فصل: (سورة الحج: الآيات 47- 53):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة الحج: الآيات 47- 53]:

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوما عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وإلي المصير (48) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (51) وما أرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أمنيته فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (53)}.

.الإعراب:

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} الواو عاطفة و{يستعجلونك} فعل مضارع وفاعل ومفعول به و{بالعذاب} متعلقان بيستعجلونك أي يطلبون عجلتك على سبيل الاستهزاء والواو عاطفة و{لن} حرف نفي ونصب واستقبال و{يخلف} فعل مضارع منصوب بلن و{اللّه} فاعل و{وعده} مفعول به.
{وَإِنَّ يَوما عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّونَ} الواو للحال و{ان} واسمها و{عند ربك} الظرف متعلق بمحذوف حال والكاف خبر {إن} ومما صفة لسنة وجملة {تعدون} صلة واقتصر في التشبيه على الألف لأن الألف منتهى العدد بلا تكرار وأيام الشدائد مستطالة على حد قول الشاعر:
فقصارهن مع الهموم طويلة ** وطوالهن مع السرور قصار

{وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وإلي المصير} الواو عاطفة قال الزمخشري في كشافه: فإن قلت لم عطفت الأولى بالفاء وهذه بالواو؟ قلت الأولى وقعت بدلا من قوله: {فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ} وأما هذه فحكمها حكم الجملتين المعطوفتين بالواو أعني قوله: {وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} و{إِنَّ يَوما عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَا تَعُدُّونَ} {وكأين} خبرية في محل رفع مبتدأ و{من قرية} في محل نصب تمييز {كأين} وجملة {أمليت لها} صفة لقرية والواو حالية {وهي} مبتدأ و{ظالمة} خبر والجملة في محل نصب على الحال {ثم أخذتها} عطف على {أمليت} {وإلي} الواو عاطفة أو حالية و{إلي} خبر مقدم و{المصير} مبتدأ مؤخر.
{قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} {يا} حرف نداء و{أيها} منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب على النداء والهاء للتنبيه و{الناس} بدل من أي و{إنما} كافة ومكفوفة و{أنا} مبتدأ و{نذير} خبر و{مبين} صفة.
{فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} الفاء تفريعية والذين مبتدأ وجملة {آمنوا} صلة {وعملوا} عطف على {آمنوا} و{الصالحات} مفعول به و{لهم} خبر مقدم و{مغفرة} مبتدأ مؤخر {ورزق} عطف على {مغفرة} و{كريم} صفة لرزق وجملة {لهم مغفرة} خبر الذين.
{وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ} الواو عاطفة و{الذين} مبتدأ وجملة {سعوا} صلة و{في آياتنا} متعلقان بسعوا ومعنى السعي في الآيات إفسادها وتزييفها وإبطالها يقال سعيت في أمر فلان إذا أصلحته أو أفسدته بهذا السعي ومعاجزين حال أي مسابقين في زعمهم وتقديرهم قد سولت لهم أنفسهم أنهم يستطيعون إبطالها وصرف الناس عن اتباعها فالمفاعلة لا تخلو من معنى الظن والاعتقاد بالنسبة إليهم، و{أولئك} مبتدأ و{أصحاب الجحيم} خبره والجملة خبر {الذين}.
{وما أرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أمنيته} الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في تسلية ثانية للنبي صلى الله عليه وسلم، و{ما} نافية و{أرسلنا} فعل وفاعل و{من قبلك} متعلقان بأرسلنا و{من} لابتداء الغاية و{من رسول} {من} زائدة و{رسول} مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول به لأرسلنا {ولا نبي} عطف على {من رسول} و{إلا} أداة حصر و{إذا} ظرف مستقبل وجملة {تمنى} في محل جر بإضافة الظرف وجملة {ألقى الشيطان} لا محل لها والجملة الشرطية بعد {إلا} تحتمل وجوها أرجحها أن تكون في محل جر صفة لرسول على اللفظ والنصب على المعنى ويجوز أن تكون حالا ولك أن تجعل الاستثناء منقطعا فتكون {إلا} أداة استثناء والجملة نصب على الاستثناء و{في أمنيته} متعلقان بألقى وسيأتي معنى هذا الإلقاء وقصة سبب النزول في باب الفوائد، وقد استشكل أبو حيان مجيء جملة ظاهرها الشرط بعد إلا وهو إذا تمنى ألقى، وأجاب عن ذلك بأن إذا جردت للظرفية ولا شرط فيها وفصل بها بين إلا والفعل الذي هو ألقى وهو فصل جائز فيكون إلا قد وليها ماض في التقدير ووجه شرط وهو تقدم فعل قبل إلا وهو أرسلنا قال ابن هشام: والذي يظهر انما هو فيما إذا ولي إلا لفظ الفعل وهذا لم يقع في الآية فلا إشكال ولا حاجة لتأويل إذا بأنها خرجت عن الشرطية.
{فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} الفاء استئنافية وينسخ اللّه فعل مضارع وفاعل و{ما} مفعول به وجملة {يلقي الشيطان} صلة {ثم} حرف عطف و{يحكم اللّه} فعل وفاعل و{آياته} مفعول به {واللّه عليم حكيم} جملة اعتراضية مؤلفة من مبتدأ وخبريه.
{لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ} اللام للتعليل والفعل بعدها منصوب بأن مضمرة وهي متعلقة بيحكم أي ثم يحكم اللّه آياته ليجعل ويجوز أن تتعلق بينسخ وما موصولية أو مصدرية وهي على كل حال مفعول به أول وجملة {يلقي الشيطان} صلة و{فتنة} مفعول به ثان و{للذين} صفة لفتنة و{في قلوبهم} خبر مقدم و{مرض} مبتدأ مؤخر والجملة صلة {للذين} {والقاسية} عطف على الذين و{قلوبهم} فاعل {القاسية} ومن المفيد أن نذكر أن ال في {القاسية} موصولة و{القاسية} صفتها وأنثها لأن مرفوعها وهو {قلوبهم} مؤنث مجازي.
{وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ} الواو حالية أو استئنافية وإن واسمها واللام المزحلقة وفي شقاق خبرها و{بعيد} صفة لشقاق.

.الفوائد:

أسطورة الغرانيق:
نعرض الآن لمسألة شغلت علماء المسلمين في القديم والحديث، واستأثرت باهتمام الكثيرين منهم لخطورتها، وجسامة ما تنطوي عليه من أمور لا يجوز للباحث أن يمرّ بها مرور الراكب العجلان، فهي تمسّ جوهر العقيدة، وتتعلق بعصمة صاحب الرسالة، فإلقاء الكلام على عواهنه فيها من غير تمعن ولا تمحيص لا يجوز بحال وسنعمد إلى سرد الأسطورة على علاتها وكما نقلها المفسرون من غير تفنيد لها أو اثارة للشكوك حولها، وكثر تناقلها حتى أصبحت حديث السمر تروّح به النفس ويزجى بها الفراغ والناس بطبعهم ميالون إلى كل غريب وهذه هي الاسطورة:
لما رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم إعراض قومه عنه، لعيبه أصنامهم وزرايته بآلهتهم، أخذه الضجر من هذا الإعراض، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم لعله يتخذ ذلك طريقا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هوى وهو في نادي قومه وذلك التمني في نفسه فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله: وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأخرى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، وروى الغرانقة ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه إليه وقيل نبهه جبريل عليه السلام أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي وطابت نفوسهم وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من اللّه وابتلاء زاد المنافقون به شكا وظلمة والمؤمنون نورا وإيقانا.
وفيما يلي طائفة من أقوال العلماء والمفسرين فقال الرازي ما خلاصته:
هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم تكلم في أن رواة هذه القصة مطعونون وأيضا فقد روى البخاري في صحيحه أنه عليه الصلاة والسلام قرأ سورة النجم وسجد معه المسلمون والمشركون والانس والجن وليس فيه حديث الغرانيق بل روي هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها البتة حديث الغرانيق ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان ولو جوّزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك أي مما ألقاه الشيطان على لسانه ويبطل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ} فانه لا فرق في العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة وقد قيل: إن هذه القصة من وضع الزنادقة لا أصل لها. اهـ. كلام الرازي.
أما شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني شارح البخاري فقد نبه في فتح الباري على البخاري على ثبوت أصلها وقال سامحه اللّه: أخرج ابن أبي حاتم والطبري وابن المنذر من طرق عن شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بمكة والنجم فلما بلغ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأخرى} ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجى فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فلما ختم السورة سجد وسجدوا فكبر ذلك على النبي فنزل تسلية له {وما أرسلنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أمنيته} أي في قراءته بين كلماته.
وأخرجه البزار وابن مردويه من طريق أمية بن خالد عن شعبة فقال في إسناده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب ثم ساق الحديث المذكور وقال البزار: لا يروى إلا متصلا بهذا الإسناد وتفرد بوصله أمية بن خالد وهو ثقة مشهور.
وأوردها الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس. ومعناهم كلهم في ذلك واحد وكل من طرقها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع ولَكِن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا مع أن لها طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط الصحيح، أحدهما ما أخرجه الطبري عن طريق يونس بن زيد عن ابن شهاب، حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فذكر نحوه، والثاني ما أخرجه من طريق المعتمر بن سليمان وحماد بن سلمة كلاهما عن داود بن أبي هند عن أبي العالية.
وقال ابن حجر العسقلاني في معرض رده على القاضي أبي بكر ابن العربي: وقد تجرأ ابن العربي كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة لا أصل لها وهو إطلاق مردود عليه وكذا قول القاضي عياض: هذا الحديث لم يخرجه أهل الصحة ولا رواة ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع أسانيده وكذا قول عياض أيضا: ومن حكيت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صحابي وأكثر الطرق عنهم في ذلك ضعيفة واهية فهذا مردود أيضا.
وتتمة كلام القاضي عياض تدل على مدى تحرره من غائلة التقليد ومحاولته تمحيص الحقائق قال: وقد بين البزاز أن الحديث لا يعرف طريق يجوز ذكره إلا من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير مع الشك الذي وقع في وصله وأما الكلبي فلا تجوز الرواية عنه لقوة ضعفه ثم رده من طريق النظر بأن ذلك لو وقع لارتد كثير ممن أسلم قال: ولم ينقل ذلك.
قال الحافظ بن حجر: وجميع ذلك لا يتمشى مع قواعد المحدثين فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أن لها أصلا وقد ذكرنا أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتجّ بالمرسل وكذا من لا يحتجّ به لاعتضاد بعضها ببعض وإذا تقرر ذلك تعين تأويل ما وقع فيها مما يستنكر وهو قوله: ألقى الشيطان على لسانه تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى، فإن ذلك لا يجوز حمله على ظاهره لأنه يستحيل عليه صلى الله عليه وسلم أن يزيد في القرآن عمدا ما ليس فيه وكذا سهوا إذ كان مغايرا لما جاء به من التوحيد لمكان عصمته. ومضى قائلا: وقد سلك العلماء في ذلك التأويل مسالك نحو السبعة فقيل جرى ذلك على لسانه حين أصابته سنة من النوم وهو لا يشعر فلما أعلمه اللّه بذلك أحكم آياته وهذا أخرجه الطبري عن قتادة.
ورد القاضي عياض بأنه لا يصح لكونه لا يجوز على النبي ذلك ولا ولاية للشيطان عليه في النوم.
وقيل: ان الشيطان ألجأه إلى أن قال ذلك بغير اختيار. ورده ابن العربي بقوله تعالى حكاية عن الشيطان {وما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ } الآية قال: فلو كان للشيطان قوة على ذلك لما بقي لأحد قوة على طاعة.
وقيل: ان المشركين كانوا إذا ذكروا آلهتهم وصفوها بذلك فعلق ذلك بحفظه صلى الله عليه وسلم فجرى على لسانه سهوا. وقد رد القاضي عياض ذلك فأجاد.
وقيل: لعله قال ذلك توبيخا للكفار، قال القاضي عياض وهذا جائز إذا كان هناك قرينة تدل على المراد ولاسيما وقد كان الكلام في ذلك الوقت في الصلاة جائزا والى هذا نحا الباقلاني.
وقيل: انه لما وصل إلى قوله: {وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الأخرى} خشي المشركون أن يأتي بعدها بشيء يذم آلهتهم به كعادته إذا ذكرها فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم على عادتهم في قولهم: {لا تَسْمَعُوا لِهذا القرآن وَالْغَوْا فِيهِ} أي أظهروا اللغو برفع الأصوات تخليطا وتشويشا عليه ونسب ذلك إلى الشيطان لكونه الحامل لهم عليه أو المراد بالشيطان شيطان الانس.
وقيل: المراد بالغرانيق العلا الملائكة وكان الكفار يقولون:
الملائكة بنات اللّه ويعبدونها فنسق ذكر الكل ليرد عليهم بقوله: {أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى} فلما سمعه المشركون حملوه على الجميع وقالوا قد عظم آلهتنا ورضوا بذلك فنسخ تينك الكلمتين وهما قوله: تلك الغرانيق العلا، وان شفاعتهن لترتجى وأحكم آياته.
وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يرتل القران فترصّده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا صوت النبي صلى الله عليه وسلم بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبي وأشاعها. قال القاضي عياض وهذا أحسن الوجوه وهو الذي يظهر ترجيحه ويؤيده ما روي عن ابن عباس في تفسير تمنى بتلا وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل وقال: معنى قوله في أمنيته أي في تلاوته فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة اللّه في رسله إذا قالوا قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه فهذا نصّ في أن الشيطان زاد في قول النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لأنه معصوم.
قال في فتح الباري: وقد سبق إلى ذلك الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب هذا المعنى. اهـ.
ما ما ورد في صحيح البخاري بصدد هذه القصة فهو: وقال ابن عباس في {إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أمنيته} إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه فيبطل اللّه ما يلقي الشيطان ويحكم اللّه آياته، ويقال أمنيته قراءته الأماني يقرءون ولا يكتبون فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ يقال بعد ما فسرها في الحديث رواية عن ابن عباس، وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين، فما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهر العبارة، ثم حكايته تفسير الامنية بمعنى القراءة بلفظ يقال يفيد انه غير معتبر عنده وسيأتي ان المراد بالحديث حديث النفس.
وقال القسطلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القصة غير واحد من الأئمة حتى قال ابن إسحق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة. وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحق أنه من وضع الزنادقة مع حال ابن إسحق المعرفة عند المحدثين.
وهذا نص ما قاله القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والانس وقد يكون ذلك لبلاغة السورة وشدة قرعها وعظم وقعها. ثم قال القاضي: قد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن هذه الرذيلة.
أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير اللّه وهو كفر أو أن يتسوّد عليه الشيطان ويشبه عليه القران حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه وحتى يفهمه جبريل عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفرا وسهوا وهو معصوم من هذا كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدا ولا سهوا أو أن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على اللّه- لا عمدا ولا سهوا- ما لم ينزل عليه وقد قال اللّه تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ} وقال: {إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا}.
ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ومن بحضرته من المسلمين، وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه.