فصل: قال عبد الكريم الخطيب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقوله: {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} استفهام، إنكاري معناه النفي. والمعنى: أنك إن مت لهم فهم لن يخلدوا بعدك، بل سيموتون. ولذلك أتبعه بقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت}. وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية من أنه صلى الله عليه وسلم سيموت، وأنهم سيموتون، وأن الموت ستذوقه كل نفس أوضحه في غير هذا الموضع. كقوله تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} [الزمر: 30]، كقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القيامة فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185]، وقوله في سورة العنكبوت: {ياعبادي الذين آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فاعبدون كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 56- 57]، وقوله تعالى في سورة النساء: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء: 78] إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة الكهف استدلال بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر عليه السلام. وقال بعض أهل العلم في قوله: {فَهُمُ الخالدون}: هو استفهام حذفت أداته. أي أفهم الخالدون. وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز، وهو قياسي عند الأخفش مع أم ودونها ذكر الجواب أم لا: فمن أمثلته دون أم ودون ذكر الجواب قول الكميت:
طربت وما شوقًا إلى البيض أطرب ** ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب

يعني: أو ذو الشيب يلعب. وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد:
وَفَوني وقالوا يا خُوَيْلِدُ لم تُرَعْ ** فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ همُ همُ

يعني: أهم هم على التحقيق. ومن أمثلته دون أم مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ثم قالوا تحبها قلت بهرًا ** عدد النجم والحصى والتراب

يعني: أتحبها على الصحيح. وهو مع أم كثير جدًّا، وأنشد له سيبويه قول الأسود يعفر التميمي:
لعمرك ما أدري وإن كنت داريًا ** شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر

يعني: أشعيث بن سهم، ومنه قول ابن أبي ربيعة المخزومي:
بدا لي منها معصم يوم جمرت ** وكف خضيب زينت ببنان

فوالله ما أدري وإني لحاسب ** بسبعٍ رَمَيْتُ الجمرَ أم بثمان

يعني: أبسبع. وقول الأخطل:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط ** غلس الظلام من الرباب خيالا

يعني: أكذبتك عينك. كما نص سيبويه في كتابه على جواز ذلك في بيت الأخطل هذا، وإن خالف في ذلك الخليل قائلًا: إن كذبتك صيغة خبرية ليس فيها استفهام محذوف، وإن أم بمعنى بل. ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى الرجوع. وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة آل عمران وذكرنا أن قوله تعالى في آية الأنبياء هذه {فَهُمُ الخالدون} من أمثلة ذلك. والعلم عند الله تعالى.
ووقله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَفَإِنْ مِّتَّ} قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي {مِتَّ} بكسر الميم. والباقون بضم الميم. وقد أوضحنا في سورة مريم وجه كسر الميم. وقوله في هذه الآية الكريمة {أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون} يُفهم منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يفرح بموت أحد لأجل أمر دنيوي يناله بسبب موته. لأنه هو ليس مخلدًا بعده.
وروي عن الشافعي رحمه الله أنه أنشد هذين البيتين مستشهدًا بهما:
تمنَّى رجالٌ أن أموتَ وإِن أمُت ** فتلك سبيلٌ لست فيها بأوحد

فقل لِلذي يَبْقَى خِلاَف الذي مضى ** تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد

ونظير هذا قول الآخر:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ** سيلقى الشامتون كما لقينا

قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.
المعنى: ونختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر، وقوله: {فِتْنَةً} مصدر مؤكد لـ: {وَنَبْلُوكُم} من غير لفظة.
وما ذكره جل وعلا: من أنه يبتلي خلقه أي يختبرهم بالشر والخير قد بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {وَبَلَونَاهُمْ بالحسنات والسيئات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168]، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فلولا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ فَلَمَا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} [الأنعام: 42- 45]، وقوله تعالى: {وما أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَضَّرِّعُونَ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة حتى عَفَوْاْ وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضراء والسراء فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 94- 95] إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير} يدل على أن بلا يبلو تستعمل في الاختبار بالنِّعم، وبالمصائب والبلايا. وقال بعض العلماء: أكثر ما يستعمل في الشرِّ بلا يبلو، وفي الخبر أبلى يبلى.
وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن أبي سلمى:
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ** وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو

وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير} قال: أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال. اهـ.

.قال عبد الكريم الخطيب:

قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا السماء سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ}.
وكما أوجد اللّه سبحانه الأرض على هذه الصورة، وجعل فيها رواسى، وفجاجا سبلا، كذلك أقام السماء كما نرى، سقفا محفوظا بيد القدرة، فلا يقع علينا..
وفى قوله تعالى: {وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ} إشارة إلى ما في السماء من آيات ناطقة بقدرة اللّه، شاهدة على علمه وحكمته.. ببنائها القائم، وبما تتزين به من كواكب ونجوم.. ولَكِن هؤلاء الضالين، المشركين، في غفلة عن تلك الآيات الباهرة، لا يلقون إليها نظرا، ولا يديرون نحوها عقلا..
وفى إضافة الآيات إلى السماء، إشارة إلى عظمة هذا العالم العلوي، وأن السماء كون عظيم، وأن كل ما لاح في هذا الكون، هو آية من آيات هذا الكون العظيم..
وفيما كشف العلم عنه من هذا العالم العلوىّ، ما يبهر العقول، ويعجز الخيال.. وهو إلى جانب ما لم ينكشف أشبه بذرة من عالم الرمال، أو قطرة من عالم الماء فأين العقول التي تنظر؟ وأين البصائر التي تستبصر؟
قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}.
هو عرض لبعض مظاهر قدرة اللّه، التي أشارت الآيات السابقة إلى بعض منها.. ومن مظاهر القدرة الإلهية خلق الليل والنهار، والشمس والقمر، وإجراء كل منها في فلك خاص به، ومدار لا يتعداه..
وفى التعبير عن حركة الليل والنهار، بالخلق، إشارة إلى ما لهما من وجود ذاتىّ غير عارض، وأن وجودهما مقصود لذاته، حيث يأخذان من الوجود ويعطيان، شأنهما في هذا شأن الإنسان المكلّف، المطلوب منه رسالة يؤديها في الحياة..
وشأنهما كذلك شأن الشمس والقمر، فهما أي الليل والنهار، وإن كانا مظهرا من مظاهر حركة الأرض حول نفسها، إلا أنهما صاحبا سلطان على كل ما يقع في فلكهما، كما للشمس سلطان على كل ما يقع في فلكها،. ولهذا جاء قوله تعالى: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} مسندا فيه الفعل إلى هذه المخلوقات بضمير العاقل، ليشير بذلك إلى أنها كائنات تسير على هدى، فلا تزلّ، ولا تنحرف، حتى لكأنها موجهة بإرادة عقل رشيد حكيم.. فهى وإن بدت لنا أنها غير عاقلة، فإن نظامها الذي تجرى عليه ليدلّ على أنها تتحرك بتوجيه قوة عاقلة حكيمة، إن لم تكن في ذاتها فهى قائمة عليها..
أما حين لا تراد هذه المخلوقات لذاتها، وإنما تراد آثارها، أو بعض آثارها، فإن التعبير القرآنى عن ذلك يجىء بلفظ الجعل لا الخلق..
مثل قوله تعالى: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا} [96: الأنعام] وقوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً} [12: الإسراء]..
وفى ضمير الجمع العاقل في يَسْبَحُونَ إشارة إلى أنه وإن كان لكل مخلوق من هذه المخلوقات فلك يسبح فيه، فإنها جميعا ينتظمها فلك عام، هو فلك الوجود كله، الذي يحوى كل فلك! قوله تعالى: {وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ}.
كان المشركون يستثقلون مقام النبىّ الكريم فيهم، وقد ساقوا إليه من ضروب السّفه، وألوان الأذى، النفسي والمادي، في نفسه، وفى أصحابه، ما لا يحتمله إلا أولو العزم من الرسل.. فلما ضاقوا به ذرعا، وأعيتهم الوسائل في صده عن دعوته إلى اللّه- كان ممّا يعزّون به أنفسهم، ويمنّونها الأمانىّ فيه، أن ينتظروا به تلك الأيام أو السنين الباقية من عمره، وقد ذهب أكثره، ولم يبق إلا قليله، فقد التقى بهم الرسول الكريم وقد جاوز الأربعين، وها هو ذا صلوات اللّه وسلامه عليه، لا يزال بينهم وقد نيّف على الخمسين، وإذن فهى سنوات قليلة ينتظرونها على مضض، حتى يأتيه النون! وهذا ما حكاه القرآن عنهم في قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [30: الطور].
فجاء قوله تعالى: {وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} مسفّها هذا المنطق السقيم، الذي جعلوه أداة من أدوات الغلب في أيديهم.. فالموت حكم قائم على كل نفس.. فإذا مات النبىّ، فليس وحده هو الذي يصير إلى هذا المصير، وإنما الناس جميعا، صائرون إلى هذا المصير.. فكيف يكون الموت أداة من أدوات المعركة بينهم وبين النبي؟ وكيف يكون سلاحا عاملا في أيديهم على حين يكون سلاحا مفلولا في يده، إذا صحّ أن يكون من أسلحة المعركة؟
ولهذا ردّ اللّه عليهم بقوله: {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ}.. فما جوابهم على هذا؟ إنهم لن يخلّدوا في هذه الدنيا، فما هذه الدنيا دار خلود لحىّ..
{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [30: الزّمر].. إن المعركة بين حق وباطل، فما سلاحهم الذي يحاربون به في هذا الميدان؟ إنه الباطل، وإنه لمهزوم مخذول: {إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا} قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ} هو جواب على هذا السؤال الذي جاء في الآية السابقة: {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ}؟ وهو جواب ينطق به لسان الحال ويشهد له الواقع.
وفى قوله تعالى: {ذائِقَةُ الْمَوْتِ} إشارة إلى أن للموت طعما، تجده النفوس حين تفارق الأجساد..
وهذا الطعم يختلف بين نفس ونفس.. فالنفس المؤمنة تستعذب ورده، وتستسيغ طعمه، لما ترى فيه من خلاص لها من هذا القيد، الذي أمسك بها عن الانطلاق إلى عالمها العلوي، حيث تروى ظمأها، وتبرّد نار أشواقها، وتنعم في جنات النعيم التي وعد اللّه المتقين..
أما النفس الضالة الآثمة، فإنما يحضرها عند الموت، حصاد ما عملت من آثام، وما ارتكبت من منكرات، وتشهد ما يلقاها من غضب اللّه وعذابه، فتكره الموت، وتجد فيه ريح جهنم التي تنتظرها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [93: الأنعام] وقوله سبحانه: {فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ} [55: التوبة].
وفى قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ} إشارة إلى ما يقع للناس في دنياهم مما يرونه شرا أو خيرا.. فذلك كله ابتلاء لهم، واختبار لما يكون منهم مع الشرّ من صبر أو جزع، ومع الخير من شكر أو كفر..
فما تستقبله النفوس مما يكره، هو ابتلاء لها على الرضا بقضاء اللّه، والتسليم له.. وما تستقبله مما يحبّ، هو امتحان لها كذلك، على الشكر والحمد لما آتاها اللّه من فضله وإحسانه..
فالنفوس المؤمنة، لا تجزع من المكروه، ولا تكفر أو تبطر بالمحبوب، لأن كلّا من عند اللّه، وما كان من عند اللّه فهو خير كله، محبوب جميعه.. هكذا تجده النفوس المؤمنة باللّه، العارفة لجلاله، وعظمته، وحكمته..
أما النفوس الضالة عن اللّه، فإنها إن أصابها شيء من الضرّ، جزعت، وزادت كفرا وضلالا، وإن مسّها الخير، نفرت نفار الحيوان الشرس، واتخذت من نعمة اللّه سلاحا تحارب به اللّه، وتضرب في وجوه عباد اللّه..
وفى هذا يقول اللّه تعالى: {إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ} [19- 27: المعارج].
ونحبّ أن نقف هنا وقفة، مع قضية الخير والشرّ.. نعالج فيها ما يدور في بعض الرءوس من تساؤلات عن الشرّ وعن الحكمة في أن يقع في هذه الحياة، وعن ابتلاء الناس به، وعن نسبته إلى اللّه.. إلى غير ذلك مما سنعرضه مفصلا في المبحث التالي:
الخير والشر.. التّلازم بين الخير والشر:
ينزع العقل دائما إلى المزاوجة بين الأشياء التي تعرض له، وتدور في محيط تفكيره.. فلا يكاد أمر من الأمور يقع في مجال النظر العقلي، حتى يستثير له العقل من عالم الواقع، أو عالم الخيال، كائنا آخر، يقف منه موقف التضادّ والعناد، ليرى فيه كل الصفات السلبية للأمر الذي بين يديه.. فإذا ذاق المرء طمعا حلوا، ذكر الطعم المرّ، وإذا لمس اللّبن استشعر الخشن، وإذا فكر في الحق، تذكّر الباطل.. وهكذا تعيش الأشياء، من المعاني والمحسوسات، في عالم الحسّ والفكر، مثنى.. مثنى.. الأمر وضدّه.
ومحال أن يعترف العقل في عالم الواقع، بالوجود الفردىّ لشىء من الأشياء، أو معنى من المعاني.. حتى لكأن الأشياء والمعاني كائنات حيّة، لا يضمن بقاءها ووجودها، إلا هذه المزاوجة! التي تجمع بين الشيء ومقابله، كما تجمع في عالم الأحياء بين الذكر والأنثى..!!
إن الحقيقة الفردية لا وجود لها في منطق العقل، فهو لا يعرف الشيء، ولا يعترف به، إلا إذا عرف المقابل له، ولو كان هذا المقابل عدما وسلبا.. فهو إن عجز عن أن يجد في عالم الواقع ما يقابل أو يضاد الشيء الذي بين يديه، انتزع من صفات العدم والسلوب لهذا الشيء، مشخّصات يقيم منها شخصية تقابله مقابلة التضاد والعناد.. فالوجود يقابله العدم، والحياة يقابلها الموت.. وهكذا..
يقول الفيلسوف الأمريكى وليم چيمس: إننا لا ندرك تمام الإدراك القضية الصادقة، حتى نعلم مضمون ما يناقضها من قضايا كاذبة.. فالغلط ضرورى ليظهر الحقيقة على أحسن منوال، كما أن ظلام الجانب الخلفى- في آلة التصوير- ضرورى ليظهر صفاء الصورة ونضارتها.
ولعمر بن الخطاب- رضى اللّه عنه- كلمته المأثورة: «من لم يعرف الشرّ جدير بأن يقع فيه».
وعن طريق هذه الثنائية للأشياء، استطاع العقل أن يبعث الحياة في الكائنات الجامدة، وأن يقيم من المعاني المجرّدة مشخصات، حين يجمع بين المتضادات، ويقابل بين المتناقضات، فتتعاند، وتتصادم، ويتولد من تعاندها وتصادمها واحتكاكها، شرارات المعرفة، التي تكشف للعقل عن حقيقتين في وقت معا، عند معالجته لحقيقة واحدة.. هما: الشيء وضده، أو الشيء ومقابله.
وعن هذه الثنائية، نشأ هذا التلازم بين الخير والشر.. فإذا ذكر الخير، ذكر معه الشرّ، وظهرا معا في مجال الفكر متقابلين، تقابل الصورة وسالبها في عمل للصورة الفتوغرافية.