذلك، بل أمره بتفريغ باله لأمر الآخرة ويدخل في خطابه عليه السلام أمته.
وقرأ الجمهور: {نَرْزُقُكَ} بضم القاف.
وقرأت فرقة: منهم وابن وثاب بإدغام القاف في الكاف وجاء ذلك عن يعقوب.
قال صاحب اللوامح: وإنما امتنع أبو عمرو من إدغام مثله بعد إدغامه {نرزقكم} ونحوها لحلول الكاف منه طرفًا وهو حرف وقف، فلو حرك وقفًا لكان وقوفه على حركة وكان خروجًا عن كلامهم.
ولو أشار إلى الفتح لكان الفتح أخف من أن يتبعض بل خروج بعضه كخروج كله، ولو سكن لأجحف بحرف.
ولعل من أدغم ذهب مذهب من يقول جعفر وعامر وتفعل فيشدد وقفًا أو أدغم على شرط أن لا يقف بحال فيصير الطرف كالحشو انتهى.
و{العاقبة} أي الحميدة أو حسن العاقبة لأهل التقوى {وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه} هذه عادتهم في اقتراح الآيات كأنهم جعلوا ما ظهر من الآيات ليس بآيات، فاقترحوا هم ما يختارون على ديدنهم في التعنت فأجيبوا بقوله: {أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} أي القرآن الذي سبق التبشير به وبإيحائي من الرسل به في الكتب الإلهية السابقة المنزّلة على الرسل، والقرآن أعظم الآيات في الإعجاز وهي الآية الباقية إلى يوم القيامة.
وفي هذا الاستفهام توبيخ لهم.
وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص {تأتهم} بالتاء على لفظ بينة.
وقرأ باقي السبعة وأبو بحرية وابن محيصن وطلحة وابن أبي ليلى وابن مناذر وخلف وأبو عبيدة وابن سعدان وابن عيسى وابن جبير الأنطاكي يأتهم بالياء لمجاز تأنيث الآية والفصل.
وقرأ الجمهور بإضافة {بينة} إلى {ما} وفرقة منهم أبو زيد عن أبي عمرو بالتنوين و{ما} بدل.
قال صاحب اللوامح: ويجوز أن يكون ما نفيًا وأريد بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصل مما لم يكن في غيره من الكتب.
وقرأت فرقة بنصب {بينة} والتنوين و{ما} فاعل بتأتهم و{بينة} نصب على الحال، فمن قرأ يأتهم بالياء فعلى لفظ {ما} ومن قرأ بالتاء راعى المعنى لأنه أشياء مختلفة وعلوم من مضى وما شاء الله.
وقرأ الجمهور: {في الصُحُف} بضم الحاء، وفرقة منهم ابن عباس بإسكانها والضمير في ضمن قبله يعود على البينة لأنها في معنى البرهان، والدليل قاله الزمخشري والظاهر عوده على الرسول صلى الله عليه وسلم لقوله: {لولا أرسلت إلينا رسولًا} ولذلك قدره بعضهم قبل إرساله محمدًا إليهم والذل والخزي مقترنان بعذاب الآخرة.
وقيل {نذل} في الدنيا و{نخزَى} في الآخرة.
وقيل: الذل الهوان والخزي الافتضاح.
وقرأ الجمهور: {نُذل ونَخزى} مبنيًا للفاعل، وابن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن علي والحسن في رواية عباد والعمري وداود والفزاري وأبو حاتم ويعقوب مبنيًا للمفعول.
{قل كل متربص فتربصوا} أي منتظر منا ومنكم عاقبة أمره، وفي ذلك تهديد لهم ووعيد وأفرد الخبر وهو {متربّص} حملًا على لفظ {كل} كقوله: {قل كل يعمل على شاكلته} والتربص التأني والانتظار للمفرج و{من أصحاب} مبتدأ وخبر علق عنه {فستعلمون} وأجاز الفراء أن تكون ما موصولة بمعنى الذي فتكون مفعولة بفستعلمون و{أصحاب} خبر مبتدأ محذوف تقديره الذي هم أصحاب، وهذا جار على مذهب الكوفيين إذ يجيزون حذف مثل هذا الضمير مطلقًا سواء كان في الصلة طول أم لم يكن وسواء كان الموصول أيًا أم غيره.
وقرأ الجمهور: {السوي} على وزن فعيل أي المستوي.
وقرأ أبو مجلز وعمران بن حدير السواء أي الوسط.
وقرأ الجحدري وابن يعمر السوأى على وزن فعلى أنث لتأنيث {الصراط} وهو مما يذكر ويؤنث تأنيث الأسواء من السوأى على ضد الاهتداء قوبل به {ومن اهتدى} على الضد ومعناه {فستعلمون} أيها الكفار من على الضلال ومن على الهدى، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس الصراط السوء وقد روي عنهما أنهما قرآ السوأى على وزن فعلى، فاحتمل أن يكون أصله السووي إذ روي ذلك عنهما فخفف الهمزة بإبدالها واوًا وأدغم، واحتمل أن يكون فعلى من السواء أبدلت ياؤه واوًا وأدغمت الواو وفي الواو، وكان القياس أنه لما بني فعلى من السواء أن يكون السويا فتجتمع واو وياء، وسبقت إحداهما بالسكون فتقلب الواو ياء وتدغم في الياء، فكان يكون التركيب السيا.
وقرئ السُوَيّ بضم السين وفتح الواو وشد الياء تصغير السوء.
قاله الزمخشري، وليس بجيد إذ لو كان تصغير سوء لثبتت همزته في التصغير، فكنت تقول سؤيي والأجود أن يكون تصغير سواء كما قالوا في عطاء عطي.
ومن قرأ السوأى أو السوء كان في ذلك مقابلة لقوله: {ومن اهتدى} وعلى قراءة الجمهور لم تراع المقابلة في الاستفهام. اهـ.

.قال الثعالبي:

قال الداوودي: وعن عَبْدِ اللّهُ بْنِ سَلاَمٍ، قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضِيقٌ أوْ شِدَّةٌ أمرهم بالصَّلاَةِ، ثم قرأَ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة} إلى قوله: {للتقوى}. انتهى.
قال ابن عطاء اللَّه في «التنوير» واعلم. أنَّ هذه الآية علمت أهل الفَهْم عن اللَّه تعالى كَيْفَ يطلبون رزقَهُم، فإذَا توقفت عليهم أسباب المعيشة، أكثروا من الخِدْمة والموافقة، وقَرَعُوا بابَ الرِّزْقِ بمعاملة الرزَّاق- جل وعلا- ثم قال: وسمعتُ شَيْخَنَا أَبَا العَبَّاس المُرْسِي رضي اللَّه عنه يقول: واللَّه مَا رَأَيْتَ العزَّ إلاَّ في رفع الهِمّة عن الخلق، واذكر رحمك اللَّه هنا: {وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
ففي العز الذي أَعزّ اللَّه به المؤمن رفْعُ همته إلى مولاه، وثقتُه به دُونَ مَنْ سِوَاهُ، واستحي من اللَّه بعد أن كساك حُلّة الإيمان، وزينك بزينة العِرْفان؛ أن تستولي عليك الغفلة والنسيان؛ حتى تميل إلى الأكوان، أو تطلب من غيره تعالى وجود إحسان، ثم قال: ثم قال ورفع الهِمَّة عن الخلْقِ: هو ميزانُ ذوي الكمال ومِسْبار الرجال، كما توزن الذَّواتُ كذلك توزن الأحوالُ والصِّفَاتُ. انتهى.
ومن كتاب صفوة التصوف لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي الحافظ حَدِيثٌ بسنده عن ابن عُمَرَ قال: أتَىَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَجَلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثْنِي حَدِيثًا، واجعله مُوجَزًا، فقال له النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «صَلَّ صَلاَةَ مُوَدَّع، كَأَنَكَ تَرَاهُ، فَإنْ كُنْتَ لاَ تَرَاهُ، فَإنَّهُ يُرَاكَ، وَايَأَس مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، تَعْشِ غَنِيًّا، وإِيَّاكَ وَمَا يُعَتَذَّرُ مِنْهُ» ورواه أبو أيوب الأنصاري بمثله عن النبي صلى الله عليه وسلم إنتهى.
{وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا} محمدٌ {بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ} أي: بعلامة مما اقترحناها عليه، ثم وبخهم سبحانه بقوله: {أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصحف الأولى} أَيْ: ما في التوراة، وغيرها، ففيها أعظم شاهد، وأكبر، آية له سبحانه.
قوله سبحانه: {وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ} أي: من قبل إرسالنا إليهم محمدًا، {لقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا} الآية، وروى أبو سعيد الخِدْرِي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يَحْتَجُّ عَلَى اللَّه تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلاَثَةٌ: الهَالِكُ فَي الفَتْرَةِ، والمَغْلُوبُ على عَقْلِهِ، والصَّبِيُّ الصَّغيرُ: فيقُولُ المَغْلُوبُ على عَقْلِهِ: رَبِّ، لَمْ تَجْعَلْ لِيَ عَقْلًا، ويَقَولُ الصَّبِيُّ نَحْوَهُ، ويَقُولُ الهَالِكُ فِي الفَتْرَةِ. رَبِّ، لَمْ يُرْسِلْ إِلَيَّ رَسَولًا، وَلَوْ جَاءَنِي، لَكُنْتُ أَطْوَعَ خَلْقِكَ لَكَ، قَالَ: فَتَرْتَفِعُ لَهُمْ نَارٌ، وَيَقَالُ لَهُمُ: رُدُوهَا، فَيَرِدُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّه أَنَّهُ سَعِيدٌ وَيَكَعُ عَنْهَا الشَّقِيُّ، فَيَقُولُ اللَّه تعالى: إيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ بِرْسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ». قال ع: أما الصبيُّ، والمغلوبُ على عقله، فبَيّن أمرهما، وأما صاحبُ الفَترة، فليس ككفَّارِ قريش قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن كفار قريش، وغيرهم مِمَّنْ علم وسمع نبوءة ورسالة في أقطار الأرضِ، ليسٍ بصاحب فترةٍ، وقد، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لرجل: «أبيِ وَأَبُوكَ فِي النَّارِ» ورأى صلى الله عليه وسلم، عَمَرْو بْنَ لُحَيٍّ في النار إلى غير هذا مِمَّا يطوُلَ ذِكْرهِ، وإنما صاحبُ الفترة يفرض أنه آدميٌّ لم يطرأ إليه أن اللَّه تعالى بعث رَسُولًا، ولاَ دَعا إلى دِينٍ، وهذا قليلُ الوجود إلاّ أن يشذ في أطراف الأرض، والمواضع المنقطعة عن العمران.
ت: والصحيح في هذا الباب: «أَنَّ أوْلادَ المُشْرِكينَ في الجَنَّةِ، وأمَّا أَوَلاَدُ المُسْلِمِينَ فَفِي الجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ» متفق عليه.
وقد أَسند أَبو عُمَرَ في التمهيد من طريق أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«سألتُ رَبِّي في اللاَّهين مِنْ ذًرِّيَّةِ البَشَرِ ألاَّ يُعَذَّبَهُمْ فَأَعْطانِيهِمْ» قال أبو عمر إن قيل للأطفال: الَّلاهُوَنَ؛ لأن أعمالهم كاللهو، واللعب من غير عقد، ولا عَزْم، ثم أسند أبو عمر، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ». قال أبو عمر، وروى شُعْبةِ، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو عَوَانة، عن قتادة، عن أَبي سراية العجلي، عن سَلْمَان قال: أَطْفَالُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الجَنَّةِ.
وذكرِ البخاري حَدِيثَ الرؤيا الطويل، وفيه: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ، فَإنَّهُ إبْرَاهِيمَ عليه السلام وأمَّا الوِلْدَانُ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولدُ عَلَى الفِطْرَةِ»، قَالَ: فقيل: يَا رَسُولَ اللَّه، وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «وأَوْلاَدُ المُشْرِكِينَ»، وفي رواية: «والصبيان حَوْلَهُ أَوْلاَدُ النَّاسِ» وظاهره العمومُ في جميع أولاد الناس. انتهى من التمهيد والذُّلُّ، والخِزْيُ مقترنان بعذاب الآخرة.
وقوله: {قُلْ كُلٍّ} أَيْ: مِنَّا ومنكم {مُتَرَبِّصٌ} والتربصُ: التأَنِّي، والصِّراطُ: الطريق، وهذا وَعِيدٌ بَيِّنٌ؛ والله الموفِّقُ، والهادي إلى الرشاد بفضله. اهـ.

.قال أبو السعود:

{وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة}.
أُمر عليه السلام بأن يأمر أهلَ بيته والتابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أُمر هو بها ليتعاونوا على الاستعانة على خَصاصتهم ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفتَ أربابِ الثروة {واصطبر عَلَيْهَا} وثابرْ عليها غيرَ مشتغلٍ بأمر المعاش {لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا} أي لا نكلّفك أن ترزُقَ نفسَك ولا أهلَك {نَّحْنُ نَرْزُقُكَ} وإياهم ففرِّغْ بالَك بأمر الآخرة {والعاقبة} الحميدةُ {للتقوى} أي لأهل التقوى، على حذف المضافِ وإقامة المضافِ إليه مُقامَه تنبيهًا على أن مَلاكَ الأمر هو التقوى. روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أصاب أهلَه ضُرٌّ أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية {وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مّن رَّبّهِ} حكاية لبعض أقاويلهم الباطلةِ التي أُمر عليه السلام بالصبر عليها، أي هلا يأتينا بآية تدل على صدقة في دعوى النبوةِ أو بآية مما اقترحوها بلغوا من المكابرة والعِناد إلى حيث لم يعُدوا ما شاهدوا من المعجزات التي تخِرّ لها صُمُّ الجبال من قبيل الآيات حتى اجترأوا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء، وقوله تعالى: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيّنَةُ مَا في الصحف الأولى} أي التوراةِ والإنجيل وسائرِ الكتبِ السماوية، ردٌّ من جهته جل وعلا لمقالتهم القبيحةِ وتكذيبٌ لهم فيما دسوا تحتها من إنكار مجيءِ الآية بإتيان القرآنِ الكريم الذي هو أمُّ الآياتِ وأُسُّ المعجزات وأعظمُها وأبقاها، لأن حقيقةَ المعجزةِ اختصاصُ مدّعي النبوة بنوع من الأمور الخارقةِ للعادات أيِّ أمرٍ كان، ولا ريب في أن العلمُ أجلُّ الأمور وأعلاها إذ هو أصلُ الأعمال ومبدأَ الأفعالِ ولقد ظهر مع حيازته لجميع علومِ الأولين والآخرين على يد أميَ لم يمارس شيئًا من العلوم ولم يدارس أحدًا من أهلها أصلًا، فأيُّ معجزة تُراد بعدَ ورودِه وأيُّ آية ترام مع وجوده، وفي إيراده بعنوان كونِه بينةَ ما في الصحف الأولى ومن التوراة والإنجيل وسائرِ الكتبِ السماوية أي شاهدًا بحقية ما فيها من العقائد الحقةِ وأصولِ الأحكام التي أجمعت عليها كافةُ الرسل، وبصحة ما تنطِقُ به من أنباء الأمم من حيث أنه غنيٌّ بإعجازه عما يشهد بحقّيته، حقيقٌ بإثبات حقّيةِ غيرِه ما لا يخفى من تنويه شأنِه وإنارة برهانِه، ومزيدُ تقريرٍ وتحقيقٍ لإتيانه، وإسنادُ الإتيان إليه مع جعلهم إياه مأتيًا به للتنبيه على أصالته فيه مع ما فيه من المناسبة للبينة، والهمزةُ لإنكار الوقوعِ والواوُ للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ، كأنه قيل: ألم يأتهم سائرُ الآياتِ ولم تأتهم خاصةً بينةُ ما في الصحف الأولى؟ تقريرًا لإتيانه وإيذانًا من الوضوح بحيث لا يتأتى منهم إنكارُه أصلًا وإن اجترأوا على إنكار سائر الآياتِ مكابرةً وعِنادًا، وقرئ أولم يأتهم بالياء التحتانية، وقرئ الصُّحْفِ بالسكون تخفيفًا.
وقوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ} إلى آخر الآية جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لتقرير ما قبلها من كون القرآن آيةً بينةً لا يمكن إنكارُها ببيان أنهم يعترفون بها يوم القيامة، والمعنى لو أنا أهلكناهم في الدنيا بعذاب مستأصِل {مِن قَبْلِهِ} متعلقٌ بأهلكنا أو بمحذوف هو صفةٌ لعذاب أي بعذاب كائنٍ من قبل إتيانِ البينة أو قبلِ محمد عليه الصلاة والسلام {لَقَالُواْ} أي يوم القيامة {رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا} في الدنيا {رَسُولًا} مع كتاب {فَنَتَّبِعَ ءاياتك} التي جاءنا بها {مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ} بالعذاب في الدنيا {ونخزى} بدخول النار اليوم ولكنا لم نُهلكهم قبل إتيانِها فانقطعت معذِرتُهم فعند ذلك قالوا: بلى، قد جاءنا نذيرٌ فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء.
{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)}.
{قُلْ} لأولئك الكفرة المتمردين {كُلٌّ} أي كلُّ واحدٍ منا ومنكم {مُّتَرَبّصٌ} منتظِرٌ لما يؤول إليه أمرُنا وأمرُكم {فَتَرَبَّصُواْ} وقرئ فتمتعوا {فَسَتَعْلَمُونَ} عن قريب {مَنْ أصحاب الصراط السوي} أي المستقيمِ، وقرئ السواءِ أي الوسطِ الجيد، وقرئ السوءِ والسُّوآي والسُّوَي تصغيرُ السوء {وَمَنِ اهتدى} من الضلالة ومَنْ في الموضعين استفهاميةٌ محلُّها الرفعُ بالابتداء خبرُها ما بعدها، والجملةُ سادةٌ مسدَّ مفعولي العلم أو مفعولِه، ويجوز كونُ الثانية موصولةً بخلاف الأولى لعدم العائد فتكون معطوفةً على محل الجملةِ الاستفهامية المعلَّقِ عنها الفعلُ على أن العلم بمعنى المعرفة أو على أصحاب أو على الصراط، وقيل: العائدُ في الأولى محذوفٌ والتقديرُ من هم أصحابُ الصراط. اهـ.