فصل: قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)}.
التفسير:
قال جار الله: اللام في قوله: {للناس} إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيدًا آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافًا إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم. والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله: {اقتربت الساعة} [القمر: 1] فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله: {فستعلمون} بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب. فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل:
فلا زال ما تهواه أقرب من غد ** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس

على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} [الحج: 47] ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله صلى الله عليه وسلم «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين. فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين. وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.
والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ {محدث} بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول. وزعم الإمام فخر الدين الرازي رضي الله عنه أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله: {من ذكر من ربهم محدث} لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرًا بل على أن ذكرًا ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلًا، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس وإنه لا ينتج شيئًا لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف في علم الميزان. قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله بعض الذكر محدث لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث. وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميمًا لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه. قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة {من ربهم محدث} لموافقة قوله بعد هذا {قل ربي يعلم} وقال في الشعراء {من ذكر من الرحمن محدث} [الآية: 5] لكثرة الرحيم فيها. فكان الرحمن بالرحيم أنسب.
قوله تعالى: {يلعبون} اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله: {لاهية} هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل. وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.
ومعنى {وأسروا النجوى} بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي واو اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدمًا على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و{الذين ظلموا} بدل منهم. أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره {أسروا النجوى} مقدمًا عليه. وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلًا على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله: {هل هذا إلاّ بشر} إلى قوله: {وأنتم تبصرون} أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تلعمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟ وجوز بعضهم أن يكون قوله: {هل هذا} إلى آخره مفعولًا لقالوا مضمرًا، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحريًا لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.
ويرفع أيضًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقًّا فأخبرونا بما اسررنا. من قرأ {قال ربي} فعلى حكاية الرسول صلى الله عليه وسلم كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه هاهنا بأنه يعلم القول. قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص. بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى {وهو السميع العليم} خصص علمه بالمسموعات أولًا ثم عمم وقال الإمام قدم السميع على العليم لأنه لابد من استماع الكلام أولًا ثم من حصول العلم بمعناه. قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولًا كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولَكِن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزًا فقد يكون سحرًا هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لَكِنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف. سلمنا ولَكِنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟ سلمنا أنه كلام فصيح ولَكِنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا. {فليأتنا بآية} لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات {كما أرسل الأولون} اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات. ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف. ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك {افهم يؤمنون} مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولَكِن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.
ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم {هل هذا إلاّ بشر مثلكم} بقوله: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالًا} وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل. وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان قولهم عندهم حجة. وقيل: أهل الذكر أهل القرآن. وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟ واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله: {وما ارسلنا من قبلك} وقوله: {وما أرسلنا قبلك} بغير من وليس إلا هاهنا وفي أوائل الفرقان {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم} [الآية: 20] ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله: {وما جعلناهم جسدًا} الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولابد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسدًا. ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: {صدقناهم الوعد} أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله: {فأنجيناهم ومن نشاء} وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، {لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم} أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال: {وكم قصمنا} والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى {من قرية} من أهل قرية لقوله: {وأنشأنا بعدها قوما آخرين} وللضمائر في قوله: {فلما أحسوا} إلى آخر القصة. والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد. والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثًا لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.
والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: {وارجعوا إلى ما أترفتم فيه} من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة {لعلكم تسألون} غدًا عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولَكِن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم {فما زالت تلك} الدعوى وهي قولهم {يا ويلنا} لأن المولول كأنه يدعو الويل {دعواهم} الأول اسم ما زال والثاني خبره أو بالعكس. والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله: {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10] والحصيد المحصود كقوله: {منها قائم وحصيد} شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رمادًا أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد {حصيدًا} لأن المراد زرعًا حصيدًا، ولأن فعيلًا قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب. وفي الحديث كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثوبين سحوليين. وروى حضوريين بعث الله إليهم نبيًّا فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.
قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلًا ومجازاة لا عبثًا ولا مجازفة فقال: {وما خلقنا السماء والأرض} الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع {وما بينهما} من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول البقرة ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقًا فهو المطلوب، وإن كان كاذبًا كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه سبحانه. قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعبًا وعورض بمسألتي العلم والداعي.
ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو اللعب ليس هو العجز والضعف ولَكِن لأن الحكمة تنافيه، معنى {من لدنا} من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس ردًا على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله. ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا ستمعون اسمه فيكون الرد شاملًا لكل من ادعى الله ولدًا ولو من الملائكة. ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلًا {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو} يعني الباطل {زاهق} اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال: {ولكم الويل مما تصفون} اي تصفونه به. ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال: {وله من في السموات والأرض} والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة. فأما عندية المكان ففيها بحث طويل. قال الزجاج: {لا يستحسرون} أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء. قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولَكِنه ذكر بلفظ المبالغة وهو استفعل لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعبًا عليهم. ثم أكد ذلك بقوله: {يسبحون الليل والنهار} منصوبان على الظرفية {لا يفترون} لا يلحقهم الفتور والكلال. وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟ وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرايت قول الله عز وجل {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ثم قال: {جاعل الملائكة رسلًا} [فاطر: 1] {أولئك عليهم لعنة الله والملائكة} [البقرة: 161] أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟ أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر. واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم. وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.
التأويل:
اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد: 16] {وما يأتيهم من ذكر} وعظ وتذكير من عالم رباني {محدث} إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه {وما جعلناهم جسدًا} فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولَكِن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى. قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقًا إلى الله {وما كانوا خالدين} والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.
{ثم صدقناهم الوعد} الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض {فأنجيناهم ومن نشاء} من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة {وأهلَكِناهم المسرفين} الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع. {وكم قصمنا من} أهل {قرية} قالت {فلما أحسوا بأسنا} وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد {لا تركضوا} منا بل ففروا إلينا {وارجعوا} إلى التنعمات الروحاينة {ومساكنكم} الصلية {لعلكم تسألون} عزة وكرامة {وما خلقنا} سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا {بل نقذف بالحق على الباطل} للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفًا بالوجود المجازي. اهـ.