فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عطية:

وقوله: {وأيوب} أحسن ما فيه النصب بفعل مضمر تقديره واذكر أيوب، وفي قصص أيوب عليه السلام طول واختلاف من المفسرين، وتلخيص ذلك أنه روي أن أيوب عليه السلام، كان نبيًّا مبعوثًا إلى قوم، وكان كثير المال من الإِبل والبقر والغنم، وكان صاحب البثنية من أرض الشام يغمر كذلك مدة، ثم إن الله تعالى، لما أراد محنته وابتلاءه، أذن لإِبليس في أن يفسد ماله، فاستعان بذريته فأحرقوا ماله ونعمه أجمع، فكان كلما أخبر بشيء من ذلك حمد الله تعالى وقال هي عارية استردها صاحبها والمنعم بها، فلما رأى إبليس ذلك جاء فأخبر بعجزه عنه، وأذن الله له في إهلاكه بنيه وقرابته ففعل ذلك أجمع، فدام أيوب على شكره وصبره، فأخبره إبليس بعجزه، فأذن الله له في إِصابته في بدنه وحجر عليه لسانه وعينيه وقبله، فجاءه إبليس وهو ساجد، فنفخ في أنفه نفخة احترق بدنه وجعلها الله تعالى أُكلة في بدنه، فلما عظمت وتقطع أخرجه الناس من بينهم وجعلوه على سباطة ولم يبق معه بشر حاشى زوجته، ويقال كانت بنت يوسف الصديق، وقيل اسمها رحمة، وقيل في أيوب إنه من بني إسرائيل، وقيل من الروم من قرية عيصو، فكانت زوجته تسعى عليه وتأتيه يأكل وتقوم عليه، فدام في هذا العذاب مدة طويلة قيل ثلاثين سنة، وقيل ثماني عشرة، وقيل اثنتي عشرة، وقيل تسعة أعوام، وقيل ثلاثة، وهو في كل ذلك صابر وشاكر، حتى جاءه فيما روي ثلاثة ممن كان آمن به فوقذوه بالقول وأنبوه ونجهوه. وقالوا ما صنع بك ربك هذا إلا لخبث باطنه فيك، فراجعهم أيوب في آخر قولهم بكلام مقتضاه أنه ذليل لا يقدر على إِقامة حجة ولا بيان ظلامة، فخاطبه الله تعالى معاتبًا على هذه المقالة ومبينًا أنه لا حجة لأَحد مع الله يُسأل عما يفعل ثم عرفه تعالى بأنه قد أذن في صلاح حاله وعاد عليه بفضله، فدعا أيوب عن ذلك فاستجيب له، ويروى أن أيوب لم يزل صابرًا لا يدعو في كشف ما به، وكان فيما روي تقع منه الدود فيردها بيده، حتى مر به قوم كانوا يعادونه فشمتوا به، فتألم لذلك ودعا حينئذ فاستجيب له، وكانت امرأته غائبة عنه في بعض شأنها فأنبع الله تعالى له عينًا وأمر بالشرب منها فبرئ باطنه، وأمر بالاغتسال فبرئ ظاهره، ورد إلى أفضل جماله، وأتي بأحسن الثياب، وهب عليه رجل من جراد من ذهب فجعل يحثي منها في ثوبه فناداه الله تعالى يا أيوب ألم أغنيتك عن هذا، قال بلى يا رب ولَكِن لا غنى بي عن بركتك، فبينما هو كذلك إذ جاءت امرأته فلم تره على السباطة فجزعت وظنت أنه أزيل عنها، وجعلت تتوله فقال لها ما شأنك أيتها المرأة فهابته لحسن هيئته، وقالت إني فقدت مريضًا كان لي في هذا الموضع ومعالم المكان قد تغيرت، وتأملته في أثناء المقاولة، فرأت أيوب، فقالت له أنت أيوب، فقال لها نعم واعتنقها وبكى فروي أنه لم يفارقها حتى أراه الله تعالى جميع ماله حاضرًا بين يديه، واختلف الناس في أهله وولده بأعيانهم وجعل مثلهم له عدة في الآخرة، وقيل بل أتى جميع ذلك في الدنيا من أهل ومال وقوله تعالى: {وذكرى للعابدين} أي وتذكرة وموعظة للمؤمنين، ولا يعبد الله تعالى إلا مؤمن والذكرى إنما هي في محنته والرحمة في زوال ذلك، وقوله: {أني مسني الضر} تقديره بأني مسني فحذف الجار وبقيت {أني} في موضع نصب، وروي أن سبب محنة أيوب أنه دخل مع قوم على ماك جار عليه فأغلظ له القوم ولين له أيوب القول خوفًا منه على ماله، فعاقبه الله تعالى على ذلك، وروي أنه كان يقال له ما لك لا تدعو في العافية فكان يقول إني لأستحيي من الله تعالى أن أسأله زوال عذابه حتى يمر على فيه ما مر من الرخاء، وأصابه البلاء فيما روي وهو ابن ثمانين سنة.
{وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)}.
المعنى واذكر إسماعيل وهو إسماعيل بن إبراهيم الخليل وهو أبو العرب المعروفين اليوم في قول بعضهم {وإدريس} هو خنوخ هو أول نبي بعثه الله تعالى من بني آدم وروي أنه كان خياطًا وكان يسبح الله تعالى عند إدخال الإبرة ويحمده عند أخراجها وذو الكفل كان نبيًّا.
وروي أنه بعث إلى رجل واحد قيل لم يكن نبيًّا، ولَكِنه كان عبدًا صالحًا، وروي أن أليسع جمع بني إسرائيل فقال من يتكفل لي بصيام النهار وقيام الليل وأن لا يغضب وأوليه النظر للعباد بعدي، فقام إليه شاب فقال أنا لك بذلك فراجعه ثلاثًا في كل ذلك يقول أنا لك بذلك فاستعمله، فلما مات أليسع قام بالأمر فجاء إبليس ليغضبه وكان لا ينام إلا في القائلة فكان يأتيه وقت القائلة أيامًا فيوقظه ويشتكي ظلامته ويقصد تضييق صدره فلم يضق به صدرًا ومضى معه لينصفه فلما رأى إبليس ذلك غلس عنه وكفاه الله شره فسمي {ذا الكفل} لأنه تكفل بأمر فوفى به وباقي الآية بين. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وأيُّوبَ إِذ نادى ربَّه} أي: دعا ربَّه {أنِّي} وقرأ أبو عمران الجوني: إِني بكسر الهمزة، {مَسَّنيَ الضُّرُّ} وقرأ حمزة: مَسَّنِيْ بتسكين الياء، أي: أصابني الجَهْد، {وأنت أرحم الراحمين} أي: أكثرهم رحمة، وهذا تعريض منه بسؤال الرحمة إِذ أثنى عليه بأنه الأرحم وسكت.
الإشارة إِلى قصته:
ذكر أهل التفسير أن أيوب عليه السلام كان أغنى أهل زمانه، وكان كثير الإِحسان.
فقال إِبليس: يا رب سلِّطني على ماله وولده وكان له ثلاثة عشر ولدًا فإن فعلتَ رأيتَه كيف يُطيعني ويَعصيكَ، فقيل له: قد سلَّطْتُكَ على ماله وولده، فرجع إِبليس فجمع شياطينه ومردته، فبعث بعضهم إِلى دوابِّه ورعاته، فاحتملوها حتى قذفوها في البحر، وجاء إِبليس في صورة قيِّمه، فقال: يا أيوب ألا أراك تصلِّي وقد أقبلتْ ريح عاصف فاحتملت دوابَّك ورعاتها حتى قذفَتْها في البحر؟ فلم يردَّ عليه شيئًا حتى فرغ من صلاته، ثم قال الحمد لله الذي رزقني ثم قبله مِنِّي، فانصرف خائبًا، ثم أرسل بعض الشياطين إِلى جنانه وزروعه، فأحرقوها، وجاء فأخبره، فقال مثل ذلك، فأرسل بعض الشياطين فزلزلوا منازل أيوب وفيها ولده وخدمه، فأهلكوهم، وجاء فأخبره، فحمد الله، وقال لإِبليس وهو يظنه قيِّمه في ماله: لو كان فيكَ خير لقبضكَ معهم، فانصرف خائبًا، فقيل له: كيف رأيتَ عبدي أيوب؟ قال: يا ربِّ سلِّطني على جسده فسوف ترى، قيل له: قد سلَّطْتُكَ على جسده، فجاء فنفخ في إِبهام قدميه، فاشتعل فيه مثل النار، ولم يكن في زمانه أكثر بكاءً منه خوفًا من الله تعالى، فلما نزل به البلاء لم يبكِ مخافة الجزع، وبقي لسانُه للذِّكر، وقلبه للمعرفة والشُّكر، وكان يرى أمعاءه وعروقه وعظامه، وكان مرضه أنه خرج في جميع جسده ثآليل كأليات الغنم، ووقعت به حكّة لا يملكها، فحكَّ بأظفاره حتى سقطت، ثم بالمسوح، ثم بالحجارة، فأنتن جسمه وتقطَّع، وأخرجه أهل القرية فجعلوا له عريشًا على كُناسة، ورفضه الخلق سوى زوجته، واسمها رحمة بنت إِفراييم بن يوسف بن يعقوب، فكانت تختلف إِليه بما يصلحه، وروى أبو بكر القرشي عن الليث بن سعد، قال: كان ملك يظلم الناس، فكلَّمه في ذلك جماعة من الأنبياء، وسكت عنه أيوب لأجل خيل كانت له في سلطانه، فأوحى الله إِليه: تركتَ كلامَه من أجل خيلك؟! لأطيلنَّ بلاءك.
واختلفوا في مدة لبثه في البلاء على أربعة أقوال:
أحدها: ثماني عشرة سنة، رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
والثاني: سبع سنين، قاله ابن عباس، وكعب، ويحيى بن أبي كثير.
والثالث: سبع سنين وأشهر، قاله الحسن.
والرابع: ثلاث سنين، قاله وهب.
وفي سبب سؤاله العافية ستة أقوال:
أحدها: أنه اشتهى إِدامًا، فلم تُصبه امرأته حتى باعت قرنًا من شعرها، فلما علم ذلك، قال: {مسَّني الضُّر}، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثاني: أن الله تعالى أنساه الدعاء مع كثرة ذكره الله، فلما انتهى أجل البلاء، يسّر له الدعاء، فاستجاب له، رواه العوفي عن ابن عباس.
والثالث: أن نفرًا من بني إِسرائيل مرُّوا به، فقال بعضهم لبعض: ما أصابه هذا إِلا بذنْب عظيم، فعند ذلك قال: {مسَّني الضُّر}، قاله نوف البكالي.
وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان له أخوان، فأتياه يوما فوجدا ريحًا، فقالا: لو كان الله علم منه خيرًا ما بلغ به كلّ هذا، فما سمع شيئًا أشدَّ عليه من ذلك، فقال: اللهم إِن كنتَ تعلم أنِّي لم أَبِت ليلةً شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدِّقني، فصُدِّق وهما يسمعان، ثم قال: اللهم إِن كنتَ تعلم أنِّي لم ألبس قميصًا وأنا أعلم مكان عارٍ فصدِّقني، فصُدِّق وهما يسمعان، فخرَّ ساجدًّا، ثم قال: اللهم لا أرفع رأسي حتى تكشفَ ما بي، فكشف الله عز وجل ما به.
والرابع: أن إِبليس جاء إِلى زوجته بسخلة، فقال: ليذبح أيوب هذه لي وقد بَرَأ، فجاءت فأخبرته، فقال: إِن شفاني الله لأجلدنَّك مائة جلدة، أمرتني أن أذبح لغير الله؟! ثم طردها عنه، فذهبتْ، فلما رأى أنه لا طعام له ولا شراب ولا صديق، خرَّ ساجدًّا وقال: {مسَّني الضُّر}، قاله الحسن.
والخامس: أن الله تعالى أوحى إِليه وهو في عنفوان شبابه: إِني مبتليك، قال: يا رب، وأين يكون قلبي؟ قال: عندي، فصبَّ عليه من البلاء ما سمعتم، حتى إِذا بلغ البلاء منتهاهـ. أوحى إِليه أني معافيكَ، قال: يا رب، وأين يكون قلبي؟ قال: عندك، قال: {مسَّني الضُّر}، قاله إبراهيم بن شيبان القرميسي فيما حدّثنا به عنه.
والسادس: أن الوحي انقطع عنه أربعين يوما، فخاف هجران ربِّه، فقال: {مسَّني الضُّر}، ذكره الماوردي.
فإن قيل: أين الصبر، وهذا لفظ الشكوى؟
فالجواب: أن الشكوى إِلى الله لا تنافي الصبر، وإِنما المذموم الشكوى إِلى الخَلْق، ألم تسمع قول يعقوب: {إِنما أشكو بَثِّي وحُزْني إِلى الله} [يوسف: 86].
قال سفيان بن عيينة: وكذلك من شكا إِلى الناس، وهو في شكواه راضٍ بقضاء الله، لم يكن ذلك جزعًا، ألم تسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل في مرضه: أجدني مغموما وأجدني مكروبًا، وقوله: بل أنا وارأساه.
قوله تعالى: {وآتيناه أهله} يعني: أولاده {ومِثْلَهُمْ معهم} فيه أربعة أقوال:
أحدها: أن الله تعالى أحيا له أهله بأعيانهم، وآتاه مثلهم معهم في الدنيا، قاله ابن مسعود، والحسن، وقتادة.
وروى أبو صالح عن ابن عباس: كانت امرأته ولدت له سبعة بنين وسبع بنات، فنُشِروا له؛ وولدت له امرأته سبعة بنين وسبع بنات.
والثاني: أنهم كانوا قد غُيِّبوا عنه ولم يموتوا، فآتاه إِياهم في الدنيا ومثلهم معهم في الآخرة، رواه هشام عن الحسن.
والثالث: آتاه الله أجور أهله في الآخرة، وآتاه مثلهم في الدنيا، قاله نوف، ومجاهد.
والرابع: آتاه أهله ومثلهم معهم في الآخرة، حكاه الزجاج.
قوله تعالى: {رحمةً مِنْ عندنا} أي: فعلنا ذلك به رحمةً مِنْ عندنا، {وذِكرى} أي: عِظةً {للعابدين} قال محمد بن كعب: من أصابه بلاء فليذكر ما أصاب أيوب، فليقل: إِنه قد أصاب من هو خيرٌ مني.
قوله تعالى: {وذا الكفل} اختلفوا هل كان نبيًّا، أم لا؟ على قولين:
أحدهما: أنه لم يكن نبيًّا، ولَكِنه كان عبدًا صالحًا، قاله أبو موسى الأشعري، ومجاهد.
ثم اختلف أرباب هذا القول في علَّه تسميته بذي الكفل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن رجلًا كان يصلِّي كلَّ يوم مائة صلاة فتوفي، فكفل بصلاته، فسمِّي: ذا الكفل، قاله أبو موسى الأشعري.
والثاني: أنه تكفل للنبيّ بقومه أن يكفيه أمرهم ويقيمه ويقضي بينهم بالعدل، ففعل، فسمِّي: ذا الكفل، قاله مجاهد.
والثالث: أن ملِكًا قَتل في يوم ثلاثمائمة نبيٍّ، وفرَّ منه مائة نبيٍّ، فكفلهم ذو الكفل، يطعمهم ويسقيهم حتى أُفلتوا، فسمِّي: ذا الكفل، قاله ابن السائب.
والقول الثاني: أنه كان نبيًّا، قاله الحسن، وعطاء.
قال عطاء: أوحى الله تعالى إِلى نبيّ من الأنبياء: إِني أُريد قبض روحك، فاعرض مُلكك على بني إِسرائيل، فمن تكفَّل لك بأنه يصلِّي الليل لا يفتر، ويصوم النهار لا يفطر، ويقضي بين الناس ولا يغضب، فادفع مُلككَ إِليه، ففعل ذلك، فقام شابّ فقال: أنا أتكفَّل لك بهذا، فتكفَّل به، فوفى، فشكر اللهُ له ذلك، ونبَّاهـ. وسمِّي: ذا الكفل.
وقد ذكر الثعلبي حديث ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكفل: «أنه كان رجلًا لا ينزع عن ذنب، وأنه خلا بامرأة ليفجر بها، فبكت، وقالت: ما فعلتُ هذا قطّ، فقام عنها تائبًا، ومات من ليلته، فأصبح مكتوبًا على بابه: قد غفر الله للكفل»؛ والحديث معروف، وقد ذكرتُه في الحدائق، فجعله الثعلبي أحد الوجوه في بيان ذي الكفل، وهذا غلط، لأن ذلك اسمه الكفل، والمذكور في القرآن يقال له: ذو الكفل، ولأن الكفل مات في ليلته التي تاب فيها، فلم يمض عليه زمان طويل يعالج فيه الصبر عن الخطايا.
وإِذا قلنا: إِنه نبيّ، فإن الأنبياء معصومون عن مثل هذا الحال.
وذكرت هذا لشيخنا أبي الفضل بن ناصر رحمه الله تعالى، فوافقني، وقال: ليس هذا بذاك.
قوله تعالى: {كُلٌّ من الصابرين} أي: على طاعة الله وترك معصيته، {وأدخلناهم في رحمتنا} في هذه الرحمة ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الجنة، قاله ابن عباس.
والثاني: النبوَّة، قاله مقاتل.
والثالث: النِّعمة والموالاة، حكاه أبو سليمان الدمشقي. اهـ.