فصل: فوائد لغوية وإعرابية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



لقد سمي ذا النون أي صاحب الحوت لأن الحوت التقمه ثم نبذه، وقصة ذلك أنه أرسل إلى قرية فدعا أهلها إلى الله فاستعصوا عليه، فضاق بهم صدرًا، وغادرهم مغاضبًا، ولم يصبر على معاناة الدعوة معهم. ظانًا أن الله لن يضيق عليه الأرض، فهي فسيحة، والقرى كثيرة، والأقوام متعددون. وما دام هؤلاء يستعصون على الدعوة، فسيوجهه الله إلى قوم آخرين. ذلك معنى {فظن أن لن نقدر عليه} أي أن لن نضيق عليه.
وقاده غضبه الجامح، وضيقه الخانق، إلى شاطئ البحر، فوجد سفينة مشحونة فركب فيها. حتى إذا كانت في اللجة ثقلت، وقال ربانها: إنه لابد من إلقاء أحد ركابها في البحر لينجو سائر من فيها من الغرق. فساهموا فجاء السهم على يونس، فألقوه أو ألقى هو بنفسه. فالتقمه الحوت، مضيقًا عليه أشد الضيق! فلما كان في الظلمات: ظلمة جوف الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل نادى: {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}. فاستجاب الله دعاءه، ونجاه من الغم الذي هو فيه. ولفظه الحوت على الساحل. ثم كان من أمره ما يفصله في سورة الصافات. فحسبنا هذا في هذا السياق.
إن في هذه الحلقة من قصة يونس عليه السلام لفتات ولمسات نقف أمامها لحظات.
إن يونس لم يصبر على تكاليف الرسالة، فضاق صدرًا بالقوم، وألقى عبء الدعوة، وذهب مغاضبًا، ضيق الصدر، حرج النفس؛ فاوقعه الله في الضيق الذي تهون إلى جانبيه مضايقات المكذبين. لولا أن ثاب إلى ربه! واعترف بظلمه لنفسه ودعوته وواجبه. لما فرج الله عنه هذا الضيق. ولَكِنها القدرة حفظته ونجته من الغم الذي يعانيه.
وأصحاب الدعوات لابد أن يحتملوا بتكاليفها، وأن يصبروا على التكذيب بها، والإيذاء من أجلها. وتكذيب الصادق الواثق مرير على النفس حقًّا. ولَكِنه بعض تكاليف الرسالة. فلابد لمن يكلفون حمل الدعوات أن يصبروا ويحتملوا، ولابد أن يثابروا ويثبتوا. ولابد أن يكرروا الدعوة ويبدئوا فيها ويعيدوا.
إنهم لا يجوز لهم أن ييأسوا من صلاح النفوس واستجابة القلوب، مهما واجهوا من إنكار وتكذيب، ومن عتو وجحود. فإذا كانت المرة المائة لم تصل إلى القلوب، فقد تصل المرة الواحدة بعد المائة.
وقد تصل المرة الواحدة بعد الألف.. ولو صبروا هذه المرة وحاولوا ولم يقنطوا لتفتحت لهم أرصاد القلوب!
إن طريق الدعوات ليس هينًا لينًا. واستجابة النفوس للدعوات ليست قريبة يسيرة. فهناك ركام من الباطل والضلال والتقاليد والعادات، والنظم والأوضاع، يجثم على القلوب. ولابد من إزالة هذا الركام. ولابد من استحياء القلوب بكل وسيلة. ولابد من لمس جيمع المراكز الحساسة. ومن محاولة العثور على العصب الموصل.. وإحدى اللمسات ستصادف مع المثابرة والصبر والرجاء. ولمسة واحدة قد تحول الكائن البشري تحويلًا تامًا في لحظة متى أصابت اللمسة موضعها. وإن الإنسان ليدهش أحيانًا وهو يحاول ألف محاولة، ثم إذا لمسة عابرة تصيب موضعها في الجهاز البشري فينتفض كله بأيسر مجهود، وقد أعيا من قبل على كل الجهود!
وأقرب ما يحضرني للتمثيل لهذه الحالة جهاز الاستقبال عند البحث عن محطة إرسال.. إنك لتحرك المشير مرات كثيرة ذهابًا وإيابًا فتخطئ المحطة وأنت تدقق وتصوب. ثم إذا حركة عابرة من يدك. فتتصل الموجة وتنطلق الأصداء والأنغام!
إن القلب البشري هو أقرب ما يكون إلى جهاز الاستقبال. وأصحاب الدعوات لابد ان يحاولوا تحريك المشير ليتلقى القلب من وراء الأفق. ولمسة واحدة بعد الف لمسة قد تصله بمصدر الإرسال!
إنه من السهل على صاحب الدعوة أن يغضب لأن الناس لا يستجيبون لدعوته، فيهجر الناس.. إنه عمل مريح، قد يفثأ الغضب، ويهدئ الأعصاب.. ولَكِن أين هي الدعوة؟ وما الذي عاد عليها من هجران المكذبين المعارضين؟!
إن الدعوة هي الأصل لا شخص الداعية! فليضق صدره. ولَكِن ليكظم ويمض. وخير له أن يصبر فلا يضيق صدره بما يقولون!
إن الداعية أداة في يد القدرة. والله أرعى لدعوته وأحفظ. فليؤد هو واجبه في كل ظرف، وفي كل جو، والبقية على الله. والهدى هدى الله.
وإن في قصة ذي النون لدرسًا لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتأملوه.
وإن في رجعة ذي النون إلى ربه واعترافه بظلمه لعبرة لأصحاب الدعوات ينبغي أن يتدبروها.
وإن رحمة الله لذي النون واستجابة دعائه المنيب في الظلمات لبشرى للمؤمنين: {كذلك ننجي المؤمنين}..
ثم إشارة إلى قصة زكريا ويحيى عليهما السلام واستجابة الله لزكريا دعاه:
{وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبًا ورهبًا وكانوا لنا خاشعين}..
وقصة مولد يحيى سبقت مفصلة في سورة مريم وفي سورة آل عمران. وهي ترد هنا متناسقة مع السياق. فتبدأ بدعاء زكريا: {رب لا تذرني فردًا} بلا عقب يقوم على الهيكل: وكان زكريا قائمًا على هيكل العبادة في بني إسرائيل قبل مولد عيسى عليه السلام ولا ينسى زكريا أن الله هو وارث العقيدة ووارث المال: {وأنت خير الوارثين} إنما هو يريد من ذريته من يحسن الخلافة بعده في أهله ودينه وماله.
لأن الخلق ستار القدرة في الأرض.
وكانت الاستجابة سريعة ومباشرة: {فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ} وكانت عقيما لا تصلح للنسل.. ويختصر السياق تفصيلات هذا كله ليصل مباشرة إلى استجابة اللّه للدعاء.
{إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ}.. فسارع اللّه في استجابة الدعاء.
{وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا}.. رغبة في الرضوان ورهبة للغضب. فقلوبهم وثيقة الصلة دائمة التطلع.
{وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ}.. لا متكبرين ولا متجبرين..
بهذه الصفات في زكريا وزوجه وابنهما يحيى استحق الوالدان أن ينعم عليهما بالابن الصالح. فكانت أسرة مباركة تستحق رحمة اللّه ورضاه.
أخيرا يذكر مريم بمناسبة ذكر ابنها عليه السلام:
{وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابنها آيَةً لِلْعالَمِينَ}..
ولا يذكر هنا اسم مريم، لأن المقصود في سلسلة الأنبياء هو ابنها- عليه السلام- وقد جاءت هي تبعا له في السياق. إنما يذكر صفتها المتعلقة بولدها: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها}. أحصنته فصانته من كل مباشرة.
والإحصان يطلق عادة على الزواج بالتبعية، لأن الزواج يحصن من الوقوع في الفاحشة. أما هنا فيذكر في معناه الأصيل، وهو الحفظ والصون أصلا من كل مباشرة شرعية أو غير شرعية. وذلك تنزيها لمريم عن كل ما رماها به اليهود مع يوسف النجار الذي كان معها في خدمة الهيكل. والذي تقول عنه الأناجيل المتداولة، إنه كان قد تزوجها ولَكِنه لم يدخل بها ولم يقربها.
لقد أحصنت فرجها {فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا} والنفخ هنا شائع لا يحدد موضعه كما في سورة التحريم- وقد سبق الحديث عن هذا الأمر في تفسير سورة مريم- ومحافظة على أن نعيش في ظلال النص الذي بين أيدينا فإننا لا نفصل ولا نطوّل، فنمضي مع النص إلى غايته:
{وَجَعَلْناها وَابنها آيَةً لِلْعالَمِينَ}..
وهي آية غير مسبوقة ولا ملحوقة. آية فذة واحدة في تاريخ البشرية جميعا. ذلك أن المثل الواحد من هذا النوع يكفي لتتأمله البشرية في أجيالها جميعا وتدرك يد القدرة الطليقة التي تخلق النواميس، ولَكِنها لا تحتبس داخل النواميس. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)}.
قوله: {أُمَّةً وَاحِدَةً}: العامَّةُ على رفع {أمتكُم} خبرًا لـ: أن ونصب {أمةً واحدةً} على الحالِ. وقيل على البدل من {هذه}، فيكونُ قد فُصِلَ بالخبرِ بين البدلِ والمبدلِ منه نحو إن زيدًا قائمٌ أخاك.
وقرأ الحسنُ {أُمَّتَكم} بالنصبِ على البدل من {هذه} أو عطف البيان. وقرأ أيضًا هو وابن أبي إسحاق والأشهبُ العقيلي وأبو حيوة وابن أبي عبلة وهارون عن أبي عمرو {أُمَّتُكم أمَّةٌ واحدةٌ} برفع الثلاثة على أنْ تكونَ {أمتُكم} خبرَ أن كما تقدَّم و{أمةٌ واحدةٌ} بدلٌ منها بدلُ نكرةٍ من معرفةٍ، أو تكونَ {أمةٌ واحدةٌ} خبرَ مبتدأ محذوفٍ.
{وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)}.
قوله: {أَمْرَهُمْ}: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الخفضِ أي: تَفَرَّقوا في أمرِهم. الثاني: أنه مفعولٌ به، وعدى تَقَطَّعوا لأنه بمعنى قَطَّعوا. الثالث: أنه تمييزٌ. وليس بواضحٍ معنىً وهو معرفةٌ، فلا يَصِحُّ من جهة صناعةِ البصريين. قال أبو البقاء: وقيل: هو تمييزٌ أي تقَّطع أمرُهم فجعله منقولًا من الفاعلية.
و{زُبُرًا} يجوز أن يكونَ مفعولًا ثانيًا على أن يُضَمَّنَ {تقطَّعوا} معنى صَيَّروا بالتقطيع، وإمَا أن ينتصِبَ على الحالِ من المفعول أي: مثلَ زُبُرٍ أي: كُتُبٍ؛ فإنَّ الزُّبُرَ جمعُ زَبُور كرُسُل جمعَ رسول، أو يكون حالًا من الفاعل. نقله أبو البقاء في سورة المؤمنين. وفيه نظرٌ؛ إذ لا معنى له، وإنما يَظْهر كونُه حالًا من الفاعلِ في قراءةِ {زُبَرا} بفتح الباءِ أي فِرَقًا. والمعنى: صَيَّروا أمرهم زُبُرًا أو تقطَّعوه في هذه الحالِ. والوجهان مأخوذان مِنْ تفسير الزمخشري لمعنى الآية الكريمة، فإنه قال: والمعنى: جعلوا أَمْرَ دينهم فيما بينهم قِطَعًا كما يتوزَّعُ الجماعةُ الشيءَ ويقتسمونه، فيطير لهذا نصيبٌ ولذلك نصيبٌ، تمثيلًا لاختلافهِم فيه وصيرورتِهم فِرَقًا وأحزابًا.
وفي الكلامِ التفاتٌ من الخطاب وهو قوله: {أمتُكم} إلى الغَيْبة تشنيعًا عليهم بسوءِ صنيعهم.
وقرأ الأعمش بفتحِ الباء جمع زُبْرَة، وهي قطعة الحديد في الأصل. ونصبُه على الحال من ضمير الفاعِل في {تقطَّعوا} وقد تقدَّم. ولم يَتَعرَّض له أبو البقاء في هذه السورة وتَعَرَّض له في المؤمنين فذكر فيه الأوجهَ المتقدمة وزاد أنه قرئ {زُبْرًا} بكونِ الباء، وهو بمعنى المضمومِها.
{فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)}.
قوله: {فَلاَ كُفْرَانَ} الكُفْران: مصدرٌ بمعنى الكُفْر. قال:
رأيتُ أُناسًا لا تَنام جُدُوْدُهُمْ ** وجَدّيْ ولا كفرانَ لله نائمُ

و{لِسَعْيه} متعلق بمحذوف أي: يكفُر لسَعْيه، ولا يتعلَّق بكفران؛ لأنه يَصير مُطوَّلًا، والمطوَّل يُنْصَبُ. وهذا مبنيُّ. والضميرُ في {له} يعودُ على السعي. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال في ملاك التأويل:

قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 92- 93]، وفي سورة المؤمنون: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 52- 53]، للسائل أن يسأل عن قوله في الأولى: {فَاعْبُدُونِ} وفي الثانية: {فَاتَّقُونِ}؟ وفي الأولى: {وَتَقَطَّعُوا} وفي الثانية {فَتَقَطَّعُوا}؟ وفيها أيضًا: {زُبُرًا} ولم يرد في الأولى؟ وأتبعت الأولى بقوله: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} والثانية بقوله: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ}؟ فهذه أربعة مواضع مما يسأل عنها؟
فأقول تمهيدًا للجواب: الأمة هنا الملة، وقوله: {إِنَّ هَذِهِ} إشارة إلى ملة الإسلام، قال الزمخشري: أي ملة الإسلام هي ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها، لا تنحرفون عنها، ملة واحدة وغير مختلفة، وأنا إلهكم إله واحد فاعبدون، والخطاب للناس كافة، قال: والأصل وتقطعتم إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه ينفي عنهم ما أسمدوه، ويقبح عندهم فعله، ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، قال والمعنى جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا كما تتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه فيصير لهذا نصيب ولذالك نصيب، تمثيلًا لاختلافهم فيه وصيرورتهم فرقًا وأحزابًا شتى، ثم توعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو يحاسبهم ويجازيهم، هذا معنى كلامه.
ونرجع إلى الجواب فنقول: الجواب عن الأول أن سورة الأنبياء لم يرد فيها ذكر لفظ التقوى في أمر ولا خبر من أولها إلى آخرها، وورد الأمر بالعبادة في قوله: {وما أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]. وأما سورة المؤمنون فتكرر فيها ذكر التقوى في ثلاثة مواضع، أولها- قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23]، وفي ما بعد الآية المتكلم فيها {قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 87]، فروعي في الأولى ما تقدمها، ونوسب بالثانية ما اكتنفها، وأيضًا فإن العبادة مأمور بها ليحصل الاتقاء، فهي مقدمة في الطلب لتحصيل ما يتسبب عنها إذا كانت الإجابة، وعلى ذلك ورد دعاء الخلق، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، وفي سورة المؤمنون المذكورة: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [المؤمنون: 23]، فالاتصاف بالتقوى ثان عن الاتصاف بالعبادة، فقيل في الأنبياء: {فَاعْبُدُونِ} وفي سورة المؤمنون: {فَاتَّقُونِ}، وكلاهما ذكر على مقتضى الترتيب، وأيضًا فإنا إذا اعتبرنا ما قدم من قصص الرسل في السورتين وجدنا الوارد في سورة الأنبياء مقصورًا على ذكر منحهم وتخليصهم وتأييدهم من لدن قوله تعالى في إبراهيم: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ} [الأنبياء: 51]، وقوله: {وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73]، فتضمنت هذه الآي بضعة عشر نبيًّا، أولهم إبراهيم وآخرهم من أعقب ذكره بالآية المذكورة، وقد اقتصر من قصصهم في هذه الآي على ما يطلع المؤمنين على تكفله سبحانه بالمصطفين من عباده وما اختصهم به، ولم يرد مع ذلك تكذيب قومهم لهم، ولا ما يرجع إلى هذا وكل هذا تأنيس وذكر نعم وآلاء وألطاف يناسبها قوله: {فَاعْبُدُونِ} لكونه أمرًا بالعبادة مجردًا عما في قوله: {فَاتَّقُونِ} من التخويف.
وأما الوارد في سورة طه فمتضمن الطرف الذي عدل عنه في سورة الأنبياء، وهو ذكر جواب الأمم للرسل وقبيح تكذيبهم إياهم وشنيع ردهم وقبيح مقالهم كقول قوم نوح، عليه السلام: {مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ} [المؤمنون: 24]، {مَا سَمِعْنَا بِهذا فِي آبَائِنَا الأولينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ} [المؤمنون: 24- 25]، ثم بالغوا في الاستهزاء بقولهم في إخبار الله تعالى عنهم: {فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون: 25]، وقول أهل القرون المذكورين بعد قوم نوح لنبيهم: {مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَا تَشْرَبُونَ} [المؤمنون: 33]، وقوله: {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشرًّا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون: 34] إلى قوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ} [المؤمنون: 38]، وقوله تعالى لما تواتر ذكر إرسال الرسل وتكذيب قومهم لهم فقال تعالى: {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ} [المؤمنون: 44] إلى قوله: {فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 44]، وقال تعالى مخبرًا عن قوم موسى: {فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوما عَالِينَ} [المؤمنون: 46]، فناسب هذا التخويف بقوله عقب هذا: {فَاتَّقُونِ}، كما ناسب ما تقدم في آية سورة الأنبياء قوله تعالى: {فَاعْبُدُونِ}، ولم يكن ليناسب ورود واحدة منها موضع الأخرى، فجاء كل على ما يجب، ولا يمكن خلافه.